18 ديسمبر 2011
• قال لي صاحبي هل تعلم أن التعاقد في إحدى المراكز الطبية الحكومية الكبيرة مع ثمانية استشاريين سعوديين غير متفرغين من ذوي أصحاب التأهيل العالي يكلف تقريباً قيمة التعاقد مع استشاري (خواجة) من ذوي العيون الزرقاء والشعر الذهبي؟ قلت له: لعلك تبالغ! قال: لا أبالغ، بل ويقولون إنه غير متفرغ أو عمل جزئي ولكن عبء العمل لا يكاد يختلف – إن لم يكن أكثر- من أي استشاري متفرغ بما فيهم (الخواجة)! قلت له: جميل جداً! يعني واحد (خواجة) بثمانية سعوديين!
• و هل تعلم أن عدداً كبيراً من الاستشاريين (الخواجات) الذين يتم التعاقد معهم بأرقام فلكية يُكتشف فيما بعد وللأسف أن “العينة كانت مضروبة”! وأن صاحبنا (الخواجة) ما جاء إلى بلدنا إلا ليتعلم طرقاً جديدة على مرضانا، وحين تكثر مشاكل ومضاعفات (وقتلى) هذا (الخواجة) وبالذات الجراحين منهم، من مرضانا المساكين، يتم فسخ عقدهم وتتكلف المستشفى بدفع رقم خيالي، قلت له: هل تنصح إذاً أن يركب الطبيب السعودي منا عدسات ملونة ويصبغ شعره باللون الأصفر ليحصل على رقم ليس فلكياً وإنما سقفي أي يصل لسقف الغرفة على الأقل؟ قال: وما ستفعل بلون جلدك القمحي يا ذكي؟ قلت له: بسيطة، أقول لهم إني كنت أتشمس!! قال لي: يا فالح حتى في السكن هناك تصنيف فلكي، قمري، سطوحي أو سقفي، فالسكن الفلكي للخواجة والأسطح للسعوديين الاستشاريين حتى لو كان متخرجاً من هارفارد!
• قال لي صاحبي: أما إذا كنت من الأطباء السعوديين (المتنفذين) فإن هناك من سيتعاقد معك على أنك (خواجة) وستحصل على أرقام قمرية وليست فلكية كراتب شهري!! وتعريف الأرقام القمرية هي مازاد قليلاً عن خمسة أرقام ووصل إلى ستة أرقام. قلت له: ما معنى (متنفذين)؟ قال لي: يا أخي يعني مَرضي عنهم من قبل الإدارة! قلت له بسذاجة مصطنعة: يعني لا يوجد عدل في توحيد الرواتب؟ قال لي: لقد سألت عن عظيم؟ هذا موضوع شائك! لكن طبعاً في حالة صاحبنا هذا(المتنفذ) فإنه الغبن بعينه! لكن خلاف ذلك فيه نظر! قلت له: كيف؟ قال: أسألك سؤالاً، ما رأيك بطبيب استشاري يعمل في مدينة صغيرة، في مستشفى صغيرمحدود الإمكانيات، قليل الحالات، لا يأتي عليه العصر إلا وهو يتمتع بقيلولة ما بعد الغذاء الدسم في منزله، هل يتساوى مع استشاري يعمل في مدينة كبيرة، في مستشفى كبير في عدد أسرته وإمكانياته، هو مرجع للحالات الصعبة والمعقدة، لا تكاد تجد سريراً فارغاً فيه، فهل من العدل أن يتساوى الاثنان في رواتبهما؟ قلت له: وهل أنت مع تساوي رواتب الأطباء في جميع القطاعات؟ قال لي صاحبي: اسمع، موضوع رواتب الأطباء يحتاج غربلة شاملة! ما رأيك بطبيب هو عضو هيئة تدريس في كلية طب، لا يدرس إلا أسبوعين أو ثلاثة في السنة كلها، وله مطلق العنان في العمل الخاص، وآخر يدرس بحكم تخصصه طوال السنة الأكاديمية تقريباً، فهل من العدل أن يتساوى الاثنان في رواتبهما؟ قلت له: حيرتني! ماذا تريد؟ قال لي بحسرة: ألم أقل لك إن موضوع رواتب الأطباء في مختلف القطاعات شائك!
• قلت لصاحبي: لعله من الأفضل لي إذاً أن استلم منصباً إدارياً وأورثه لأبنائي!! قال لي بحرقة: أما عن الأطباء والإدارة، فحدث ولا حرج! أغرب ما أراه أن مناصب رئيس قسم مثلاً أو مدير مستشفى أو تعليم وتدريب أصبحت خالدة تالدة لا ينزعها من “أصحابها” إلا ابن أبيه!! فترى السنوات تمضي ولا زال فلان هو الرئيس، قال: ما رأيك برئيس ما يضع ورقة حضور للاستشاريين عند اللقاء الصباحي، وخطاً أحمر، ومن تأخر وبخه كما يوبخ الأستاذ تلميذه، وهدده بالحسم من راتبه، وعاود الاتصال به آخر النهار ليتأكد من أنه مازال على رأس العمل؟ قلت له: هل تتحدث عن مدرسة ابتدائية مقطوعة في منطقة نائية؟ قال: يا رجل هل تعامل من ائتمنهم الناس على أرواحهم وبذلوا زهرة أعمارهم في العمل والدرس والتحصيل ليصبحوا استشاريين بهذه الطريقة؟
• قلت له: ما رأيك بمدير في إحدى مستشفيات الصحة؟ أظنه منصب رائع! قال لي: أبشر إذاً بسيل الشكاوى التي لا تنتهي! حكى لي مدير متفان في عمله عن أحد المراجعين الذين أقام الدنيا ولم يقعدها، وملأ بصراخه وزعيقه ووعده ووعيده الأرجاء، وأكال على المستشفى ومديرها تهم الخيانة والتقصير وغياب الأمانة، وكبر الموضوع قليلاً بغياب الوطنية، والسبب أن الطبيب الإستشاري وصف له دواء مرخياً للعضلات بريالين ونصف! فكيف؟ ولماذا؟ وأين تذهب أموال وزارة الصحة؟ أخبرني المدير أن هذا المريض تم تشخيصه بمرض روماتيزمي، بتكلفة تحاليل عملت جميعها في هذا المستشفى، وبتكلفة علاج تتجاوز الستة آلاف ريال شهرياً على أكثر من سنتين! ولكنه غضب الآن لأنه صرف له علاج بريالين ونصف!!
• قلت له: الحل إذاً مع سياسة توحيد الرواتب أن أقبض راتبي نهاية كل شهر وأنا أعمل في مكان بعيد لا تعب ولا نصب فيه! قال صاحبي محذراً: ستكون عرضة إذاً لمن طال عليهم الأمد فتحجرت عقولهم ونسوا الطب وضاعت مبادءه ومثله! قلت: كيف؟ قال: حكى لي أحد الزملاء الإستشاريين في أحد المراكز الطبية الكبيرة في شرق المملكة، أن طبيباً إسشارياً لا رقيب عليه مضى في علاج إحدى المريضات المصابات بإلتهاب المفاصل الروماتيزمي إلى أن أصيبت بالشلل الرباعي الكامل لجميع الأطراف؟ قلت مستنكراً يا رجل كيف هذا؟ قال: إستخدم أولاً المسكنات إلى أن بلغ عددها بتنوع أنواعها إلى 40!! ثم إستلمها لسنوات بعلاج الكورتيزون (هذا العلاج مفيد عند بداية التشخيص فقط لكن ليس بصورة مستمرة) سنة وراء سنة ومفاصلها تتحور وتزداد تشوهاً، ومضاعفات الكورتيزون تظهر عليها من ضغط، وسكر، وسمنة، وهشاشة، والمسكينة لا تسمع منه إلا تعليلاً بأن هذا هو المرض وتطوره الطبيعي وعليها أن ترضى بما قسم الله لها!! ثم بدأت تشتكي من تنميل في أطرافها الأربعة وخدر وضعف، فقال لها لعلك تتوهمين، وما درى هذا الطبيب المجرم أن إلتهاب المفاصل الروماتيزمي يصيب أيضاً مفاصل الرقبة وتحديداً ما بين الفقرة الأولى والثانية، وهذا ما حدث مع هذه المسكينة إذ تطور المرض مع الأيام والشهور والسنين بسبب سوء العلاج، وعدم التحويل المبكر، وغياب الرقيب، فأدى إلى قطع في الحبل الشوكي وشلل رباعي مزمن!!
• قلت له: حسناً، ما هي الزبدة؟ قال لي صاحبي: الخير كل الخير في أطباء بلدنا الذين استثمرنا فيهم، فكيف نهدم ما بنيناه بحجج عديدة لا معنى لها؟ والطب أشرف مهنة، فيجب مراعاة أهله بعدل وإنصاف.
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
28 سبتمبر 2011
يستخدم مؤشر أمية القراءة والكتابة في مجتمع ما، لقياس مدى كفاءة النظام التعليمي في هذا المجتمع، ولقد سجل العالم العربي أرقاماً مفزعة في هذا المجال، فكما نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2006 أنه على الرغم من ارتفاع معدل القراءة والكتابة بين البالغين (15 عاماً فأكثر) من 30% عام 1970 إلى 64% عام 2003 إلا أن معدلات الأمية في الوطن العربي لا تزال أعلى بقليل من المتوسط الدولي في البلدان النامية الأخرى، وليس أقل منها إلا أفريقيا جنوب الصحراء ! ومن الأرقام المفزعة أن عدد الأميين المطلق (الذين لا يجيدون القراءة والكتابة) في العالم العربي في ازدياد! وأرقام كثيرة يمكن أن تذكر في هذا المجال: معدل القيد في التعليم العام، معدل انتشار التعليم العالي،…ولا شك أن هذه الأرقام لها دلالاتها ولكن إلى أي مدى؟ وما مدى صدقية هذه الدلالات؟
والحق أن هذه الأرقام لا تعبر عن المشكلة ولا تذكر كل الكلمات! فهل أربع سنوات من المرحلة الابتدائية (السنوات التي تحدد لمحو الأمية) كافية فعلاً لمحو الأمية؟ والأخطر هو وجود مؤشرات أخرى لا يتطرق لها أحد! فهل تقاس أمية الحساب؟ وما بالكم بالأمية الثقافية؟ وما بالكم بالجهل الوظيفي ؟ وأمية اللغة الإنجليزية وأمية الحاسوب وقواعد البيانات، وأمية الإنترنت وأمية الاتصالات الحديثة؟ والأخطر والأهم أمية الوعي الحضاري؟ يقدر بعض الخبراء أن الأمية بمفهومها الثقافي الوظيفي قد تصل إلى 80% أو أكثر من مجوع السكان في العالم العربي!
يقول الدكتور أحمد الترتوري في ذروة كتابه الرائع (نظرية المعرفة والواقع التربوي العربي المعاصر) صفحة 482: (..وسيبقى التعليم عاجزاً عن المساهمة في التنمية، حتى لو تحسنت أداءات التعليم في البلدان العربية ضمن المؤشرات الكمية، فعلى الرغم من تحسن بعض المؤشرات الكمية للتعليم في معظم البلدان العربية، بل والنوعية أيضاً في بعض الأحيان، إلا أن حالة التخلف ما تزال تسجل حضورها في المجتمعات العربية. حتى ولو افترضنا مزيداً من التحسن الكمي والنوعي في التعليم العربي، فإن التوقعات تشير إلى عدم قدرة هذا التعليم على إزاحة حالة التخلف الجاثمة على العقل والواقع العربيين. والسبب في ذلك يعود إلى تخلف الوعي العربي نفسه ، ذلك الوعي الذي تشكله الابستمولوجيا (المعرفة) وتوجه مساره. بعبارة أخرى، فإن التعليم ليس هو المشكلة في حد ذاته، بل إن المشكلة تكمن في تخلف الوعي العربي نفسه، ومرد هذا التخلف عائد إلى نظرية المعرفة التي تشكل هذا الوعي، لأن إعادة امتلاك الواقع معرفياً هو السبيل لإعادة امتلاكه عملياً)، وفي فصول أخرى من الكتاب أسهب الكاتب معتمداً على تقسيمات الجابري للمحتوى المعرفي في الفكر الإسلامي الذي يتكون من : البيان والعرفان والبرهان، أسهب في عرض الملامح الرئيسية لنظرية المعرفة في الفكر الإسلامي، وخلص إلى أن سبب التخلف الرئيس هو النكوص إلى البيان والعرفان، وشرط النصر والتقدم هو العودة إلى البرهان.
وهناك مفهوم خطير تجب الإحاطة به، فليس التعليم فقط لكي يهيئ خريجيه للوظيفة وحسب مغفلاً الجانب المهاري والمهني بشخصياتهم، إذ ستصبح وظائف التعليم – كما يقول الدكتور خلدون النقيب:( مجرد إبعاد للطلاب عن الشوارع، ومبرراً لتأخير سن الزواج، ومجرد إعطاء شهادة بأن شخصاً ما قد انتظم في المدرسة وتخرج فيها، وبالتالي فهو مؤهل لشغل وظيفة ما…وسيصبح التعليم مجرد تهيئة للأجيال القادمة ليس على الاختلاس والتدليس بصورة ذكية وحسب، وإنما اكتساب القدرة على تبرير الاختلاس والتدليس، وإخراج أجيال من الشباب تساق كوقود لمعارك التعصب الديني والإثني، في مجتمعات لا يستطيع مواطنوها بسبب النقص في تعليمهم استشراف مستقبل أفضل، فهم لا يقدرون أن يفلتوا من أغلال الواقع المادي المحيط بهم، ومن براثن الجهل بالأمور وما يولده هذا الجهل من تعصب وخنوع، فليس كل الجهل عدم الإلمام بمبادئ القراءة والكتابة!).
وإذا كان الأمر هكذا إذن فإن ظاهرة الافتخار بحمل الشهادات واقتنائها – التي ابتلينا بها في مجتمعاتنا- دون مراعاة الكفاءة والموهبة والإنتاج تكون مفهومة تماماً، فنتائج التوسع في التعليم العالي بدون سياسة تعليمية تربوية منهجية واضحة تؤدي إلى تعليم الموهوب وغير الموهوب، وتعليم غير الموهوبين هؤلاء لن يتحول إلى تشويه وتعجيز لهم فقط – كما يقول الدكتور الترتوري- ( بل إلى مُشوِهين ومُعَجِزين لغيرهم، أي إلى أن يفعلوا بغيرهم ما فعله غيرهم بهم من تشويه وتعجيز. بعبارة أخرى، فإنهم سيتحولون إلى أجهزة تشويه وتعجيز في مجتمعهم، وذلك بمجرد امتلاكهم صكاً من المجتمع ومن المؤسسات التعليمية العليا يشهد بأنهم أصبحوا علماء، وهذا الصك هو الشهادة العلمية التي أصبحوا يمتلكونها!) ترى كم عدد هؤلاء في كلياتنا وجامعاتنا؟ هل يعترف أحد بهذا الواقع المر؟ هل يلتفت أحد إلى حال أعضاء هيئات التدريس؟ أم هو الهم السطحي الدائم لجل أعضاء التدريس: أشتكى فلان أم لا؟ هل دُفعت البدلات أم لم تُدفع؟ هل حدثت الترقية أم لم تحدث؟ أريد المنصب قبل أن يناله فلان؟ ولا تسل عن رسالة أو رؤية أوخطة تطوير، فهذه غير واردة في الأجندة بسبب أمية الوعي الحضاري!
إن منح الشهادة العلمية العليا لفاقد الموهبة والكفاءة يجعل حامل هذه الشهادة في بيته أو مكتبه أو جيبه- كما يقول أحد المفكرين:(مغروراً مشوهاً عاطلاً كاذباً منافقاً انتهازياً جاهلاً بكل شيء، إلا من ممارسته للجهالات، مناقضاً لكل ما تعنيه الشهادة التي يحملها، لتكون هذه الشهادة أقبح وأفدح شهادة زور وتزوير).
إن الوعي الحضاري الحق يستلزم عملاً دؤوباً يبدأ بتصحيح وتعديل آليات التفكير والنظر، بالاعتماد على العقل والبرهان، بغربلة ونفض غبار الأفكار القديمة والبالية التي أسرتنا وجففت منابع الإبداع والإنتاج، (إن التعلٌم الحقيقي هو التعلم الذي يغير سلوك الفرد وأنماط تفكيره في الاتجاهات الإيجابية، التعلم الحقيقي يفرض على صاحبه منظومة من القيم الحضارية تجعل منه شخصاً متنوراً في تفكيره وسلوكه)، إن تخلف حاملي الشهادات العليا-حتى وإن أخذت من أعتى جامعات العالم- (هو أدهى وأمر من تخلف الأمي في القراءة والكتابة، لأن تخلف المتعلم لا يقتصر على تلويث ذاته وحسب وإنما يمتد ليلوث الآخرين عبر إعادة إنتاج التخلف، بحجة أنه أصبح خبيراً أو عالماً أو مفكراً) (الترتوري – بتصرف) هل أدركتم الآن عظم المأزق الذي نحن فيه؟
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 2 »
17 أبريل 2011
وضعَ أسئلة الاختبار سؤالاً سؤالاً، هناك سؤال فوق مستوى الطلاب، صعب، لا يتناسب مع قدرة الطلاب وهم في بداية المرحلة السريرية، فكر فيه، قدم يداً وأخر أخرى، هل يلغيه؟ لكنه سؤال جميل، تعب واجتهد في وضعه ليخرج في صورة منسقة جميلة، ثم إنه قام بشرح موضوعه في المحاضرة بإسهاب، فإذن لا حجة للطلاب في عدم الإجابة عليه! قررأن يبقيه من ضمن الأسئلة، وأقنع نفسه أنه سؤال مهم، ومن ثم تأتي المفاجأة كصاعقة، 90% من الطلاب أجابوا على السؤال إجابة خاطئة! فأين الخلل؟
هناك موضوعان في قضية التعليم، يحدث خلط كبير بينهما لدى كثير من المعلمين على اختلاف مراحل التعليم، سواء أكان في التعليم العام أم العالي، إنهما التعليم والتعلُم! فالأستاذ يعلم ولكن الطالب هو الذي يتعلم! بمعنى أنه ليس كل من درس، وقدم محاضرة، هو في الحقيقة قد أدى دوره كما يجب في التدريس! وليس كل من قال إنه معلم هو في الحقيقة معلم! ولذلك يعجبني أحد التعاريف التي مررت بها والتي تعرف ما هي حقيقة العملية التعليمية، وهو مترجم” إن التعليم هو مجموع الأنشطة التي تنعقد لتحفيز وتشجيع التعلُم”، بمعنى أن المحاضرة وحدها ليست كفيلة بضمان فاعلية التعليم! بمعنى أن مجرد ذكر معلومة للطلاب لا تؤهلك أن تقيم الحجة عليهم بأنهم قد تعلموها!
إن التعليم عملية متشابكة، صعبة، معقدة! إنها تشمل منهجاً معاصراً متجدداً، فيه علاقة واضحة وظاهرة بين ما يدرسه الطالب وما يجب أن يكونَ عليه بعد التخرج، وتشمل أساليب تدريس، متعددة، متنوعة، حديثة، فيها تحفيز على التفكير، وثقافةالمساءلة، والشك فيما يظن أنه ثابت، وتشمل أساليب تقويم فعالة، وتشمل معلماً مثقفاً، مؤهلاً، واعياً بأساليب التدريس والتقويم، يعرف كيف يتأكد من أن تدريسه كان فعالاً أم لا؟ وتشمل قبل كل ذلك وبعده: بيئة تعليمية محفزة! ومن ثَمَ نأتي ونبحث عن الطالب، لنؤهله مهارياً حتى يتمكن من الترقي في سلم التحصيل، ونوجهه أكاديمياً لنحل له عقد المناهج العقيمة ونحصنه من عقد بعض الأساتذة، ونبني شخصيته في أنشطة لا صفية، فيها قوة فكرية وبدنية، وراحة نفسية، والآن وبعد كل هذا يجوز لنا أن نسأل السؤال الشرعي الصحيح: هل تعلًم الطالب أم لا؟ أما قبل ذلك، فهو سؤال باطل، بل منكر! سؤال هو في منزلة الممنوع من الصرف بل الذي لا محل له من الإعراب!
ومما يلحق من مفاهيم ومبادىء مهمة حول هذا الموضوع، هو مفهوم الإخلاص والصواب في نجاح أي عمل شاملاً العملية التعليمية، وهذا مبدأ قرآني بإمتياز، يقول تعالى:”فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً”! عرف هذا الفضيل بن عياض فقال: الإخلاص والصواب! وما هذا إلا تأكيد لما سبق وأني ذكرته في أطروحة سابقة من أن مباديء التعليم والتعلم ما هي في الحقيقة إلا مباديء لحياة سليمة منتجة فعالة! فالتربية هي الحياة نفسها كما عرفهاأحد الفلاسفة! فلكي ينجح أي عمل يجب أن تصح الإرادة ويصدق التوجه ويتضح الهدف، ومن ثم تأتي تابعة طرق وآلية التنفيذ التي يجب أن تكون بأساليب حديثة ومتطورة وفعالة و”صائبة”، ، إنه وكما عبَر أحد خبراء التعليم الطبي بأننا لا يجب أن نفعل الأشياء الصحيحة وحسب بل يجب أن نفعل الأشياء بطريقة صحيحة! يقول الفيلسوف الفرنسي مونتاني: “إن المعرفة الحقة هي التي تصنع العقول بطريقة جيدة، وليست التي تملأ العقول بطريقة جيدة”!
وكم اكتوينا وما زلنا نكتوي من ضياع بوصلة التعليم والتدريب لدى كثير من الأساتذة في التعليم العام والخاص والعالي! ما زلت أذكر مدرساً لإحدى المواد الدينية في المرحلة الثانوية، يكتب نقلاً من الكتاب على السبورة برداءة خط وهذا مقبول إلى حد ما ولكن بأخطاء إملائية كانت محل تندر الطلاب! أوالآخر الذي هو أيضاً مدرس لمادة دينية أخرى إذا أهَلَّ داخلاً الفصل الدراسي هلت معه رائحة الدخان! أما مدرس القرآن حديث التخرج الذي يضع ساقه منهياً بحذائه ممدة على “ماصة” أحد الطلاب وعليه المصحف الشريف فقد كان بإجماع الطلاب بحاجة إلى دروس في الأدب قبل أن يُعطَى الحق في تدريس كتاب الله! هناك ما يسمى بالمنهج المختفي أو اللامباشر وهو خطير! لأنه ومن خلاله تتم تسريب مفاهيم وتصورات وسلوكيات هي خارجة عن مراد وتحكم التربويين! أما في التعليم العالي – والطبي تحديداً- فهناك الكثير من الأمثلة التي تناظر ما سبق ذكره،وما زلت مع كثير من الغيورين أدعو إلى إعادة تأهيل الأطباء الأكاديميين من الناحية التعليمية! فإني أزعم أن عدداً كبيراً من أساتذة كليات الطب ما زالوا يجهلون مباديء التعليم والتعلم! ولا أرى أسوة بجامعات عالمية عديدة أي توجه يلزم أساتذة كليات الطب حداً أدنى من التأهيل التربوي مضافاً إليه تدريب سنوي مستمر للتأكد من جودة التعليم الذي يقدمه هذا الأستاذ! وتبعاً لذلك فما زال المنهج المختفي اللامباشر يعبث بالتكوين العلمي الأكاديمي لأبنائنا وبناتنا!
وليس الأمر هذا أكثر سوءاً لمرحلة ما بعد التخرج في برامج التدريب التي تنعقد في مختلف المستشفيات والقطاعات الصحية، فمعظم المشرفين على هذه البرامج ذوو علم سطحي بالتدريب وآلياته، ولا يعدو دورهم للأسف غيرالدور الإداري البحت عمن حضر ومن غاب! وقد تكون الرغبة والإرادة في التحسين موجودة، ولكن لا بد من معرفة أمور تفصيلية مهمة تسهم في تدريب وتخريج أطباء سعوديين على قدر عال من الكفاءة والتمكن؛ فاللقاء الطبي الصباحي هو أقوى وأكثر أوقات التدريب فعالية، ولكننا نجد أنه قد سرق بالروتين والسلبية في أغلب المستشفيات، ولا تسل عن الجولات التفقدية السريرية وكيف يجب أن تنعقد، والتدريب في العيادات الخارجية أمر شبه مغيب عن أجندة الأطباء المدربين والمتدربين!
والغريب الذي أراه؛ السعي الحثيث لكثير من القطاعات والمستشفيات والكليات في الحصول على ورقة اعتماد مهني أو أكاديمي، هي في نهاية المشوار لا تعدو أن تكون ورقة ولا تعلم ما إن كانت الأوراق التي تعد لهذا الاعتماد تعكس حقيقة الواقع العملي اليومي أم أنه الصراع الدائم عندنا بين الصورة والحقيقة فالأوراق في جهة والواقع في جهة أخرى! عموماً -هذا ولا شك غريب- ولكن الأغرب ألا أحد يتكلم أو يذكر أو حتى يفكر في آليات للتحقق من جودة وكفاءة التعليم والتدريب، ولعلي أناقش في مقال آخر الخلط الحاصل عند بعض كبار المسؤولين حينما يفكرون في التعليم والتدريب في قطاعاتهم، فيغفلونه عمداً بحجة أن المهم هو مصلحة المريض وليس الالتفات إلى أمور ثانوية كهذه! وما عرف هؤلاء أن ارتباط جودة وكفاءة التعليم والتدريب الطبي بمصلحة المريض هو مبدأ وسنة عالمية ثابتة، أقرت ببحوث ودراسات عديدة، وهو منهج تسلكه القطاعات والمستشفيات والجامعات اليقظة في أنحاء المعمورة!
هل تبحر السفينة لمجرد الرغبة في الإبحار؟ أم لابد من عمل دقيق سليم خبير حتى تتم عملية الإبحار بسلامة؟ وإلا غرقت السفينة أو ضلت الطريق أو مكثت تبحر حول نفسها؟ وما أكثر الذين يدورون حول أنفسهم وذواتهم! أم هل تطير الطائرة وأنت تصفق بجانبها؟ إننا لا نفهم هذه القاعدة العلمية الاجتماعية على بساطتها! إن سر النجاح في أي عمل هو الإخلاص والصواب
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
13 يناير 2011
استوقفتني عبارة سمعتها من المفكر الفيلسوف الدكتور محمد عمارة في أحد البرامج التلفزيونية وهو يقول إن الاستغراق في أعمال الفكر والبحث والتأليف (وهو رجل موسوعي في ثقافته، غزير في إنتاجه الفكري) قد أبعد عنه الكثير من الأمراض. وهذا رأي له رصيد واسع من الأدلة العلمية، إذ إن هناك دراسات علمية كثيرة تؤكد فاعلية أن ينخرط الإنسان في أمر ذي بال، ويغوص في أعماقه منتجاً ومبدعاً، ودور ذلك في تخليص الإنسان من الكثير من الأعراض المزعجة. خذ على سبيل المثال مرضى روماتيزم العضلات (الفايبرومايالجيا) أحد أمراض اللآلام المزمنة، والتي حار الأطباء في طرق علاجها، حتى أصبح دور الطبيب في عيادته لا يتجاوز دور مرشد نفسي، فقد وردت عدة دراسات عن دور جلسات التوعية الجماعية، والدروس المشتركة بين مجموعة من المرضى وبإشراف خبير/خبيرة في هذا المرض (ليس بالضرورة أن يكون طبيباً!)، هدف هذه اللقاءات الرئيسي هو إعادة صياغة حياة المرضى، وإلى إضفاء معنى وغاية ورسالة في حياة هؤلاء الذين يعانون اللآلام المزمنة، أُستخدمت أيضاً طريقة القناعة الذاتية والشبع الذهني والتأمل في علاج السمنة المفرطة، كما أن أسلوب إعادة انخراط الإنسان في عمل ذي بال، والتأمل العميق، من الأساليب المستخدمة في علاج الاكتئاب، ومن المعروف علمياً أن الإنسان حينما يكتئب تضعف مناعته ويصبح عرضة للأمراض…
والحق أن الاستغراق في إعمال الفكر والرأي لهدف ما أو لإنجاز أمر ما هو دأب العلماء والمفكرين على مر العصور، يقول الإمام مالك بن أنس: “ربما وردت علي المسألة فأمضي فيها عامة ليلتي، بل ربما وردت المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم”. ويقول أيضاً واصفاً حال نفسه وفكره الذي لا ينفك عن العمل، والذي استغرق ولعاً في التفكير والبحث والتأمل: “إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن”. وإن ما حدث من طفرة علاجية لأمراض الروماتيزم، حتى أصبح من الممكن الحديث عن الكمون الكامل لمرض التهاب المفاصل الروماتيزمي لأول مرة في تاريخ هذا المرض، إنما جاء بفضل العلاجات البيولوجية التي استمر عليها دأب عدد من العلماء عكفوا على اكتشاف مركبات دقيقة لها دور فعال في هيجان هذا المرض طوال فترة التسعينيات الميلادية تقريباً، إلى أن تم إجراء التجارب على الحيوان ثم – بعد التأكد من سلامتها- على الإنسان، في جهد وتصميم علمي تعجز الكلمات عن وصفه!
وهذا المبدأ معروف من مبادئ الحياة، وهو أن الانشغال والاستغراق في مبدأ سامٍ يهدف إلى منفعة وخير الفرد والناس والمجتمع سواء أكان هذا الاستغراق فكرياً أم بدنياً، لهو من أصح علامات الحياة السعيدة الهنية، لا فرق بين العلماء والمفكرين وسواهم من الناس، إذ حقيقة لا وجود لفرق كبير-على رأي المنفلوطي- بين من نسميهم علماء ومن نسميهم جهلاء (أو غير علماء)، إذ إن فريق العلماء يعرف معلومات معينة وتطبيقات معينة بطريقة منظمة، فيم الآخرون قد يعلمونها ولكن بطريقة مبعثرة، والقضايا الكونية المتعلقة بالخير والشر والنفع والضر، والمسائل المنوطة بالإنسان في حياتيه المادية والمعنوية، يشترك في العلم بها الناس جميعاً عامتهم وخاصتهم، بل من عامة الناس من يملك نظرة كونية حياتية فيها نضج وإنفتاح وإنسانية، تفوق كثيراً نفراً ممن يُسمَون علماء بضيق أفقهم وسوء سلوكهم.
إن قوانين العمل والإنتاج والفاعلية التي تفضي إلى السعادة النفسية موجودة مبثوثة في كتاب الله أينما قرأت، وكمثال:”ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا” سورة الإسراء 19 ( 19 ).
إن مبدأ الإيمان باليوم الآخر على المنهج القرآني لهو من أكثر المبادئ دفعاً إلى الإنتاج والفاعلية والإبداع، فأنت بإرادة الخير وصحة القصد ثم بالسعي الدؤوب الصحيح تنطلق كالسهم إبداعاً وإنجازاً في هذه الحياة، إن واجهتك صعوبات استعنت بالله وتغلبت عليها، وإن وقف أمامك المثبطون أو اعترضك الحاسدون القاعدون، لم تكترث بهم، ولم تعبأ بشأنهم، بل لعل رياح عملك وإنجازك تهب عليهم، فتنفض الغبار الذي علق في نفوسهم، أو لعل نسيم إبداعك وروعته، يلين قلوب القساة، ويدفع الكسالى للعمل والإنتاج، أو إن لم تكن هذه ولا تلك، فلعل نار عزمك ولهيب إرادتك، تحرق الشر وأهله، وتبيد الخبث ومريديه، وتذهب الصدأ ومن استمرأه، وتساعد الحساد على حرق ما بقي في نفوسهم من حسد وغل وحقد، وأنت حين تنتقل في عملك وإبداعك وإنجازك من محطة إلى أخرى لا تعبأ كثيراً بتقدير الناس وشكرهم لك (على أهمية هذا التقدير في دعم العاملين المبدعين في كل مجال وفي كل قطاع)، لأن في مجتمعنا وللأسف جحودا ونكرانا، وغيابا لثقافة الثناء على المبدعين وتكريم المنتجين إلا بعد أن يموتوا! وأنت لا تعبأ بهذا، لأن لك نفساً كبيرة، ذات نظرة بعيدة، لا تتعامل مع العباد بل مع رب العباد، ومع من ملك الدنيا والآخرة جميعاً، وإذا أصلحت ما بينك وبين الله، أصلح الله ما بينك وبين الناس (كما يقول ذو النون المصري)، فلا تلتفت إلى الناس ولكن التفت إلى رب الناس. هذا هو المعنى العملي الفعال الذي يجب أن نفهمه كأحد أهم معاني الإيمان باليوم الآخر، وهو أن يكون طاقة مولدة للعمل والاستغراق في عالم الإنجاز والإبداع، لا أن يكون مجرد مشاعر خوف ورعب، لا يلبث الإنسان إلا أن يرغب في تجاهلها وصرف التفكير عنها، أو أن يكون خوفاً فاضحاً كاذباً قاصراً، لا يفهم من الطاعة إلا الصلاة والصيام وينسى مفهوم العمل الصالح الذي بثه القرآن شاملاً الدنيا وما فيها!
ولعل أحد معاني مفهوم الشكر الوارد في الآية الكريمة “كان سعيهم مشكوراً”، المنسوب لله سبحانه وتعالى، هو الشكر في الدنيا في صورة سعادة نفسية، وطمأنينة، وصحة جسدية!
أتمنى أن أكون قد أقنعت قارئي الكريم بضرورة الاستغراق في أمر ذي بال، وأنك في هذا الاستغراق ستحقق سعادة وصحة وطمأنينة يغبطك عليها الكثيرون، أما إن لم يكن لك ما تنغرق فيه، فإني أنصحك أن تبحث عنه..!
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
17 نوفمبر 2010
نشأت كما نشأ غيري لا نرى من الرياضة غير كرة القدم، ولا نمارس سواها. وامتد هذا الأثر معي إلى أيام الدراسة في الجامعة، وحملته بعد ذلك إلى كندا أثناء سنوات الابتعاث في مدينة فانكوفر، حتى إني حين كنت أذهب إلى المراكز الاجتماعية الموجودة تقريباً في كل حي من الأحياء هناك، لم أكن أشترك إلا في ثلاثيات أو خماسيات كرة القدم، وكنت أتجاهل ما عداها من الرياضات. وعدت إلى أرض الوطن منذ عدة سنوات وعادت هذه الرياضة معي، لا أرضى عنها بديلاً. وحدث ما كنت أخشاه ويخشاه كل لاعب لكرة القدم، حدث أن أقعدتني ركبتي التي حيرت الأشعة المغناطيسية في معرفة سبب الانزلاق المتكرر، فمكثت حدود السنة أو أكثر وأنا أندب حظي في الكرة، وأحاول أن أقنع نفسي أنها مسألة وقت وسيلتئم شيءٌ ما وسأعود للعب مرة أخرى، لكن هذا لم يحدث! وحديثي عن كرة القدم هنا ليس حديث اللاعب المتمكن الذي يبحث عنه مدرب المنتخب السعودي لحل مشاكل الكرة السعودية، إنما حديث لاعب هاو لا تميز لديه غير محبة الركض. ومما زاد الأمر صعوبة عليّ بضعة كيلوجرامات حملتها من القعود، وجينات عندي تحب زيادة الدهون، فاضطررت أخيراً وأنا على مضض من التسجيل في أحد الأندية الرياضية القريبة من المنزل، وذهبت إلى هناك زحفاً! أقدم رجلا وأؤخر أخرى! ودفعت مبلغاً وقدره! (ولعل هذه هي السلبية الكبرى هنا!) ومرت أيامي في هذا النادي وإذا بي أفاجأ أني أقدمت على خطوة رائعة في حياتي لم أكن أتوقع أهميتها إلى هذا الحد، وأني أخوض تجربة جديدة تماماً، فيها مرح وتنوع ونشاط وحيوية، أصبحت أحب النادي، وأقحمت له وقتاً في جدولي اليومي، وغيرت أوقات وجباتي حتى لا تتداخل مع أوقات التدريب.
لقد فوجئت حين اكتشفت كيف يكون الإنسان أسيراً لتصورات مسبقة وآراء لا يرضى عنها بديلاً ولكن حين يعطي لنفسه بعضاً من التحرر والمرونة وضرورة التجريب والمشاهدة العلمية العملية فلربما تغيرت قناعاته وتصوراته رأساً على عقب! هذا ما حدث معي وأنا لا أرى لسنوات طويلة غير كرة القدم رياضة وحيدة! وهذا ما تألمت له وأنا أتذكر كم من المرات كنت أسخر مازحاً من عدد من الأصدقاء الذين يبدون إعجابهم بهذه الأندية الرياضية. ألا كم من الأوهام التي وصلت إلى درجة يقينيات تتحكم بنا؟
ولعل أشد ما أعجبني في هذه الحصص التدريبية هو أنك بانخراطك تحرك تقريباً جميع عضلات جسدك، وقد تعجب حين تقوم ببعض التمارين التي تشد عضلات في أماكن عدة في جسدك كانت لفترات طويلة مصدراً لآلام مبرحة ناشئة من قلة الرياضة والحركة، فتزول بهذه التمارين هذه الآلام وذاك الخمول، وتنتج من أثرها حيوية ونشاطاً ومرونة. أدركت كم كنت مجحفاً بحق جسدي وأنا مهمل بالتركيز فقط على عضلات القدم والساقين بالأساس ومغفلاً باقي الجسد! إنها طاقات كامنة معطلة تحتاج من يحركها ويستغلها وإلا سببت له الآلام والمشاكل! وكم هو مجحف في حق نفسه وإدارته ومجتمعه من يهمش الطاقات ولا يستغلها ولا يأبه أصلاً بوجودها بل هو غافل عنها جاهل بها! الحياة حركة، فمن لا يتحرك يموت أو يمرض!
وما أسعدني هو أني أخذت دروساً مفتوحة في ثقافة الإنجاز، بداية تحس أنك لا تستطيع أن تستمر في التمرين وأنك منهك قد انتهيت ويجب أن تتوقف! ولكن من ومضة أمل تقول إنك تستطيع، ومن مشاهدة غيرك من العاملين المجتهدين، ومن صرخة تشجيع من مدرب حريص على الإنجاز، تمضي بإصرار وعزم جديد لعلك تكتشفه في نفسك لأول مرة! الدرس الآخر كان في التدرج والتخطيط السليم، تبدأ بسرعة بسيطة تشد عضلاتك وتنشط دورتك الدموية ثم تزيد نشاطك بدرجة محسوبة لفترة محدودة، فإذا انتهت زدت أكثر وما إن ينتهي الوقت الذي حددته لهذا التمرين حتى أنجزت ما أردت إنجازه (ركض 3 كيلومترات في 25 دقيقة مثلاً). ألا ما أحوجنا إلى ثقافة الإنجاز!
وليس صحيحاً أننا نحن السعوديين نخاف أو نخشى بعضنا البعض! كل من كان يحضر في النادي يبتدرك بالسلام، يبتسم، يبدؤك بالحديث، إنه جو حميمي، فيه ود واحترام وأدب. إذا حان وقت الصلاة اصطففنا في دقائق لنصلي جماعة، فلا نسمع أحداً يرفع صوته مذكراً ولا آخر منبهاً، وإنما بكل انسيابية وطواعية من طرفنا. هل نرى مثل هذه الأندية تلحق بالمساجد مثلاً؟ ومن قال إن المساجد على مدى تاريخ الحضارة الإسلامية كلها كانت مجرد دور عبادة فقط معزولة عن واقع الحياة؟ هل نرى (مساجد – مراكز اجتماعية) على شاكلة الموجود في العديد من المجتمعات الغربية والآسيوية فيها مكتبة الحي، وصالة الحي الرياضية، وصالة اجتماعات، فيها يعقد على سبيل المثال ناد للقراءة والكتاب أو دروس تقوية للطلاب من بعض مدرسي أو مدرسات الحي، أو دورة تدريبية طوعية عن مهارات الحاسب أو الرسم أو التصوير، بل إن فتيات الحي قد يتفقن على أن تعلمهن إحداهن مهارات الطبخ أو عمل الحلويات، أو لعل بعضاً من كبار السن يجلسون معاً في نادٍ خاص لهم ولأنشطتهم…..
ألا تباً للرياضة! تجعلك وأنت تمرن عضلات أكتافك وساقيك كأنك تمرن عضلات دماغك! فتأتيك أفكار وآراء مع تحسن معدل اللياقة لا تدري أين تذهب بها؟!
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
12 سبتمبر 2010
“نحن شعب (يتكلم)، ولكن قلَما (يقول) شيئاً! ونحن نثرثر ونملأ الدنيا صياحاً، ولكننا قلَما نعرف كيف نتوخى الدقة في التعبير، أو كيف نستخدم (اللفظ) على قدِ المعنى!..ليس أيسر على الإنسان من أن يصمت حتى لا ينطق بالحقيقة، كما أنه ليس أيسر عليه أيضاً من أن يثرثر حتى يقول كل شيء ما خلا الحقيقة، وأما الصعوبة كل الصعوبة فهي أن يعرف الإنسان متى يتكلم، وماذا يقول، وعلى أي نحو يتحدث، وكيف يعبر عن نفسه، وإلى من يتوجه بالحديث. إن القول- في الواقع- لهو أيضاً (فعل): فإن ما نقوله يحمل إلى الآخرين ما نفكر فيه، أو مانريد أن نعمله، أو ما نريد لهم أن يعملوه. ألسنا نلاحظ أن النقاط الغامضة كثيراً ما تكون مثاراً للتأويلات الفاسدة أو التطبيقات الخاطئة؟ بل ألا تدلنا التجربة على أن تنظيم ألفاظنا هو في الغالب تنظيم لأفكارنا، وبالتالي تنظيم لحياة الآخرين؟ إن (الدقة) -في الألفاظ- واجب أخلاقي، قبل أن تكون مجرد ميزة أدبية، أو خاصية فكرية. وكما أن الفعل الحقيقي هو ذلك الذي يصيب مرماه ويبلغ هدفه، فإن القول الحقيقي أيضاً هو ذلك الذي يعني ما يقوله ويجيء على قد مراده!” بتصرف من كتاب (مشكلة الحياة) للدكتور/ زكريا إبراهيم.
• “إن اللذة التي تجعل للحياة قيمة، ليست حيازة الذهب، ولا شرف النسب، ولا علو المنصب، ولا شيئاً من الأشياء التي يجري وراءها الناس عادة..إنما هي أن يكون الإنسان قوة عاملة ذات أثر خالد في العالم..” قاسم أمين.
• “كل ما يصرف في سبيل التعليم والتربية، كالدراسة ومطالعة الكتب والجرائد والسياحة، لازم!…إنه لايجوز مطلقاً الاستغناء عن صرف الأموال في هذه السبيل، كما لايمكن الاستغناء عن الغذاء الذي هو قوام الحياة..لأن التربية هي رأس مال لا يفنى، أما المال فما أقرب ضياعه، وخصوصاً في يد الغبي الجاهل” من كتاب (قاسم أمين) للدكتور/ محمد عمارة.
• “تقول أحد كتب التاريخ: إنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر! فجاء رده جافاً ومقتضباً ودالاً، إذ قال: لمَ أحضروا كل هذا البارود إذن؟ لقد رأى الشيخ علاقة الحداثة الغربية بالإمبريالية من البداية، وهو ما أدركه الكثيرون بعد ذلك” من كتاب (دراسات معرفية في الحداثة الغربية) للدكتور/ عبدالوهاب المسيري.
• “في عام 1912 كان الضابط الفرنسي البارز(أرنست بيكاري) يجوب الصحراء الموريتانية بصحبة دليل مسلم من أبناء الصحراء، وبينما هو في الطريق وجه لدليله الموريتاني كلمة عكست نفسيته الموتورة حين قال له: هل تبين لكم أننا نحن الأقوى والأكثر جدارة بالسيطرة على الأرض؟..كان رد الدليل المسلم غريباً وباهتاً حيث قال: أنتم لكم الأرض، ونحن لنا السماء!!!” من كتاب (في سبيل التغيير) تحت عنوان: الإجابة الخطأ للأستاذة/ مريم عبدالله النعيمي.
• وتحت عنوان: عن سبق إصرار، تصدر الكاتبة قول نيتشة: “إنهم أناس متكسلون، تالفون، لايخشون إلا شيئاً واحداً: أن يصيروا واعين!!!!”.
• “أيها الغبي، ألا تعرف أن الناس هم الذين يجعلون المجرم محسناً، والقاتل كريماً؟ وما ذاك إلا لأنه يبذل لهم فنجان قهوة، أو لفة جوز، أو كرسي دخان، فإذا ذكَرهم واحد منهم أن هذا الذي يمدحونه قاتل وإن كان كريماً، سارع أكثر الجالسين ينهون ذلك المتحدث قائلين له: (مالنا وما له إذا كان قاتلاً أو غير قاتل؟ المهم أنه كريم، رحب اللقاء، مفتوح البيت). ألا ترى أن له بيتاً، والقرية جميعاً تعرف أنه قاتل، ولكن واحداً منها لا يذكر عنه شيئاً، وكل من في قريتنا هذه أو فيما جاورها إذا دعي للشهادة في حادثة قتل ارتكبها منصور، ذكر في جرأة وثبات أن منصوراً كان يتناول العشاء عنده، وأنه سهر معهم ليلته حتى طلوع الفجر يسمعون القرآن، وييتبادلون الحديث؟” من رواية (هارب من الأيام) للأستاذ/ ثروت أباظة، مضمنة في كتاب (ثروت أباظة: صفوة المؤلفات الكاملة).
• “كلما لقيت صديقي الأسـتاذ توفيق اليازجي سألته كيف حالُك؟ وهو يجيب دائماً بما نصه:(بخير، إلا من الناس. كما قال شكسبير). ويظهر أنه يرى هذا الجواب من بدائع شكسبير، فليـعلم إذاً أن هناك جواباً أبرع منه سـبق جواب شكسبير بقرون، ذلك أن يقول:( بخير إلا من الأصدقاء؟). وهذا جوابٌ أصدق لأننا لا نشكو كل الناس، وإنما نشكو من نعرف أو مـن نصادق من الناس، فقد كان أبو الحسن بن الفرات يقول:( جزى الله عنا من لا نعـرفه ولا يعرفنا خيراً) وكان يقول:(أحصيت ما أنا فيه من المكاره فما وجدت منه شيئاً لحقني إلا ممن أحسنت إليه!)” من كتاب (الأسمار والأحاديث) للأستاذ/ زكي مبارك، مضمنة في كتاب (زكي مبـارك: صفـوة المؤلفات الكامـلة).
• “..فالإنسان الذي يخلع على حياته معنى ذاتياً صرفاً، دون أن يتمكن من تحقيق أي تآزر بينه وبين الغير، بل دون أن ينجح في التعاون مع الآخرين من أجل العمل على إسعاد غيره من بني الإنسان، لا بد أن يجد نفسه-في خاتمة المطاف- نهباً لأحاسيس القلق، والغربة، والضياع، والعبث، واللامعقول! وربما كان أخطر ما يمكن أن يُمنى به الإنسان هو أن يشعر بأن أحداً لا يريده، أو أنه (ذرة تافهة) لا يلتفت إليها أحد!..والحب-في أصله- عطاء لا أخذ، فعل لا انفعال! وأنت حين تعطي، فإنك تقدم الدليل على قوتك، ومقدرتك، وثرائك، وخصوبتك. وعلى حين أن الضعفاء يتوهمون أن في العطاء فقراً، وفقداناً، وضياعاً، نجد أن الأقوياء يعرفون أن في العطاء غنىً، وثراءً، وتزايداً!..وأنت حين تجد متعة كبرى في العطاء (لا الأخذ)، فإنك تكون عندئذ قد أدركت أن العطاء لا يعني الحرمان أو الفقدان، بل هو يعني الفيض أو السخاء. وليس السخاء سوى التعبير الحقيقي عن حيوية الموجود البشري.. وقد يجود المرء باهتمامه، أو فهمه، أو معرفته، أو عنايته، أو عاطفته، أو غير ذلك، ولكن المهم أن يكون جوده تعبيراً عن رغبته في إثراء الآخرين، ومضاعفة إحساسهم بالحياة. والحب حين يعطي، فإنه لا يتوقع الأخذ، بل هو يعطي لأنه يجد لذة كبرى في أن يبذل من ذات نفسه للآخرين…” بتصرف من كتاب (مشكلة الحياة) للدكتور/ زكريا إبراهيم.
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
24 أغسطس 2010
ما هي نظرتنا إلى هذا الإنسان؟ بل ما هو مفهومنا للإنسانية؟ أظن أن أول المبادئ التي يجب أن تقر عند طرح مثل هذه التساؤلات هو هل اعترف أنا بوجود الإنسان؟ لأن الاعتراف بالوجود يستتبع الإقرار بوجود كيان مستقل له آراؤه وعواطفه وتطلعاته، وإذا تم هذا الاعتراف وهذا الإقرار ساقك ذلك تلقائياً لأن تحترم الإنسان وتقدره – أياً كان- بل ويمضي بك بعيداً في أن يطبع سلوكك بأدب جم يستغرب الكثيرون منبعه رغم وضوح الأمر وبساطته!
تريد أن تجرب! في محيطك اليومي إذا قابلت شخصاً بسيطاً أقل منك سناً أو مكانة إدارية أو علمية (هذه المقاييس ظاهرية إذ قد يكون أحد هؤلاء أغنى منك نفساً وأكثر عطاءً وبذلاً) اسأله عن أحواله! أو ابتسم في وجه عامل بسيط آخر (وما أقل المبتسمين هذه الأيام) وانظر إلى نتيجة ذلك! ما الذي حدث هنا؟ إنه اعتراف بوجود كيان إنساني، وإقرار بحقه أن يشعر بإنسانيته!
وكلما ازداد شعورك بإنسانية الإنسان وتجذر هذا المعنى في داخلك، ازداد تتبعك ولحظك وانتباهك لخلجات شعور الناس ونبض أحاسيسهم الدقيق، وأصبحت ذا دراية بمسارب النفس المتشعبة وبأودية الوجدان الطويلة، وهذا سيكسبك بلا شك رهافة في الحس ورقة في الكلمات ووعياً بأثر ما تقول على نفسية سامعيك!
هناك دعوة مفتوحة دائماً للترقي في مدارج الكمال الإنساني، والسمو بالمشاعر، والتأكيد على احترام وتقدير إنسانية الإنسان، نجدها دائماً عند التدبر الدقيق الواعي المعاصر لحكم وعبر وأسرار ولطائف آيات كتاب الله الكريم.
عندما دخل أهل يوسف-عليه السلام- وهو في عزه وسيادته وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش وخروا له سجداً (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)، انظر إلى قمة الأدب والذوق ومراعاة المشاعر، لم يذكر نبي الله يوسف –عليه السلام- أي إشارة إلى الجب الذي تركه فيه إخوانه الذين أعماهم الحقد والبغض الدفين وما أرادوا إلا قتله لولا أوسطهم الذين ظلت فيه بقية من حكمة وخشية (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة)، وأكثر من ذلك أنه لم ينسب إليهم أي جرم أو قبح إذ قال لهم قبلها (لا تثريب عليكم اليوم) فلا عتب ولا تأنيب بل لا ذكر مطلقاً لأي شيء بدر منهم وإنما الموضوع برمته (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أشرك نفسه- وهو البريء المنزه بل هو ضحية غدرهم وكيدهم- معهم في التعرض لنزغ الشيطان وإيقاعه بالناس! كل ذلك لأنه لا يريد أن يجرح مشاعرهم ولو بكلمة واحدة ولا يريد أن يمس خاطرهم إلا بكل جميل رقيق لطيف! ولا يبرز هنا تألق الإنسانية وعظمة النفس وكمال الأدب وحسب بل هو أيضاً النظر الخبير العميق الذي يتطلع إلى السلام النفسي والرقي الاجتماعي، إنها الحضارة!
وليظهر لنا قيمة الأثر النفسي في الحروف والكلمات لنتأمل رد نبي الله يعقوب-عليه السلام- لبنيه بعد فعلتهم الشنيعة التي استمرت آثارها سنين طوالا (قالوا ياأبانا استغفر لنا إنا كنا خاطئين)، رد عليهم:(قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)، (سوف) وليس سأستغفر لكم ربي، هناك تأخير وتأجيل في رسالة نفسية قصيرة لكنها مهمة، تمثلت في كلمة لكنها ترمي إلى معنى عميق، وما ذلك – والله أعلم- إلا تنبيه لهم إلى عظم ما أقدموا عليه، وتحفيز لهم على تأكيد صدق هذه الرغبة في المغفرة.
نخلص إلى أن كلماتنا وأفعالنا ما هي إلا ترجمة مباشرة بل وفورية لما يعتمل بداخلنا من أفكار وأحاسيس ومبادئ وتصورات، فابحث في داخلك عن معنى للإنسان، هل له اعتبار ووجود وكيان عندك، فإذا كان كذلك فابشر بكل خير، لأنك عندها وعندها فقط سيكون لك قلب إنسان! قلب فيه أول ما فيه حب للخير للحق للجمال، قلب يبغض الكبر والغرور والعجب بالنفس، قلب لا يرى المفاضلة بين البشر على أساس اللون والعرق والجاه، قلب يتحاشى الظلم بل ويفر منه فراراً لأنه اعتداء صارخ على أخيه الإنسان، قلب فيه نور فياض في حروفه وكلماته ونظراته، لأنها لا تصدر إلا وهي تقطر حباً واحتراما وكرامة.
هل في هذا الكلام جنوح مثالي أو إيغال في بحر من الخيال؟ أجيب: نعم كما يتصور الكثير من الناس! لماذا؟ لأننا نصدر في حكمنا من واقعنا أو أكثر تحديداً من واقع الإنسان عندنا. ولن أصف واقع الإنسان عندنا بأكثر من أن أقول لك لتعرفه قياساً أن انظر إلى شوارعنا! ولن أزيد في بكائية وصفية لسراديب أرضية غائرة لا نور فيها دخل فيها الإنسان عندنا ولم يخرج بعد، إلا أن عزائي هو أن نحذو حذو نبي الله يوسف الإنسان –عليه السلام- رافعين راية الإحسان، الذي تخلق به (ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين)، هذا الإحسان الذي لم يتخل عنه مهما كانت الظروف والأحوال، بل إنه ما عرف في السجن من صاحبيه إلا به (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)، وما مكنه الله إلا به (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين)، ولا تم الرجاء في حلمه وعفوه وكرمه من قبل إخوانه إلا به (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين).
إن معركة الإنسان عندنا معركة عويصة معقدة! إنها معركة كرامة فيها بحث عن وجود وإعادة اعتبار! إنها معركة آلياتها كثيرة معقدة وقد زلت أقدام أناس فيها فما زادوا الوضع إلا تعقيداً وسوءاً! إنها معركة تحتاج إلى أفكار نيرة جريئة وعلم متقد معاصر وكلمة واعية حرة! ولا أرى راية ترفع فيها أوقع من راية الإحسان! وكما قال المنفلوطي:”لا أستطيع أن أتصور أن الإنسانَ إنسانٌ حتى أراه محسناً” وهي معركة تتطلب تجييش آلاف المحسنين الذين يؤمنون بالإنسان ويعترفون بوجوده وكيانه، فإذا تكلموا بكلمة فكروا في مشاعر من سيتلقاها قبل أن يقولوها، وإذا أقدموا على فعل كان الأدب عنوانه والإتقان شعاره، يفوح منهم عطر صفاء المشاعر ورقتها، ويشع منهم نور الحب والأمل والعطاء بلا حدود، ولا عليهم من بأس في كل هذا لأنه وكما قال يوسف –عليه السلام-: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
12 يونيو 2010
أتمنى أن آخذ أصدقائي كلهم إلى موقعنا ومكاننا الأساسي، إلى حيث السكون والجمود الحقيقي لا المعنوي، إلى مكان التحف والأحافير والآثار القديمة،إلى مكان ندفن فيه كل الأفكار الميتة
أرحب بالأستاذ ساكن الفيلسوف على صفحات “الوطن”، وأود أن أبدأ هذا اللقاء بالسؤال التقليدي المعتاد: كيف تعرف بنفسك؟ امتعض الأستاذ ساكن قليلاً بسبب كلمة “تقليدي”، لكنه تابع حديثه قائلاً: أنا من أسهب المفكرون في وصفي، وجف حبر الإداريين في نعتي، أنا من نظر الأعمى إلى إبداعاتي وإنجازاتي، وأسمعت كلماتي الناس ، كل الناس، في البيت وفي المدرسة، في الجامعة وفي مركز البحوث، في المصنع وفي المؤسسة، أنا ملح المعاملات، أنا قطار الإنجازات، أنا فاكهة مجالس الأقسام والكليات والشركات. سكت الأستاذ ساكن الفيلسوف قليلاً وقد حلق النظر في شيء ما في السماء، وشبك بين أصابعه، وعلته ابتسامة خفيفة طرباً –كما يبدو بما قاله- وكأنه يسترجع المزيد مما يريد أن يعرف نفسه به، سارعته بسؤال وأنا أنظر إلى ساعته الجديدة، وقلمه الأنيق، وثوبه القشيب، وأشم عطره الفواح: ألا تظن أستاذ ساكن أن في هذا غرورا وتعاليا؟ بادرني قائلاً: فرق كبير بين الثقة بالنفس وبين الغرور، المغرور يبحث عن شيء ما في داخله لم يجده، فيه شعور بالنقص دائم لا ينقطع، لذلك يتعالى ويغترالضعيفُ والمسكين، أما الشعور بالقدرة والامتلاء، أما الاتزان في القول والعمل، أما الوعي بالواقع فهذه ثقة نفس وجسارة وجدان! إنها فلسفة عمل وانتشار!
قلت: نفهم من حملك على الغرور أن فيك تواضعا وألفة وتطامنا؟ قال مبتسماً: بكل تأكيد! من لا يعرفني يسيء الظن بي دائماً، والحق أن أجدادي كانوا أكثر قسوة مني، قد تستطيع أن تصفهم بالغرور أو التعالي على الناس، ولكنها قد تكون جدية في العمل مبالغا فيها نوعاً ما، وبحكم أني استوطنت هنا فإني أشعر بأريحية أكثر وبهدوء واطمئنان يسمحان لي برصيد من حسن التعامل ، تحديداً مع خاصتي ومعاونيّ وأنصاري. قلت: هلا حدثتنا قليلاً عن أنصارك ومعاونيك؟ وهل لكم اجتماعات دورية تقومون بها؟ قال: بحمد الله لدي أنصار ومحبون في كل منزل وفي كل قطاع، وهم كثر! لديك على سبيل المثال لا الحصر؛ الأستاذ فارغ المهذار، والأستاذ سطحي الساحلي، والأستاذ رديء المطفف، والأستاذ نهم الأشعب، ونحن لا نجتمع كاجتماعاتكم هذه التي فيها الكثير من الكلام، والقليل من المنطق، وأصفار في الفعل والإنجاز والتطوير. بل نحن على صف واحد ووئام روحي يضمنا جميعاً، ليس من المهم أن يعرف الأستاذ فارغ المهذار في قطاع ما نظراءه في القطاعات الأخرى، لكنهم في اتصال روحي عميق بفضل حبهم وولائهم لي!
قلت مستغرباً: هذه أسماء غريبة لأنصارك ومحبيك أستاذ ساكن الفيلسوف، فما السر فيها؟ ضحك الأستاذ ساكن وقال: لا سر ولا يحزنون، فالأسماء لا تعلل كما تعرف، وإنما هو طبيعة العمل والإنجاز عندنا التي تحدد المسمى. قلت: هلا شرحت هذه النقطة أكثر. قال: هناك صفات محددة من قام بها أطلق عليه بكل فخر أحد هذه الأسماء أو غيرها وأرحب به عضواً جديداً في مؤسسة السكون الجامدة، سأصف لك الآن مجموعة من الصفات وأسألك تنطبق على من؟ قلت: كلي آذان صاغية. قال: إن لم يقف مكانه، فسيمشي إلى الخلف دائماً، مجلجل الصوت، يظن أنه كلما علا الصوت زادت قدرته على إقناع الآخرين، كثير الكلام بلا منطق، قليل العمل بلا فاعلية، يكثر من التهديد والوعيد، يضطرب عند أي جديد وحديث، ويحب الثبات والسكون، لا يقنع بشيء، ويهذر لسانه بكل شيء، يبدأ حديثه بالفقه وينتهي بالحجامة، “واحد زائداً واحد” لا تساوي اثنين أبداً، ولا يمكن أن يصل الخط المستقيم بين نقطتين إطلاقاً، يتقن فن التهويل، ويجيد ذكر مصطلحات كبيرة كالمصلحة الوطنية في كل صغير من الأمور، إن لم يشاكس أحداً نظر إلى المرآة وشاكس نفسه!! فماذا ستسمي صديقي هذا المقرب إلى نفسي كثيراً؟ قلت: لا شك أنه الأستاذ فارغ المهذار. قال: أحسنت! لقد بدأت تفهمني!
قلت: حدثني إذاً عن الآخرين. قال: يقول كلمة الآن ويغيرها غداً، لا تدري أضاحك هو أم باكٍ، أساخط هو أم راض؟ شُغل بنفسه فلم يعد يعبأ بأي شيء حوله، إن كان في سفينة لم ينظر إلا إلى موقع قدميه، لا يعرف ولا يدري كيف يرفع رأسه وينظر إلى الأمام، وإن طلبت منه ذلك أو طلبت منه أن يتحرك خطوة واحدة، انفجر باكياً، وحاربك بكل ما يملك، لا يحب إلا الوقوف على الساحل ولا يريد الخوض في الأعماق، يخاف من العوم ومن البحر ومن كل شيء حتى نفسه، ولا يحب أن يعمل – إن عمل شيئاً – إلا وحده، لا يفهم إلا آخر كلمة يسمعها، لأنها هي التي يتذكرها، ويتحدث عن الكلمة ولا يدري ما هي الفكرة، ويسبح مع هذه الكلمة إلى عوالم وخيالات وأوهام لا يستمتع بها إلا هو!! قلت: هذا هو الأستاذ سطحي الساحلي بلا شك!
قال: إذا بدأ الخطوة الأولى في مشروع الألف ميل أقنعك أنه أنهى المشروع… قاطعته سريعاً قلت: نعرف هذا جيداً إنه الأستاذ رديء المطفف، قال الأستاذ ساكن: إني معجب بسرعة بديهتك، ألا تريد أن تعرف عنه أكثر؟ قلت: نحن خبراء به، ما أحلى كلامه ولكن ما أفشل أعماله، يظن أنه يعلم وهو لا يعلم، ويظن أنه مقتدر وهو عديم الكفاءة، إداري فاشل، وغرور بلا حدود، له شبكة علاقات رهيبة، ذكي لدرجة الخبث، يتحد لا شعورياً مع جيش من الفارغين السطحيين النهمين الأكولين الذين يزينون الفشل ويزرعون الشوك في كل إدارة وفي كل قطاع يبتلى بهم.
قال الأستاذ ساكن: أما الأستاذ نهم الأشعب، فهو أكول لا يشبع ولا يقنع، هو في حفلة راقصة دائمة مع الريالات والدولارات، لا يرى الأشياء إلا بمنظار المال، الغاية عنده تبرر الوسيلة، ولا مانع عنده أن يعمل مع الشيطان من أجل أن يأكل ويؤكل غيره، لا صوت يعلو فوق صوت الدولار، ومن أجله يجوز كل شيء ويضحي بأي شيء، ومن أعز أصدقائه بل عرابه وقائده وهاديه: الرديء المطفف!
قلت: أخشى أن أطيل عليك أستاذ ساكن الفيلسوف ولكن سؤال أخير: إلى متى ستبقى بيننا أنت وفلسفتك هذه التي تغلغلت وتجذرت؟
قال الأستاذ ساكن بعبرة: صدقني أني أود الرحيل، أنا لا أجبر أحداً أن يتمسك بي، ولا أفرض نفسي على الآخرين، أريد أن أمضي إلى طريقي، لكن أجد من يطلب مني البقاء لا الذهاب، والاستقرار لا المضي، كم أتمنى أن آخذ أصدقائي كلهم إلى موقعنا ومكاننا الأساسي، إلى حيث السكون والجمود الحقيقي لا المعنوي، إلى مكان التحف والأحافير والآثار القديمة، إلى مكان ندفن فيه كل الأفكار الميتة، ولكن يأبى زملائي إلا أن نستمر تحفاً مشوهة تمشي على الأرض، وآثاراً مسروقة تعيش بين الناس، لا تحمل من الماضي إلا سكون الجهل و جمود الفشل والعدم، وأنا أعلم أنكم تريدون الحياة، فإذا كنتم تريدونها حقاً فيجب أن تحيوها!! وقبل ذلك ابحثوا عن الإنسان الحي المتحرك أولاً!
جريدة الوطن السعودية – السبت ١٢ يونيو ٢٠١٠م.
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 2 »
23 أبريل 2010
يكثر الصخب حول تصريحات أو مقالات صحفية فيها ما يظن أنه (جديد) و(جريء) من الآراء، ويتداولها الناس كما لو أنها فتح وإنجازعظيم! والمعروف أن كلمات قليلة في صحيفة أو تمتمات قصيرة في قناة تلفزيونية لا تبني ثقافة ولا تصنع فكراً بل قد تثير رأياً أو زوبعة. لكن شتان بين بناء الأفكار الذي يتجذر في السلوك لينتج نقاءً وصواباً، وبين كلمة في مهب ريح عابرة من هنا وهناك، لا يلبث أن يتلقاها الإنسان بأذنه لينساها فضلاً عن أن يكون لها أي تأثير في تعديل سلوك أو تصحيح مسار.
أحاديث صحيحة من السنة البنوية الشريفة قد يقرأها بعضنا لأول مرة في حياته حول موضوع حساس (في مجتمعنا تحديداً) هو موضوع الاختلاط، وسبب الإثارة والاهتمام هو المصدر الذي أعاد تسليط شيء من الضوء حول هذه الأحاديث وما تلقيه وتبثه من معان، ويتم نشر مطول للقاءات صحفية ومقالات لرموز يظن أنها تنتمي لمدرسة محافظة، ومن ثم يأتي حجم الصخب بل والشغب حول هذه الأحاديث والمقالات ما بين ناقد مستهجن وآخر مستعجب مستغرب وثالث غير مصدق.
عدة أمور نستطيع أن نقرأها هنا: ما هي هذه الانتقائية التي نعاني منها في التعامل مع النصوص؟ وهل هذا من قريب أو من بعيد يندرج تحت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويهمش بعضه؟
وما هو المزيد الذي مازال مخبوءاً ومعتماً عليه؟ ثم إلى متى نستمر اجتراراً للمفهوم العجيب، مفهوم الخصوصية الذي لا يجعلنا ننظر للأفكار الجريئة إلا إذا صدرت من أبناء الجزيرة، بل أبناء مدرسة معينة؟ هل هذا متفق متطابق مع حرية الرأي والفكر؟ أم أنه امتداد لمفهوم (إنا وجدنا آباءنا على أمة..) ومفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)؟ ثم إلى متى نستمر في ثقافة رد الفعل هذه؟ لماذا لا ندرك ونفكر إلا بعد أن تقع تجاوزات بارزة؟
إن كتاباً موسوعياً رائعاً ككتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للأستاذ/ عبدالحليم أبو شقة يعد بحق عملاً منهجياً تأصيلياً لنظرة الإسلام للمرأة، وعرضا موثقا لآلية وطبيعة حياة المرأة في مجتمع النبوة، وطبيعة دورها العلمي والتربوي والقيادي والسياسي، لم ينتج هذا العمل من عدة لقاءات صحفية أو من قراءة لمقالات متفرقة من هنا وهناك، إنما هو نتاج عمل دؤوب جاوز العشرين عاماً بحثاً وتنقيباً في صحيح السنة فقط عن كل ما يتعلق بالمرأة، ثم متابعة شروح العلماء في أمهات كتب الحديث، ووضع الجميع في بوتقة واحدة مستظلاً بكتاب الله بعيداً عن التقاليد البالية والعادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ليخرج لنا كتاباً موسوعياً في ستة مجلدات. إن دراسة مثل هذه الكتب وليس قراءتها وحسب هي التي تبني ثقافة إنسانية حضارية راقية فيها احترام للمرأة وتقدير لدورها كما أن فيها أصالة ومعاصرة، ولا عجب في أن قدم لهذا الكتاب علماء كبار أفاضل أمثال الشيخ/ محمد الغزالي – رحمه الله – والدكتور/ يوسف القرضاوي.
لقد قرأت هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم أحصل عليه إلا صدفة في أحد معارض القاهرة للكتاب، ولم أره إلى الآن يباع في أي مكتبة سعودية، فإلى كل من أراد أن يشفي نفسه – مثلي – في موضوع المرأة فعليه بهذا الكتاب، ولا أزعم أن كل ما فيه هو الحق المطلق، إن أحداً لا يدعي مثل هذا، لكن أقل ما ستخرج به بعد القراءة هو نظرة جديدة، وستلاحظ كما لاحظت كمية الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع التي تمت تعميتها عنا – عن قصد أو بدون قصد!
واستتباعاً لهذه المنهجية في سبر النظر في صحيح السنة ودراسة ما بداخل النص وما حوله من ظروف نفسية واجتماعية لنحصل على خطاب إسلامي حضاري معاصر، تأتي دعوة الأستاذ الدكتور المؤرخ/ أحمد شلبي، صاحب “موسوعة تاريخ الإسلام ” و”موسوعة الحضارة الإسلامية” إلى إعادة كتابة السيرة النبوية، إذ إن أساس كتابة السيرة كان تدويناً لمغازي وسير رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يكن فيه كشف لتفاصيل الحياة النبوية اليومية المعاشة بأحوالها وتقلباتها، وجل تفاصيل الأمور اليومية المعاشة إنما هي مبثوثة في المئات من أحاديث السنن التي تذكر بعيداً عن التصور المعاصر عن كيفية بناء الشخصية بكل مكوناتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إننا بحاجة إلى سيرة نبوية إنسانية شاملة تعلمنا أول ما تعلمنا كيف نبني أنفسنا وأفكارنا وسلوكياتنا على منهاج سليم.
وأود أن أشير في هذه العجالة إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على أنه لون من ألوان التفسير له أساتذته وعلماؤه – القليلون – على ضوء ما أرى من تفاسير وجهود علمية، ولكنه تفسير – في إحدى صوره ومناحيه – يربط لك السورة بما قبلها وبما بعدها، بل يربط مقدمة السورة بخاتمتها ويربط كل آية بما قبلها وما بعدها، ويجعل لكل سورة محوراً تسعى إلى عرضه والتركيز عليه، ولا يغفل هذا التفسير النواحي اللغوية والفقهية وأسباب النزول، ويركز على النواحي الجمالية والفنية في الآيات، إلا أن روعته تكمن في سبر غور القصص القرآني فهماً وتحليلاً لاستنباط سنن تغيير الأنفس والمجتمعات مستخدماً لغة العصر وآلياته.
لا يهم في قصة ذي القرنين – على سبيل المثال – الوارد ذكرها في “سورة الكهف” – على الأقل ـ الجانب التربوي النفسي الحضاري، أن نعرف تحديداً من هو؟ وهل هو ملك فارسي أم صيني؟ وهل كان نبياً أم لا؟ وهل سور الصين العظيم هو الذي تحدث عنه القرآن أم لا؟ وأين هي “العين الحمئة” التي تحدثت عنها الآيات؟ هل هي آبار النفط الموجودة في بحيرة قزوين أم لا؟ وهل مطلع الشمس هو عند ساحل بحر اليابان أم لا؟
ومن الواضح أن جميع ذلك قد يستخدم مع قرائنه في دراسات جغرافية تاريخية تستضيء بكتاب الله، لكن هذا هو الفرع، إنما الأصل صياغة جميع معطيات ومعاني وظلال الآيات في بناء القيم وغرس المفاهيم والتصورات، إذ تمثل شخصية ذي القرنين أنموذجاً قرآنياً رائعاً لما يجب أن تكون عليه شخصية الإنسان المسلم من قوة في العزم (فأتبع سبباً) وثبات وعدل بل وتبحر وتمكن في العلم وهندسة بناء النفوس قبل السدود، ويجمع كل ذلك إيمان عميق وتواضع جم (قال هذا رحمة من ربي).
إننا نعيش في مرحلة تيه فكري، وإننا بحاجة قبل أن نتلمس طريقنا في صحراء نأبى إلا أن نعيش فيها، أن نعيد اكتشاف أنفسنا وثقافتنا، إلى أن نسترد أفكار البناء والإنجاز والفاعلية ممن سرقها منا، إن هناك عملا كثيرا ينتظرنا في حقل التقدم، ومن أول ما يجب أن نقوم به هو قلع جذور جمود الأفكار وفساد النفوس ببصائر نافذة وأيدٍ متوضئة.
جريدة الوطن السعودية – الجمعة 9 جمادى الأولى 1431ـ 23 أبريل 2010 العدد 3493 ـ السنة العاشرة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
18 أبريل 2010
يوم الطبيب منا مليء بأنشطة كثيرة، فبعد أن ينتهي من عيادة طويلة يكون قد أعطى فيها كل مريض حقه من الرعاية والإهتمام، ويشارك مرضاه آلامهم ويسعى إلى حل ما يكدر صفوهم، ويتحمل في سبيل ذلك الكبير والصغير، وسوء أدب من يفتح عليه باب العيادة بدون إستئذان، ويتصبر بدعاء صادق وبكلمة شكر عذبة، ويحمل هم مرضاه لما بعد العيادة مناقشاً زميله الإستشاري في التخصص الآخر عن حالة مريضهما وما عساها تكون الخطوة التالية في العلاج، أو يذهب إلى زميله الإستشاري الآخر في قسم الأشعة ليراجع معه أشعة إحدى مرضاه ويطمئن على النتائج، أو ينظر مع إستشاري علم الأمراض تحت الميكروسكوب ليرى نتيجة عينة الغدة اللمفاوية أو عينة خزعة الكلى ليتأكد من التشخيص، وبعضنا قد يذهب إلى جناح المناظير، والجراح قد تأتيه حالة طارئة فيمضي ساعات كثيرة في غرفة العمليات، وبعضنا يذهب لينجز جولة طبية تعليمية على مرضاه المنومين برفقة الأطباء المقيمين…
وبعد إنتهاء يوم طويل، يبدأ الطبيب في إسترجاع مهمات على المرء منا إنجازها، تحضير لتدريس سريري في الكلية أو مع الأطباء المقيمين في اليوم التالي، او وضع اللمسات النهائية على ورشة عمل سيشارك بها في إحدى المؤتمرات، أو إرسال ملخص لبحث طبي أنجزه بعد عمل دؤوب لسنتين أو أكثر إلى مؤتمر عالمي، أو إعداد محاضرة علمية تدريبية لمجموعة من الأطباء، أو المشاركة في وضع مناهج جديدية وخطط دراسية وتعليمية جديدة، وهناك منا من يضيف إلى هذا الهم الهم الثقافي من متابعات للمجلات والدوريات والإصدارات الجديدة، فلا يأتي آخر النهار إلا والطبيب منا – في الأغلب – يلملم ما تبعثر من شرود فكره وإهتمامه خلف هذا الأمر وذاك، فيقول أجلس أمام التلفاز مرفهاً عن نفسي بدون عناء التفكير والتركيز، فكلنا يعلم أن التلفاز لا يبني رأياً أو فكراً بقدر إثارته للعواطف والغرائز، ويقول لأقلب النظر في القنوات المحترمة التي يملكها سعوديون، ليرى برنامجاً يستضيف خبيراً في أمراض القلب من إحدى الجنسيات العربية، ويقلب في قناة أخرى يملكها سعوديون، ليرى إستضافة مباشرة على الهواء لعالم في الجينات من جنسية عربية، وفي يوم آخر جراح أعصاب، وآخر إستشاري عناية مركزة، وخامسة مع إستشارية أمراض اللثة…وعاشرة..وجميع هؤلاء ليسوا من أرض بلاده- بلاد الحرمين!!
في مثل هذه الحالات –وقد مرت بي كثيراً- ينتابي شعور أني مازلت طفلاً صغيراً!! حين كنت أمرض كان والدي –حفظه الله ورعاه- يأخذني إلى أطباء لا أذكر منهم سعودياً واحداً، أيها السادة: إن هذا ماض قد ولى وانتهى! ولا يخفانا جميعاً كيف هي صورة السعودي في الإعلام العربي والغربي، إن هناك صورة نمطية تقليدية قديمة قاتمة عن أبناء هذا الوطن، تلصق بهم ألواناً شتى من البلاهة والسذاجة بل والجهل وقلة العلم والإدراك، وكأنه كثير على بلاد الحرمين أن يكون من أبنائها الأطباء والعلماء والخبراء في كل فن ولون، وكأن عقول أبناء مكة والرياض والمدينة وجدة والخبر وأبها وحائل هي أقل من عقول أبناء بيروت والقاهرة ودمشق أو لندن وباريس ونيويورك…
ليست هذه دعوة لعنصرية ضيقة أو إقليمية بغيضة فهذا غباء واضح ،إنما هي دعوة للثقة بالنفس وللشعور بالذات، فلنكف عن رسم صورة بدائية عن مجتمعنا، وليستيقظ إعلامنا وليعلم أن هناك مئات بل آلاف من الخبراء والعلماء السعوديين في كل منحى من مناحي العلم والمعرفة، ولكن للأسف لا وجود لهم ولاذكر ولاإهتمام على المستوى الإعلامي…
أذكر حادثة ظريفة أثناء فترة وجودي في كندا في سنوات الإبتعاث، يعرفها عدد من الزملاء ممن شهدها، حدث وأن زارنا في النادي السعودي في مدينة فانكوفر- كندا، أحد المسئولين في الملحقية الثقافية من مدينة أوتاوا- العاصمة-. إستهل الزائر الكريم حديثه بما ظنه ثناء علينا كأطباء سعوديين متدربين في كندا، فكان مما قاله إن الكنديين معجبون بالطبيب السعودي وأنه يستوعب جيداً!! لم أتمالك نفسي وكنت أجلس أمامه، فقلت مداعباً: (لماذا يا دكتور قالوا لك إننا جئنا من موزمبيق؟) (ملاحظة: كل الإحترام والتقدير لموزمبيق وأهلها، أكيد أن منهم من هم أعلم وأفضل منا، وإنما قصدت البعد والغرابة في اللفظ، لأن الناس إعتادوا أن يكون الغريب البعيد ضعيفاً في معلوماته وأخباره، يقول أهل مكة: (ليش قالوا لك جاي من طوكر) وطوكر مدينة سودانية بعيدة على البحر الأحمر مشهورة برعي الأغنام وتصديرها)…ضجت الصالة بالضحك، وتدارك المسئول عباراته، وصححها، وكالعادة سألني: من أنت؟ ومن أين؟
إنا لا تنقصنا لا المهارات ولا القدرات، إن الطبيب والعالم السعودي قد بلغ حداً من الخبرة والكفاءة يضاهي قرناءه على المستوى العالمي، ولا يقلل من قدرنا أمام أي مجتمع طبي متقدم إلا جانب البحث العلمي الذي هو بحاجة إلى ثقافة علمية بحثية في المقام الأول بالإضافة إلى دعم مادي مجزي حقيقي، أي ليس على الورق وحسب، وغير متقطع أي لا يتم إقرار مبلغ معين ولا يصرف منه إلا عشرة ريالات!! ولا يسأل عن هذا الخلل البحثي الطبيب أو العالم السعودي بأي حال من الأحوال…
أعرف أحد الزملاء المخلصين المتفانين في التعليم الطبي، يحدثني بأنه يحرص على دعوة الخبراء العالميين في مجال ما لعقد ورشة عمل تكلف كذا وكذا من المال، وأنه بربع أو حتى أقل من ربع مايخصص من مال ينفق على عالم واحد من هؤلاء يستطيع عمل دورة كاملة في التعليم بإشراف خبراء محليين، وهو منهم، على ألا تقل كفاءة بأي حال من الأحوال بل ستكون أجود مما يفعله أصحاب الشعور الصفراء والأعين الزرقاء، لأنها نابعة من علماء خبراء هم أدرى بإحتياجات المشاركين، ولكن هل سيحضر أحد؟ وهل ستوافق الجهة الرسمية على التمويل؟ أم أنها ستمانع لأنهم سعوديون محليون، ولن تمانع في دفع كذا وكذا لأنهم (خواجات)؟
وفي نفس السياق وبالأسلوب الموزمبيقي المقلل للقدرات ماألحظه هذه الأيام من وفرة كبيرة بل وتكدس لإستشاريين سعوديين على مستوى عال من التدريب والتأهيل في بعض القطاعات الصحية الكبيرة من دون أن تتم الإستفادة الحقة من قدراتهم وإمكانياتهم، جراح في تخصص دقيق من كندا ولديه ثلاث زمالات في جراحات دقيقة، كم عدد المرات التي يدخل فيها غرفة العمليات في الأسبوع؟ الجواب: مرة واحدة كل شهر!!! تسأل: كيف يمكن أن يستفيد الناس في هذه المدينة من هذا العالم الخبير؟ لا يجيب أحد! تسأل: لم لا يتم التنسيق مع قطاعات أخرى؟ قالوا: قد أتيت بالمحظور!!
جريدة الوطن السعودية – الأحد 4 جمادى الأولى 1431ـ 18 أبريل 2010 العدد 3488 ـ السنة العاشرة
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »