كنوز مدفونة أم محنة ثقافة مريضة؟

21 يناير 2010

يكثر الصخب حول تصريحات أو مقالات صحفية فيها ما يظن أنه (جديد) و(جريء) من الآراء، وتتم تداولها بين الناس كما لو أنها كانت فتحاً وإنجازاً عظيماً!! والمعروف أن كلمات قليلة في صحيفة أو تمتمات قصيرة في قناة تليفزيونية لا تبني ثقافة ولا تصنع فكراً بل قد تثير رأياً أو زوبعة لكن شتان بين بناء الأفكار الذي يتجذر في السلوك لينتج نقاءً وصواباً، وبين كلمة في مهب ريح عابرة من هنا وهناك، لا يلبث أن يتلقاها الإنسان بلسانه لينساها فضلاً عن أن يكون لها أي تأثير في تعديل سلوك أو تصحيح مسار.

أحاديث صحيحة من السنة البنوية الشريفة قد يقرأها بعضنا لأول مرة في حياته حول موضوع حساس (في مجتمعنا تحديداً) هو موضوع الإختلاط، وسبب الإثارة والإهتمام هو المصدر الذي أعاد تسليط شيء من الضوء حول هذه الأحاديث وما تلقيه وتبثه من معاني، ويتم نشر مطول للقاءات صحفية ومقالات لرموز يظن أنها تنتمي لمدرسة محافظة، ومن ثم يأتي حجم الصخب بل والشغب الذي يأتي حول هذه الأحاديث والمقالات مابين ناقد مستهجن وآخر مستعجب مستغرب وثالث غير مصدق.

عدة أمور نستطيع أن نقرأها هنا: ما هي هذه الإنتقائية التي نعاني منها في التعامل مع النصوص؟ وهل هذا من قريب أو من بعيد يندرج تحت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويهمش بعضه؟ وما هو المزيد الذي لازال مخبوءاً ومعتماً عليه؟ ثم إلى متى نستمر إجتراراً للمفهوم العجيب، مفهوم الخصوصية السعودي، الذي لا يجعلنا ننظر للأفكار الجريئة إلا إذا صدرت من أبناء الجزيرة، بل أبناء مدرسة معينة، بل أبناء-أحياناً-منطقة معينة؟ هل هذا متفق متطابق مع حرية الرأي والفكر؟ أم أنه إمتداد لمفهوم (إنا وجدنا آباءنا على أمة..)ومفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)؟ ثم إلى متى نستمر في ثقافة رد الفعل هذه؟ لماذا لا ندرك ونفكرإلا بعد أن تحدث كارثة فظيعة أوتجاوزات خطيرة؟

إن كتاباً موسوعياً رائعاً ككتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للأستاذ/ عبدالحليم أبو شقة يعد بحق عملاً منهجياً تأصيلياً لنظرة الإسلام للمرأة، وعرض موثق لآلية وطبيعة حياة المرأة في مجتمع النبوة، وطبيعة دورها العلمي والتربوي والقيادي والسياسي، لم ينتج هذا العمل من عدة لقاءات صحفية أو من قراءة لمقالات متفرقة من هنا وهناك، إنما هو نتاج عمل دؤوب جاوز العشرين عاماً بحثاً وتنقيباً في صحيح السنة فقط عن كل ما يتعلق بالمرأة، ثم متابعة شروح العلماء في أمهات كتب الحديث، ووضع الجميع في بوتقة واحدة مستظلاً بكتاب الله بعيداً عن التقاليد البالية والعادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ليخرج لنا كتاباً موسوعياً في ستة مجلدات. إن دراسة مثل هذه الكتب وليس قراءتها وحسب هي التي تبني ثقافة إنسانية حضارية راقية فيها إحترام للمرأة وتقديرلدورها كما أن فيها أصالة ومعاصرة، ولا عجب في أن قدم لهذا الكتاب علماء كبار أفاضل أمثال الشيخ/ محمد الغزالي-رحمه الله- والدكتور/ يوسف القرضاوي.

لقد قرأت هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم أحصل عليه إلا صدفة في إحدى معارض القاهرة للكتاب، ولم أره إلى الآن يباع في أي مكتبة سعودية، فإلى كل من أراد أن يشفي نفسه-مثلي- في موضوع المرأة فعليه بهذا الكتاب، ولا أزعم أن كل ما فيه هو الحق المطلق، إن أحداً لا يدعي مثل هذا، لكن أقل ما ستخرج به بعد القراءة هو نظرة جديدة، وستلاحظ كما لا حظت كمية الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع والتي تمت تعميتها عنا-عن قصد أو بدون قصد!

وإستتباعاً لهذه المنهجية في سبر النظر في صحيح السنة ودراسة ما بداخل النص وما حوله من ظروف نفسية وإجتماعية لنحصل على خطاب إسلامي حضاري معاصر، تأتي دعوة الأستاذ الدكتور المؤرخ/أحمد شلبي، صاحب موسوعة تاريخ الإسلام وموسوعة الحضارة الإسلامية إلى إعادة كتابة السيرة النبوية، إذ أن أساس كتابة السيرة كان تدويناً لمغازي وسير رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ولم يكن فيه كشف لتفاصيل الحياة النبوية اليومية المعاشة بأحوالها وتقلباتها، وجل تفاصيل الأمور اليومية المعاشة إنما هي مبثوثة في المئات من أحاديث السنن التي تذكر بعيداً عن التصور المعاصر عن كيفية بناء الشخصية بكل مكوناتها النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، إننا بحاجة إلى سيرة نبوية إنسانية تعلمنا أول ما تعلمنا كيف نبني أنفسنا وأفكارنا وسلوكياتنا على منهاج سليم.

وأود أن أشير في هذه العجالة إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على أنه لون من ألوان التفسير له أساتذته وعلماؤه –القليلون-على ضوء ماأرى من تفاسير وجهود علمية، ولكنه تفسير-في إحدى صوره ومناحيه- يربط لك السورة بما قبلها وبما بعدها، بل يربط مقدمة السورة بخاتمتها ويربط كل آية بما قبلها وما بعدها، ويجعل لكل سورة محوراً تسعى إلى عرضه والتركيز عليه، ولا يغفل هذا التفسير النواحي اللغوية والفقهية وأسباب النزول، ويركز على النواحي الجمالية والفنية في الآيات، إلا أن روعته تكمن في سبر غور القصص القرآني فهماً وتحليلاًلإستنباط سنن تغيير الأنفس والمجتمعات مستخدماً لغة العصر وآلياته.

لا يهم في قصة ذي القرنين –على سبيل المثال- الوارد ذكرها في سورة الكهف- على الأقل في الجانب التربوي النفسي الحضاري- أن نعرف تحديداً من هو؟ وهل هو ملك فارسي أم صيني؟ وهل كان نبياً أم لا؟وهل سور الصين العظيم هو الذي تحدث عنه القرآن أم لا؟ وأين هي “العين الحمئة” التي تحدثت عنها الآيات؟ هل هي آبار النفط الموجودة في بحيرة قزوين أم لا؟ وهل مطلع الشمس هو عند ساحل بحر اليابان أم لا؟ ومن الواضح أن جميع ذلك قد يستخدم مع قرائنه في دراسات جغرافية تاريخية تستضيء بكتاب الله، لكن هذا هو الفرع، إنما الأصل صياغة جميع معطيات ومعاني وظلال الآيات في بناء القيم وغرس المفاهيم والتصورات، إذ تمثل شخصية ذي القرنين نموذجاً قرآنياً رائعاً لما يجب أن تكون عليه شخصية الإنسان المسلم من قوة في العزم (فأتبع سبباً) وثبات وعدل بل وتبحر وتمكن في العلم وهندسة بناء النفوس قبل السدود، ويجمع كل ذلك إيمان عميق وتواضع جم (قال هذا رحمة من ربي).

إننا نعيش في مرحلة تيه فكري، وإننا بحاجة قبل أن نتلمس طريقنا في صحراء أبينا إلا أن نعيش فيها، أن نعيد إكتشاف أنفسنا وثقافتنا، إلى أن نسترد أفكار البناء والإنجاز والفاعلية ممن سرقها منا، إن هناك عمل كثير ينتظرنا في حقل التقدم، ومن أول ما يجب أن نقوم به هو قلع جذور جمود الأفكار وفساد النفوس ببصائر نافذة وأيدٍ متوضئة.


المتلازمة الكندية.. هل هي فعلاً مرض يصيب الأطباء فقط؟

29 نوفمبر 2009

كتب عدد من الأطباء الكويتيين مقالاً ساخراً باللغة الإنجليزية – هو أقرب إلى الصور الكاريكاتيرية – يصفون فيه حالة الغرور المفرط التي تنتاب كثيراً من الأطباء الحاصلين على الزمالة الكندية حين عودتهم إلى بلادهم، وقد نُقلت فكرة المقال محلياً باللغة العربية منشورة في إحدى الصحف (دون الإشارة إلى المصدر الأساسي!) وذُكر فيه أحد أهم أعراض المرض-في نظر الكاتب وهو يصف حالة هؤلاء الأطباء- وهي أن (الطب هو أنا وأنا الطب) و(أن لا طب غير الطب الكندي). وقد لقي هذان المقالان استجابة وقبولاً واسعاً لدى أوساط الأطباء ظهر ذلك في كثرة التداول عن طريق البريد الإلكتروني إذ وصلتني رسائل من كثير من الزملاء من بلادنا ومن الخليج ومن الوطن العربي وممن ما زال في كندا.

ولا شك أن الأسلوب الساخر في الكتابة كان له دور في هذا القبول، كما أن تذمر هؤلاء الزملاء واشمئزازهم من سلوكيات الغرور هذه كانت أيضاً سبباً آخر في هذا الانتشار تعبيراً عن حالة الرفض هذه. ولا أنصب نفسي هنا منافحاً عن هؤلاء الأطباء حملة الشهادات الكندية بحكم كوني أحدهم، ولن أنبري بسرد الحجج، البراهين لرد هذه الدعوى، ولكن كل الذي أريد إيضاحه هو أن هناك حكما عاما قد تم إطلاقه وتعميمه على الجميع وفي هذا تعارض مع أبسط مبادئ التفكير الموضوعي، والأهم من ذلك أن هناك وصفاً سطحياً لظاهرة ما دون بذل الجهد للنظر في أساس هذه الظاهرة وسبب شيوعها وهل هي قاصرة فقط على حفنة من الناس دون غيرهم أم لا؟

بداية دعونا نتفق على مدى تغلغل وانغماس عقدة الإحساس بالدون أمام الأجنبي، وليس أي أجنبي! إنما هو صاحب الشعر الأشقر والعيون الزرقاء وتحديداً من أوروبا وأمريكا، إن مجرد سماع مثل هذه الألفاظ –وأنا طفل- كانت تزرع فيَّ انطباعاً بالانبهار والتقديس (فلان كان في أمريكا) (فلان درس في لندن) (فلان تخرج من أمريكا)، وقس على ذلك النظرة المجتمعية، وأنا أخص بالذكر الجانب السيئ من عقدة الأجنبي التي تشل الحركة وتصيب بالبرود والسكون (أفراداً وهيئات ومجتمعات) والاستسلام التام بل والتقديس المبالغ فيه لكل ما جاء من بلاد العم سام، وتبعاً لذلك فلا بأس إذاً أن يستغل هذا التصور-الأطباء وغير الأطباء- في الزعم بتفردهم فيما يحملونه من علم لا لشيء إلا لأنهم تحصلوه من بلاد العم سام، بل قد رأينا نفراً من الأطباء مكث في إحدى الجامعات الكندية عدة أشهر في دورة ما وعندما عاد فإذا بكل أحاديثه وآرائه العلمية إما أن تبدأ (عندما كنت في كندا) أو تذيل (هكذا كانوا يعملون في كندا)!

ويستتبع ذلك – في حالة الأطباء تحديداً – ضعف برامج التأهيل الطبي المحلية، ولا يقف حجر العثرة أمام التطوير لا قلة الإمكانات ولا قلة الكوادر السعودية عالية التأهيل القادرة على التخطيط، وإنما هي عقليات طبية إدارية متحجرة تحكم الإمساك بزمام الأمور وترفض الاستماع لصوت العلم والخبرة حينما يأتي من الداخل، لكن لا تمانع في صرف عدة ملايين لأصحاب الشعر الأشقر ليأتوا بآراء وتقارير، وياليتها تطبق وإنما تبقى حبيسة الأدراج! وإذا زعمتم أني أبالغ في تصوير ضعف برامجنا التأهيلية (البرامج التي تشرف عليها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لتدريب الأطباء لنيل درجة الزمالة في مختلف التخصصات الطبية)، فما عليكم إلا أن تسألوا أي طبيب أو طبيبة من حديثي التخرج، واسألوهم عن طموحهم في إكمال دراساتهم العليا: هل هم مقتنعون بالانخراط ببرنامج محلي أم إن الأعناق تشرئب في السعي للتدرب في كندا؟

وهذا الضعف في المستوى تقابله قوة وتميز في برامج التأهيل الطبية الكندية تحديداً، إذ هناك كلية الأطباء الملكية الكندية التي تفرض مقاييس علمية أكاديمية معينة لأي برنامج تأهيلي، ثم إن هناك متابعة دقيقة لأداء هذه البرامج بشكل دوري، وهناك وضوح وشفافية وقوة في اتخاذ القرارات إذ قد يوقف البرنامج بسبب ضعفه! وهناك أيضاً اختبارات فيها درجة عالية من المصداقية وبعيدة عن العشوائية ومزاجات الممتحنين (كما يحدث عندنا)، وتجد أيضاً سعياً حثيثاً من كل برنامج للتطوير وللتفاني في تدريب أطبائه، لأن كل برنامج هناك يحرص على سمعته وأدائه مقارنة بغيره من البرامج. ولا أذكر هذا الكلام تغزلاً في البرامج الكندية (في ظني أنها من أفضل البرامج عالمياً، إذ قمت بزيارة علمية للجامعات الأسترالية ضمن وفد رسمي ولا حظت فرقاً شاسعاً في فلسفة وآليات التدريب في البرامج الطبية) بقدر ما أود أن أؤكد بأن كثيراً من الأطباء يحرصون على الانخراط في هذه البرامج لأنها الأفضل والأقوى، ولا يتخرج منها الطبيب إلا وقد تحصل على مستوى قياسي محدد من الكفايات العلمية والمهارية، على أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن كل من تخرج من هناك هو عبقري زمانه لا محالة! أبداً! فما زال هناك الجانب الفردي في الإعداد والتدريب وهو مدى رغبة الشخص (الطبيب هنا) في الاستفادة القصوى من فترة التدريب هذه! فكم شاهدنا ممن تدرب في كندا وعندما عاد إلى بلاده عادت معه العادات السيئة التي كان عليها قبل أن يذهب: التعالي على المرضى، سوء معاملة الأطباء المتدربين، الغرور المفرط والاعتداد بالنفس المبالغ فيه! وكم شاهدنا -على النقيض- من أطباء وطبيبات تدربوا محلياً لكن لجهد خارق بذلوه وصعوبات عديدة تجاوزوها تجدهم أقوياء علمياً وفي قمة الأدب والتواضع!

إذاً وبخلاف كل العوامل التي ذكرتها حتى الآن: عقدة الأجنبي، ضعف البرامج المحلية في مقابل قوة الكندية، إلا أن النقطة الرئيسية التي يجب أن يتم التركيز عليها والإفاضة في دراستها، لأنها في ظني السبب الأساس في حالة غرور المكانة العلمية وضياع الأخلاقيات المهنية التي نعاني منها (سواء أكان الطبيب -أو غيره – من خريجي كندا أو خريجي البرامج المحلية)، هي غياب العقلية العلمية القائمة على روح البحث والتقصي والحرص الدؤوب على متابعة النتائج ومتابعة المستجدات، هل نحن نزرع في مدارسنا وجامعاتنا مبادئ التفكير العلمي الصحيح؟ هل نبني شخصيات علمية فيها حب العمل وثقافة الإتقان والإبداع كما أنها تعشق العلم وخدمته وتتبنى مبدأ: (ما زادتني الأيام علماً إلا علماً بجهلي)؟ هل تخرج كليات الطب في بلادنا وغيرها من البلاد العربية طبيباً مقتدراً علمياً، متزناً نفسياً، قادراً على التفكير واتخاذ القرارات، يتخلق بأخلاق العلم والعلماء؟ أم إننا نخرج طبيباً-أقل ما يقال في وصفه- إنه مسكين! طبيب مورست عليه أساليب تعليمية قائمة على التلقين والحفظ ممزوجة بشيء كثير من قلة اهتمام وأحياناً احتقار وسوء معاملة من أساتذته، مختومة بأساليب تقويم بالية فيها مزاج وعشوائية! فماذا تنتظر إذاً من خريج –في الطب أو الهندسة أو المحاماة- يعاني من خلل في نظرته للعلم والعلماء واضطراب في بناء شخصيته العلمية حين يذهب إلى كندا أو غيرها من البلاد ثم يعود إلى بلاده؟ إذا كان بناء الأساسات فيه ضعف وخلل فهل تفلح الرتوش الأخيرة والتشطيبات النهائية في تعديل هذا الخلل؟

جريدة الوطن السعودية –الأحد 12 ذو الحجة 1430 ـ 29 نوفمبر 2009 العدد 3348 ـ السنة العاشرة


مبادئ التعليم.. مبادئ الحياة

14 أكتوبر 2009

في نظري أن أهم مبدأ من مبادىء تعليم البالغين هو ضرورة مشاركة المتعلم بفاعلية في العملية التعليمية التربوية، وهذا المبدأ بحد ذاته حرب على أساليب التلقين التي اعتدناها حتى في التعليم الطبي والتعليم الجامعي! يبرز ذلك في الكم الهائل من المحاضرات التي فيها من الحشو واللت والعجن ما الله به عليم! لا يمكن لأي راشد بالغ أن يتعلم ولا أقول أن يحفظ – فرق بين الاثنين كبير – أقول لا يمكن أن يتعلم بدون أن يكون له دور فعال في تعليم نفسه وفي قيامه بدور إيجابي ومشاركته بعمل ذي بال يسهم في تعليم نفسه ما أريد له اكتسابه من كفايات! إن الهدف هو إخراج قائد لا حافظ تابع! إن مشاركة المرء في العملية التعليمية تشعره بإنسانيته كإنسان له كيان ودور فاعل يقوم به، كما تشعره بمسؤوليته تجاه العلم والتعلم، وتحفز فيه قدراته الدفينة وتدفعه إلى اكتشاف مهاراته الذاتية، وأكبر هدف أن تشجعه على التفكير! وإن طالب الطب الكسول الحافظ، قد يكون طبيباً لكنه كسول حافظ، ما زاد بكونه طبيباً إلا كما زادت الأصفار على الطرف الأيسر من الأرقام! وهكذا هي الحياة إن لم تبادر وتعمل وتشارك أكلتك الساعات والأيام وصرت حبيس دموع الندم وحسرات الأسى على ضياع الفرص! وإن الذي يضع في مخيلته هدفاً سامياً يسعى إليه دائماً سيحقق عشرات الأهداف المرحلية التي من تتابعها ستبلغه قصده ومبتغاه، وكما يقول الأستاذ أحمد أمين، إن الذي يجري في سباق الأربعمئة متر لا يشعر بالتعب وهو يقطع المئة الأولى ولا حين يقطع المئة الثانية ولا الثالثة، لأن هدفه كبير وواضح وهو يسعى إليه بكل جد وقوة! والآن انظر إلى نفسك أين هدفك وأنت تجري؟ بل هل أنت أو أنتِ من الذين يجرون أصلاً في سباق هذه الحياة؟ أم تم الاكتفاء بالتصفيق لأولئك الذين يجرون؟ أم هي المتابعة البليدة الباردة الميتة لمن يعمل ويجري وينتج ويبدع؟ أم لا هذه ولا تلك “ولا هم يحزنون” بل الضرب على الآذان والنوم في كهف غفلةٍ سنين لا يعلم مداها إلا الله!!!

لعل هذا المبدأ غريب بعض الشيء، إذ لا يستوي أن يكون الشيء قليلاً وهو كثير في نفس الوقت! ولا يعقل أن تقدم كثيراً ولا يعتبره آخرون إلا نقصاً لأن الكثير ليس كثيراً دائماً! إن هذا المبدأ على غرابته يحمل العلاج الناجع لعملية الحشو النظري والتكرار المزعج لكثير مما لا يحتاجه طالب العلم وتحديداً طالب الطب. إن طالب الطب في جل كلياتنا الطبية إن لم يكن كلها ينهمر فوق دماغه المسكين في سنوات ما يسمى بالعلوم الأساسية – الأولى إلى الثالثة بل وإلى السنة الرابعة في بعض الكليات!!- طوفان من المعلومات التي لا علاقة لها بما سيكون عليه هذا الطبيب في مستقبله! وجميع الأساتذة – مع كل التقدير لجميع التخصصات ولا علاقة لهذا الطرح بقدرات أساتذة العلوم الأساسية في صميم تخصصاتهم – يحشو ويصب المعلومات صباً بكل شيء يعرفه في عقول الطلاب، والبعض منهم يفهم خطأً أن الأستاذ يجب أن يقدم الكثير من المعلومات فلو أخذ الطالب بعضها أفلح! ولا يستثنى في هذا بعض من أساتذة العلوم السريرية، وإنما الواجب أن تُحدد مخرجات التعلم وبناءً عليها تحدد الكفايات العلمية والمهارية التي يجب أن تدرس، ولا يقوم بهذا العمل إلا أطباء وخبراء التعليم الطبي لا أن يترك الأمر على هوى كل أستاذ وعلى مزاج كل قسم بحجة أنهم أعلم بتخصصاتهم من غيرهم!! ومن هنا نفهم أن القليل من الكفايات العلمية والمهارية الضرورية والمهمة والتي تدرس بأسلوب فعَال وحيوي خير من أطنان من الزخم الكثير الذي بلونا به طلابنا وأشغلنا به أنفسنا. وهكذا هي الحياة! كثير من التركيز على قليل من الأهداف الواضحة ليبلغ الإنسان مبتغاه! يجب ألا نركز على الكم بل على الكيف! التكاثر مرض مله وحري بالعاقل أن يحرص على النوعية الفعالة المتميزة!

هناك كفايات علمية ومهارية وسلوكية في التعليم، وتتسابق المناهج في التأكيد على العلمية والمهارية منها وتنسى أو تتناسى السلوكية! ويبذل الأساتذة قصارى جهدهم في التدريس ويغيب عن بعضهم أشد وأخطر أساليب التدريس تأثيرا ألا وهو التعليم بالقدوة والمثال! ما هو أثر الأستاذ المتمكن من مادته ولكنه مغرور متعالٍ معجب بنفسه لدرجة التيه لا يرى أن هناك من يفهم سواه؟ ما الذي سيرتبط في خلد طلابه وطالباته؟ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سينطبع في دواخلهم :”إنك حتى تكون متمكناً مما تتعلم فيجب أن تكون مغروراً متعالياً كهذا الأستاذ!!” أليس هذا بصحيح؟؟! أعجب من حال بعض الأساتذة الجامعيين – من أطباء وغيرهم – وهم يسبحون في عالم من الثقة المفرطة بالنفس والغرور الذي لا حد له، وفي نفس الوقت آسف على حال الطلاب الذين قدر لهم أن يصطلوا بنار هؤلاء المغرورين! نحن نريد من طلابنا أن يحبوا العلم ويشغفوا به وأن يذوبوا في بحره وعالمه، وهؤلاء يريدون لهم أن يغرقوا في أنفس مريضة بلا فكر ولا وعي حضاري! وما أكثر الغارقين في أنفسهم في هذه الحياة! هل أنت واحد منهم!

لا أثمن ولا أنفع لأي عالم أو طالب علم حقيقي-مهما تعددت مسمياته: استشاري، أخصائي، طبيب مقيم، طبيب امتياز، طالب طب، أو في أي فرع آخر، من رأي ناقد منصف يعطي التقويم المتزن لأسلوب الأداء. والناس ليسوا أغبياء، ولا يجب على أي عاقل أن يفترض هذا الافتراض أساساً، لذا وجدت من أجمل الأساليب في الحديث عن النقد الرجعي هذا بسؤال الشخص المعني: كيف كانت تجربتك في هذا العمل (الدورة، المقرر،..)؟ وكيف تنوي تحسين هذا الأداء؟ ولا غرابة في ظني أن غالبيتنا على دراية كافية بما يميزه وما ينقصه وما هو محتاج إليه، وإنما نحن بحاجة فعلاً إلى من يدفعنا إلى تحسين أدائنا وإلى من يشجعنا على استخراج أفضل ما عندنا من مهارات وقدرات. بل إن أي متعلم بالغ – مهما علت درجته – يجب أن يحرص على أخذ آراء وتقويم من حوله، لأن المفترض أن الإنسان بطبعه بل إن الكون كله بفطرته، في حالة حركة مستمرة وتغيير دائم لا ينتهي، فالشمس تجري، والقمر له منازل متعددة والكون في حالة توسع مستمر! إن العالم أو المتعلم قد ينشأ عنده الخطأ صغيراً ثم تمضي به السنين دون تعديل فيصبح عيباً فاضحاً! والغريب أن جل ما نفهمه في النقد الرجعي ينم عن بخل وشح نفس شديدين!! إذ لا يعني هذا عندنا إلا انتقاد السلبيات والحديث عن النقائص ولا حديث ولا ثناء على الإتقان والإبداع! وفي نظري أن من كمال النفس هو قدرتها على إعطاء هذا النقد المتزن وتقبلها له إذا بذل لها.

جريدة الوطن السعودية – الأربعاء 25 شوال 1430 ـ 14 أكتوبر 2009 العدد 3302 ـ السنة العاشرة


فن الحياة

6 سبتمبر 2009

هل للحياة فن؟ وإذا كان هناك فن فهل نجيد نحن هذا الفن؟ ما هي معالم هذا الفن؟ ما هي أهدافه؟ ما هو مفهوم “الحياة الطيبة” التي تحدث عنها القرآن الكريم؟

هذا بحث طويل أتمنى أن يتصدى له نفر من المفكرين المقتدرين لكي يعلمونا كيف نعيش! أستغرب كثيراً وأنا طبيب أجلس في عيادتي وأستمع إلى مريض يشتكي من حرقان المريء وحموضة المعدة التي توقظه ليلاً وسوء الهضم المزمن والقولون العصبي، ولا يريد إلا دواءً جديداً فعالاً في مقاومة هذا الأمر، ويخرج من جعبته عدة أدوية هي كل ما أعرف لأوصفه في مثل هذه الحالة، ويظهر لي حيرته وعجزه وتعبه ومعاناته، وبعد وقت قصير من التاريخ المرضي الذي أستخلصه من مريضي هذا يتبين لي أنه يأكل كميات من الأكل تكفي لأن تقيم أود أربعة أشخاص معه! وأظن مع ضخامة ما يأكل أن معدته المسكينة قد استطالت لدرجة أنها أصبحت بحجم ثلاجة في سوبرماركت! أواجه مريضي بأن الموضوع سهل وحله في متناول يديه إن أراد! “لا تُخط فمك ولكن استرشد في الأكل واقتصد وحاول ألا تأكل إلاّ قبل ساعتين أو ثلاثة من موعد نومك” “ولا يجب أن تكون وجبة العشاء كالغداء فيها ما لذ وطاب من اللحوم وخلافه” وغير ذلك من إرشادات، وأول ما ألحظ في عيني مريضي هو أنه يفكر في طبيب آخر-غيري- يوصف أدوية! لأن هذا الطبيب الذي أمامه لا يعرف أدوية جديدة!

إن كثيراً من مشاكلنا العويصة يكمن حلها في سلوكيات صحية بسيطة تحتاج إلى إرادة! التخمة وحرقان المريء وسوء الهضم اضطرابات كثيرة فلماذا نستسلم لشهوة الأكل المفرط ونرضى بكل هذه التوابع المزعجة؟ إن ذلك أول المحطات في هذا الطريق السريع الذي سيمر بمحطات السكر والضغط وتصلب الشرايين وجلطات القلب والدماغ –أجاركم الله-! أين حق البدن-كما تعلمنا نظرية الحقوق الإسلامية- في المحافظة عليه وتعهده بالرياضة وغيرها؟

لماذا لا يرى بعضنا متعة في حياته إلا في الأكل فقط؟ لماذا لا نأخذ منه حاجتنا ونلتفت إلى غيره؟ البعض يظن وهماً أنه سيموت جوعاً لو لم يلتهم كل هذه الكمية! وآخرون لا يرون متعة إلا في التدخين –على خطورته-؟ وآخرون في الجنس ولا شيء غير الجنس! بعض الناس وللأسف مصاب وهماً بسعار جنسي يجعله يرى أشياء في مخيلته هو وحده لا يراها غيره أبداً! فإذا تكلمت امرأة فبدافع جنسي! وإذا قام رجل بحركة ما فإنما هي بدافع وبعد جنسي! وإذا تكلم رجل وامرأة في أي مكان وتحت أي ظرف وزمان فبدافع ورغبة جنسية! هذه ثقافة مرضية تكاد تكون آثارها قد عمت في سلوكياتنا كلنا جميعاً شعرنا أم لم نشعر! إنها تلغي وللأسف إنسانية التعامل التي يجب أن تكون هي الأساس برصيد من الاحترام المتبادل والتقدير للشخص في فكره ورأيه لا لجنسه.

الحياة أيضاً عند آخرين ليست إلا حديثاً عن القبر وعذابه وعن النار وعذابها وقليل من الحديث عن الجنة ونعيمها وبالجملة حديث عن الآخرة كأننا فيها! عجباً ومن سيعمر الدنيا إذا أبيضت أعيننا من الحزن والخوف والهلع من الآخرة؟ هل هذا هو أسلوب العيش الحميد الذي يدعونا إليه القرآن الكريم؟ إن فقيهاً ومربياً كابن الجوزي يعتبر أن انشغال المرء بالتعبد عن تحصيل العلم من مظاهر تلبيس إبليس وتضليله للخلق، بل إنه ليكره لنفسه كما يقول في صيد الخاطر:” لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور وأن أحضر المحتضرين لأن ذلك يؤثر في فكري، ويخرجني من حيِز المتشاغلين بالعلم إلى مقام الفكر في الموت (لاحظ هو يريد الفكر في الحياة!) و لا أنتفع بنفسي مدة”، وحقيقة فإن ديننا –كما يذكر الدكتور عماد الدين خليل- فيه دعوة مفتوحة إلى مد الشعور بالحياة! فنظرة المؤمن واسعة شاملة وهمته عالية وروحه كبيرة تشمل الدنيا والآخرة، لأن هنا حياة وهناك حياة ممتدة من هذه الحياة.

والحياة عند آخرين مال ولا شيء غير المال، لا ضير إن جاء من هذا الطريق أو ذاك ، ولا بأس إن كان حلالاً أم حراماً، وهنا إلغاء تام للحياة الأخرى وإغفالها ونسيانها من الشعور والإدراك! يعيش هنا الإنسان تحت وهم الغنى وخوف الفقر فلا يزداد مالاً إلا ويزداد طغياناً وضلالاً، وهذا بخلاف السعي الحر الشريف في طلب المال بالعمل والإبداع فيه.

من الذي رسخ في اعتقادنا أن الحياة هي تجهم وغضب وتكشير وجفاء! أين الابتسامة في حياتنا اليومية؟ أين المبادرة بالسلام والمصارحة في المشاعر والصدق فيها “إني أحبك في الله” التي حض عليها الهدي النبوي؟ أين عبارات المدح والثناء والإعجاب والإطراء التي يجب أن نبثها فيمن حولنا؟ أين المرح في حياتنا؟ أين الدعابة؟

ومن جهة أخرى ما سبب هذا الكسل والخمول الذي يعشش فينا؟ أين قيم العمل؟ هل نحمل كمجتمع ثقافة العمل وإتقانه؟ هل نحس بأهمية العمل وبذل الجهد ودوره في بناء الشخصية؟ أعجبني قديماً أحد الآباء المربين وهو يوصي زميلاً لي في كلية الطب ونحن يومها طلاب: يا بني حاول أن تتعب؟ وكأن التعب والنصب في سبيل ما يريده الإنسان هو حياة حقيقية فيها فرح بالإنجاز وشعور بالفاعلية وإشباع لروح التحدي والمخاطرة! ولأمر ما ارتبط ذكر الحياة الطيبة بالعمل الصالح –على إطلاقه-والذي يشمل- مما يشمل- كل عمل إبداعي حضاري نفعي :”من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” (النحل-97).

التوازن أمر مطلوب في هذه الحياة مع تحرر من أسر الأوهام الفارغة التي تحبسنا في دهاليز أنفسنا، والنظر بمنظار الأمل والتفاؤل، والانفتاح على معالم حق وخير ومعان رائعة في هذه الحياة لطالما حرمنا أنفسنا منها.

جريدة الوطن السعودية – الأحد 16 رمضان 1430 ـ 6 سبتمبر 2009 العدد 3264 ـ السنة التاسعة


كلمة إلى المشاركات في مقرر المهارات السريرية – ١٤٣٠هـ

3 أغسطس 2009

الدكتورة/ نوف الريشي وزميلاتها الرائدات في مقرر ABC-Clinical Skills Course في دورته الرابعة والمنعقدة في الفترة الحالية من شهر رجب/ يوليو 7/ 1430 – 7/ 2009.

وقعت عينيَ على هذه العبارة حين كنت أقلب النظر في أي الكتب أقرأ هذا الصيف…يقول عبدالرحمن الكواكبي :” الترقي هو الحركة الحيوية، أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط ، وهو الحركة إلى الموت أو الإنحلال، أو الإستحالة أو الإنقلاب. فإذا رأينا في أمة آثار حركة الترقي (الشخوص) هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة. ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت”

إن الأمة..والوطن ..والمدينة..والكلية..والمستشفى…مكونة من أفراد، وحياة هؤلاء الأفراد في حركتهم وحياة مجتمعهم من حياتهم!

لقد شعرت وأنا أرقب اليوم الإثنين 20/7/1430 – 13/7/ 2009 حفل هذا المقررفي كلية الطب-جامعة أم القرى،أن هناك مجتمع علمي يضج بالحياة والحركة والنشاط والإبداع بثثتموه أنتم يا طالبات أم القرى في محيطكم..

مما يميز هذه الحياة هو الإيجابية والمبادرة وخلق الفرص، وهذا تماماً ما فعلتموه أنتم في هذا المقرر الصيفي الذي تعقدونه سنوياً- بإشراف أكاديمي بسيط من قبلنا- في إستقطاع أوقاتكم تخطيطاً وإعداداً، وبذل الجهد منكم شرحاً وإيضاحاً لزميلاتكن اللاتي سيبدأن مقرراتهن السريرية…

ومما يميز هذه الحياة أيضاً حب العلم والشغف به، وحب نشر الخير والسعي لترقي الناس……….. إن الحياة الحقيقية هي في البذل والعطاء.. عطاء العلم والجهد والمال والتقدير والكلمة الطيبة..كل ذلك وجدته في كل ثانية بل وفي كل زاوية من حفلكم، لقد كان يجلس بينكم ومعكم وأنتم تكرمون وتذكرون بكل خير من أنشأ هذا المقرر من زميلاتكن ومن توالى على إنجاحه عبر السنوات منكن، ولقد كان الإتقان ينصت لكم وأنتم تقدمون مقرركم بتنظيم وترتيب يعجز عن مثله بعض الأساتذة….

ولكم كنت أتمنى لو حضر معنا الدكتور/ عبدالعزيز الخوتاني –عميد الكلية – ليشهد مغتبطاً نفراً من طلبته، مقتدر قيادياً، يحلق في سماء الإبداع والإتقان، إذ لا سعادة لأي معلم إلا أن يرى طلبته متمكنين قياديين رواد متميزين محبين شغوفين بما بين جوانحهم من علم ومعرفة… إلا أن ظروف سفره ومشاركته في إحدى الدورات العلمية حالت بينه وبين حضور هذا الحفل، ولكم أثقل عليَ بكثرة ما ألح في التأكيد على شكركم والإشادة بصنيعكم والإعتذار عن تعسر حضوره…

ولكم كنت أتمنى أيضاً أن يحضر الدكتور/ عبدالعزيز ليشهد معي كيف غمرتمونا بتقديركم وحبكم وإحترامكم وإمتنانكم له شخصياً ولي ولجميع أساتذتكم..
حقيقة قد تصاغرت كثيراً أمام نفسي إزاء ما رأيته وسمعته  وأحسسته من تقديركم وجميل تعابيركم وحسن ظنكم في، بل شعرت أني ضعيف متطامن أمام قوة إمتنانكم ورونق ورقي كلماتكم في، ولا أخفيكم أن عيناي قد اغرورقت بدمع شكر وعرفان لكُن، إذ أننا جميعاً نعيش في بيئة قل فيها من يعلي شأن الإبداع والمبدعين، لقد قضيت لحظات أعتبرها- ولا أبالغ- من أجمل لحظات حياتي! وهذا حفل لن أنساه ما حييت!

ورجائي وأملي ألا ينقطع غصن العطاء هذا المتمثل الآن في هذا المقرر، بل كلنا نريده مستمراً في النمو والكبر ليصبح شامخاً عالياً في تميزه، عميقاً غائراً في أرض كلية تفخر بأن لها طلبة أمثالكن يؤمنون بمبدإ العطاء بلا حدود والمتمثل في التعليم التعاوني التعاضدي الذي أنتم من طبقتموه بطريقة رائدة قل أن يوجد لها مثيل – حقيقة وبدون مبالغة- على مستوى العالم، وكلي أمل من الدكتور/ عبدالعزيز أن كما دعم هذا المقرر معنوياً أن يوفر له دعماً مادياً، وأقولها بكل صراحة إن لم يحدث هذا في عهدك فلن يحدث أبداً في عهد من بعدك! فأنت- حقيقة لا مجاملة- قد أحدثت نقلة نوعية في الكلية بشهادة الجميع ومثلك في الوعي والإهتمام يقدر هذا الجهد من بناته وأبنائه الطلاب ويحرص على أن يوفر له كل دعم ممكن…

أما أنتن – يا ثلة من الطبيبات المبدعات الرائدات- فهيا…!! هيا إلى مزيد من الإبداع والعمل، فأمامكن ساحات كبيرة ممتدة، وكثير منها خالية أو قليل روادها- تنتظركن وتنتظر حركة كل فرد منكن، وتتعطش إلى رؤية إبداعاتكن وإنجازاتكن، وإلى رؤيتكن جميعاً طبيبات متمكنات، قياديات فاعلات، تدلون بدلوكم في خدمة أهليكم وبلدكم، وتدعمون مسيرة الحراك الحضاري الذي سيخرج أمتنا –بأمر الله- من ظلمات الجهل والفقر والمرض إلى آفاق العلم والصحة والرفاهية..

ولا تبخلوا على من تشرف بتعليمكم شيئاً مثلي أن تشركوه فرحتكن بإنجازاتكن العلمية والطبية، حتى وإن توالت الأيام وتتابعت السنين، لأن ما نحن بصدده من رقي الأهداف التي نسعى لها، وشرف ما نشتغل به من طب وعلم، وما ينشأبيننا من علاقة سامية تبعاً لذلك ، لا يحده لا زمان ولا مكان، إنما هو باقٍ بأمر الله مابقينا وما بقيت هذه الأرض…
وتذكرن دائماً –كما قال الكواكبي- أن الترقي هو الحركة، بل إن الحياة حركة! فلا تلجأن إلى القعود والسكون بل قاومن ذلك أبداً، رعاكن الله وحفظكن من كل مكروه..

من أكرمه الله بخدمة العلم والعلماء: هاني المعلم


ثقافة الاستهلاك حتى في التعليم

30 يوليو 2009

كُثر هم المفكرون والمثقفون الذين كتبوا وصفاً وتحليلاً للثقافة التي تعشش في أذهاننا، وذلك سعياً منهم لتشخيص عللنا لنرقى من ثَم إلى فكر التحضر والتقدم، من أبرز سمات وملامح هذه الثقافة التي أزعم أنها مريضة وبحاجة إلى العلاج، غلبة الاستهلاك على الإنتاج، وهنا أحاول أن أبين كيف استفحلت ثقافة الاستهلاك هذه في مجال التعليم –الطبي تحديداً- وأصبحت عقبة كأداء أمام التطوير.

لاحظت غلبة استخدام مصطلح “التعليم المبني على المعضلات” “problem-based learning” لدى كثير من الزملاء الأطباء في عدة كليات طبية داخل وخارج بلدنا الغالي، وحتى عندما أسأل زميلاً عن وضع الكلية – كلية الطب – والمناهج فإنه يبادرني مباشرة بالقول – دلالة على التحضر والتطور -: إننا نطبق مبدأ التعليم المبني على المعضلات، وبهذه المعلومة فقط يريد زميلي هذا أن أظهر له علامات الاستحسان والتعجب والرضا، وأن أكيل عبارات التمجيد والتبجيل، وأن أحمد هذه الخطوة الجبارة، وأن أسهب في الثناء كما لو أني أتغزل في مزايا سيارة جديدة اشتراها أو ساعة غالية لماركة عالمية تزين معصمه!

هناك اتجاه حديث في النظر إلى أبحاث التعليم الطبي لا يقلل من شأن هذه الأبحاث وأهميتها، ولكن يطالب بإعادة صياغة معاييرها ومقاييسها لتصبح أكثر دقة ومصداقية. إننا نعلم أن جل أبحاث التعليم الطبي هي من النوع النوعي وليس الكمي، أي لا توجد لديك مقاييس محددة تلجأ إليها لمعرفة نتائج بحثك كما هو المتبع في البحوث الطبية التقليدية التي تضع مقاييس محددة كنتائج لأبحاثها كمقياس الضغط قبل وبعد استخدام الدواء أو كعدد المفاصل الملتهبة قبل وبعد الدواء أو مقياس مختبري كوظائف الكلية أو الكبد وخلاف ذلك، في التعليم الطبي يندر وجود مثل هذا التحديد الدقيق في المقاييس وبالتالي تعميم نتائج بحوث التعليم الطبي قد لا يكون دقيقاً أيضا، معنى ذلك عند أصحاب هذا الاتجاه – وهو اتجاه متنام وله حجة وجيهة – أن نتائج البحوث المنشورة في التعليم المبني على المعضلات من أمستردام – تعتبر المدرسة الهولندية من أكثر المدارس الطبية تطرفاً في القناعة بالجودة المطلقة للتعليم المبني على المعضلات – لا تعني بالضرورة فعالية هذه الطريقة إذا طبقت في مكان آخر غير أمستردام! لماذا؟ لأن طالب الطب في باريس ونيويورك ومكة وطوكيو مختلف عن طالب الطب في أمستردام، في تركيبه الفكري والنفسي، في ترتيب مناهجه الدراسية، في نمط وأسلوب دراسته، في أساليب تقييمه.

إذاً كيف نستفيد من نتائج البحوث العديدة التي أشارت إلى أفضلية هذه الطريقة أو تلك؟ وما العمل إزاء بحوث عديدة قارنت بين طلبة تخرجوا من مناهج مبنية على المعضلات وآخرين خريجي مناهج تقليدية؟ الحق أننا يجب أن ننظر إلى المبدأ الذي تعتمد عليه هذه الطرق والأساليب، ومن ثم يأتي الاستئناس بنتائج مثل هذه البحوث والدراسات، ومن ثمَ التطبيق الحذر على واقعنا التعليمي!

كيف يمكن أن يحدث هذا؟ طريقة التعليم المبني على المعضلات ترتكز على مبدأ مركزية الطالب وليس الأستاذ في العملية التعليمية، فالطالب مسؤول عن تعلمه مسؤولية تكاد تكون مطلقة! فهو الذي يضع الأهداف، وهو الذي يبحث عن المعلومة، وهو الذي يصل إلى النتائج، وكل ذلك طبعاً بإشراف أكاديمي، أضف إلى ذلك أن طريقة التعليم هذه ليست إلا مثالاً واحداً فقط لعدة طرق وأساليب تعليمية تعتمد على مبدأ المشاركة الفعالة الإيجابية للطالب في العملية التعليمية، وليس الحفظ والتلقين والتبلد والخمول. فقبل النظر في طريقة ما يجب أن نسعى إلى تطبيق هذه المبادئ في تعليمنا، فهل الطالب عندنا هو محور العملية التعليمية أم إن الأستاذ هو الكل في الكل؟

حتى تنجح مشاريعنا التطويرية يجب أن نتبنى منهجاً شمولياً يُراعى فيه عدة أمور، أولها أستاذ كلية الطب وضرورة تطوير مهاراته، ضرورة تحديد الكفايات الواجب توافرها في خريج كلية الطب في بلادنا ومن ثم تحديد الكفايات المرحلية حتى يتسنى للقائمين المقتدرين على التعليم-من الأطباء وليس من أساتذة كليات العلوم والأحياء الدقيقة- صياغة برامج وطرق تعليمية-من ضمنها طريقة التعليم المبني على المعضلات- تسعى إلى تحقيق وجود هذه الكفايات في الطلاب بنهاية مقرراتهم، إعادة غربلة أساليب التقويم التي تستخدم في جل كليات الطب في بلادنا

إن ما لم يؤكد عليه كثير من بحوث التعليم المبني على المعضلات بشكل واضح وبارز: هو أن الطلبة كانوا مرتاحين نفسياً ومعنوياً وسعداء بما يقومون به من نشاط وهذا يفسر كثيراً أسباب النجاح الخارق لهذه الطريقة، ونحن نسعى إلى تطوير التعليم علينا إذاً أن نفكر كثيراً في توفير أجواء من الراحة النفسية تشجع على العلم والتحصيل والإنتاج عند طلبتنا. لقد أورثنا طلبتنا – وما زلنا نورثهم – الكثير من العقد النفسية بسبب الأساتذة المعقدين أصلاً – سواء من أساتذة العلوم الأساسية أو الأطباء الاستشاريين – وبسبب مناهج قديمة متخلفة وأساليب تقويم بالية. وهناك قضية أساسية مهمة ألا وهي ضرورة توفير مصادر تعليمية جبارة في متناول طلابنا من مكتبات منظمة متجددة وتقنيات إلكترونية عالية..كل ذلك يجب أن يتحسن قبل أن نفكر في نجاح أي طريقة تعليمية جديدة.

أمر آخر علينا مراعاته هو تجهيز وتأهيل طلبتنا للتعامل مع الطرق الحديثة هذه، إن طلبتنا هم ضحايا حفظ وتلقين، وإن كثيراً منهم يفقد مهارات التعلم الأساسية (أذكر هذا بناءً على دراسة لي منشورة في هذا المجال)، وإن السعي غير الواعي إلى تطبيق ما هب ودب من أساليب تعليمية حديثة دون النظر إلى مراعاة حال طلابنا هو الوصفة المؤكدة لفشل هذه الطريقة أو تلك. إني أنظر بإجلال واحترام إلى المدرسة السنغافورية الآسيوية في التعليم الطبي، والتي بدأت تكتسب احتراماً عالمياً، إحدى صوره مؤتمر سنوي عالمي متنام في التعليم الطبي في جامعة سنغافورة، ورغم ذلك فإن مقدار استخدامهم للتعليم المبني على المعضلات مقارنة بطرق وأساليب التعليم الأخرى التي يستخدمونها لا يتجاوز 20%، وما ذلك إلا أن هذا في ظنهم هو الأنسب لطلبتهم، ولا غرابة إذاً أن تكون النسبة 100% في جامعة ماسترخت بهولندا لأن هذا في ظنهم هو ما يناسب طلبتهم! فما الذي يناسب طلبتنا نحن؟

تصويب: ورد في المقال السابق، خطأ “كالحمار يحمل أسفاراً” والحق أن الآية الكريمة: “كمثل الحمار يحمل أسفارا”- سورة الجمعة – آية 5- أشكر عدداً من الأساتذة الكرام على التنويه.

جريدة الوطن السعودية – الخميس 8 شعبان 1430 ـ 30 يوليو 2009 العدد 3226 ـ السنة التاسعة


أيتها الهيئة: كفي عن هذا الهراء!

28 يونيو 2009

تأتي فترة من السنة تقفر فيها المستشفيات من الأطباء المقيمين (وهم الأطباء-سعوديون في الغالب- الذين ينخرطون في برامج التدريب بإشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مرحلة ما بعد مرحلة الامتياز وذلك لنيل درجة الزمالة)، وأول ما تلاحظه حقيقة هو عزوف هؤلاء الأطباء عن حضور اللقاءات الطبية الصباحية، تسأل ما السبب؟ يأتيك الجواب بأنه أمر عظيم! تبحث عنهم في العيادات الخارجية، فلا تسمع إلا الأعذار فقد أزف الوقت وادلهمَ الليل وحانت الساعة واحمرت المعركة!! إجازات اضطرارية، وغياب بحساب وبلا حساب، واكتئاب فوق الاكتئاب، وإذا سألت يا قوم أفيدونا ما الذي دهاكم؟ قالوا: ألا تعلم يا دكتور؟ قلت: لا أعلم، وسبحان العليم الحكيم، قالوا: ألا تدري يا دكتور، لا علمت ولا دريت! فلما يئسوا مني، قالوا: إنه الامتحان السنوي للهيئة السعودية! امتحان إلزامي، من لا يتجاوزه لا يرقى إلى سنة التدريب التالية، وإن رأى في المنام أنه حفيد ابن سينا أو ابن أخت الرازي أو زميل ابن حيان!

تذكرت مباشرة مرحلة التعليم الابتدائية والمتوسطة والثانوية، أتذكرون تلك الاختبارات التي لا تنتهي في كل المواد؟ أم إنها لازالت موجودة؟ أعمال السنة، والاختبار الشهري، والاختبار النصفي، ومن ثم الاختبار النهائي، فلا مذاكرة إلا بسبب الاختبارات ولا تدريس إلا لأجل الاختبارات!

لا أدري من الذي يخطط للهيئة ومن يضع مثل هذه القوانين التي عفا عليها الزمن، نحن أيها السادة لا نتحدث عن مرحلة تعليم جامعي بل مرحلة تعليمية لما بعد الجامعي، درجة الزمالة تعادل درجة الدكتوراه، ومع ذلك فإن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تصر على التعامل مع هذه الفئة الغالية والعزيزة والمهمة من العلماء الأطباء على أنهم من طلاب مرحلة ابتدائية! إنه الاستمرار القاتل للنمطية التقليدية المتخلفة التي لا تنتج إلا السلبية والبرود والجمود العلمي، لن يكون الأطباء المقيمون إذاً وبمباركة الهيئة الكريمة إلا حفنة من كتبةٍ..حفظة..محترفي اختبارات! ألا كفى قتلاً للعلم والعلماء!

يجب أن تتحول بوصلة التقويم من التركيز على كمية المعلومات التي يحملها الطبيب المقيم إلى المعلومات التي يطبقها الطبيب، لقد شَنع القرآن الكريم على الذين يحملون علماً غزيراً لكن لا رصيد تطبيقي له “كمثل الحمار يحمل أسفاراً“، والأهم من أن تسأل سؤالاً نظرياً عن كيفية علاج الفشل الكلوي، أن تحرص على أن يتدرب الطبيب المقيم تدريباً سليماً فيه أهداف واضحة ومحددة، ويتم تحقيق كفايات علمية ومهارية وسلوكية بنهاية التدريب في قسم أمراض الكلى، وقس على ذلك جميع الأقسام.

إن الهيئة السعودية ومن خلفها جل البرامج التدريبية التعليمية في عدد كبير من مستشفياتنا لا يحمل توصيفاً للكفايات العلمية والمهارية والسلوكية الواجب توافرها في الطبيب المقيم الذي سيتخرج ويصبح استشارياً في تخصصه!

يجب أن نتعامل مع هؤلاء الأطباء على أنهم علماء أفاضل يقدمون أرقى خدمة يمكن أن يقدمها إنسان لمجتمعه، يجب أن نحترم وننمي الحس العلمي البحثي لدى هؤلاء العلماء، يجب أن نزرع فيهم الحس المهاري السريري، والثقة في اتخاذ القرارت السريرية الصحيحة، والمهنية العالية في تعاملهم مع أنفسهم ومع زملائهم ومع مرضاهم، وكيف يتحقق كل هذا مع الهيئة الكريمة وهي مولعة لحد الجنون بهذه الاختبارات السنوية وبأمر آخر يتعلق أشد التعلق بهذا الموضوع ألا وهو الرسوم المالية السنوية والتي تتضخم بلا سبب وجيه من عام إلى عام!

إني أسأل العقلاء والوجهاء في الهيئة الكريمة: هل هناك برنامج كفايات واضح لبناء وتخريج شخصية طبية علمية قوية ومتكاملة؟ هل هناك دليل واضح لكل طبيب ترصد فيه مراحل تطوره العلمي والمهاري؟ كيف يعقل أن يبدأ الطبيب المقيم تدربه في تخصص ما وهو لا يعرف ما الذي يجب عليه التمكن منه علمياً ومهارياً؟ والأدهى أن من يعمل معه هذا الطبيب من الاستشاريين أشد جهلاً منه في هذه الكفايات العلمية والمهارية، بل إن بعضهم لا ثقافة تعليمية عنده ولا اهتمام ولا حرص ولا دراية بأمور التعليم الطبي وقضاياه! والأشد دهاء ونكراناً أن جل المشرفين على هذه البرامج من الاستشاريين هم حقيقة قليلو الخبرة والإحاطة بالتعليم الطبي وقضاياه وأساليبه، فلا تطلب ممن لا يجيد العوم أن يشرف على مجموعة من السباحين! فليس كل طبيب وإن كان استشارياً هو معلم حاذق متقن لأمور التدريب والتعليم!

يجب أن نقر جميعاً – سواءٌ كانت الهيئة الكريمة أو كليات الطب في جامعاتنا العريقة- أن الأطباء الاستشاريين بحاجة إلى تدريب وتأهيل في التعليم الطبي، إن حجر الزاوية في أي عملية تطويرية لمخرجات التدريب والتعليم سواء لمرحلة ما قبل التخرج أو بعد التخرج إنما هو الاستثمار في اللاعب الرئيسي في العملية التعليمية ألا وهو الطبيب الاستشاري المعلم! يجب أن تلزم الهيئة الأطباء الاستشاريين بدورات تدريبية إلزامية. على الهيئة أيضاً أن تضيق الاعتراف بكل ما هب ودب من المراكز التدريبية التي لا تكتمل فيها آليات معينة تضمن قوة ونجاح هذه البرامج. وعلى الهيئة بشكل علمي منهجي أن تعيد النظر في آليات التقويم المعتمدة والتي أظن أن المعتمد منها سواء أكان بالاختبارات السنوية المشابهة لاختبارات المرحلة الابتدائية أو بالاختبار النهائي المعتمد على أسلوب الحالة الطويلة إنما هي أساليب قديمة بدائية انتهت فترة صلاحيتها من عدة سنوات! أضف إلى أنها لا تنمي إلا سطحية التعلم، على الهيئة أن تعتمد بجدية إدخال التدريب على البحث العلمي وآلياته، على الهيئة…

“لا داعي لا داعي، لا تكثر الكلام قد أزعجتنا بكثرة كلامك وطول لسانك وتدخلك فيما لا يعنيك…
هناك اختبار سنوي لكل سنة من سنوات التدريب، للسنة الأولى وللسنة الثانية وللسنة الثالثة وللسنة الرابعة، شئت أم أبيت، وعليه سيتم تحديد من ينتقل ومن لا ينتقل إلى السنة التالية، المهم أن الجميع سيدفع! وما ذكرته لا نستطيع عمله، فهذه إمكانياتنا وهذا نحن، وليس بالإمكان أفضل مما كان، أما كلامك فهو كلام جرائد! فليبقَ حبيس الورق! وسيظل الوضع على ما هو عليه! ومت بغيظك!!”

“…..ك ت ب كتب…. ز ر ع زرع……ح ص د حصد……. ق ت ل قتل!!!……”

جريدة الوطن السعودية – الأحد 5 رجب 1430 ـ 28 يونيو 2009 العدد 3194 ـ السنة التاسعة


الشغف بالعلم

26 مايو 2009

أعتقد أن أهم وسائل نشر وبناء منهجية تفكير علمي صحيح هو العمل على بث روح الولع بالعلم والشغف به وتنمية بذرة حب الاستطلاع واكتشاف المجهول، وهذه آلية لا تختص بزمن دون آخر ولا بسن دون أخرى، بل هي مسؤولية الجميع: المعلم في المرحلة الابتدائية والمعلم في المرحلة الجامعية، تلميذ المدرسة وطالب الجامعة، المدير، المقرر، البيئة التعليمية.. كل ذلك يجب أن يدعم الشوق إلى معرفة الجديد والكشف عن أسرار وغرائب العلوم والمعارف. إن الطالب وأخصص أكثر وأقول – طالب المرحلة الجامعية – لا يتعلم وهو جالس أمامك في قاعة الدرس بين أربعة جدران، ينظر إليك بعينين جاحظتين من أثر النوم والنعاس، ويستمع ولا شيء غير الاستماع والتلقي، كوعاء يصب فيه الأستاذ ما شاء من معلومات منطقية وغير منطقية، وما أخشاه أن هذا الوعاء قد يكون مثقوباً لا يكاد يبقي على شيء وإذا سلم من العيوب وامتلأ الوعاء فإنه سرعان ما ينقلب مقفى على وجهه في أول خطوة للطالب خارج قاعة الدرس! إن الطالب وأستاذه يجب أن يكونا طالبي علم ومعرفة، لا فرق بين أحد!! إن الطالب يتعلم في سعيه للتعلم، يتعلم إذا أمعن تفكيره فيما يريد أن يتعلمه، يتعلم إذا أحب العلم وتعطش عقله وذهنه للجديد، فلا يهتم إلا بالعلم والمعرفة لتصبح طعامه وشرابه، صبحه ومساءه، فيبذل الجهد ويسخر الطاقات ويقوم بأنشطة وفعاليات في سعيه للتعلم ويناقش زميله وأستاذه ويحاور فيما أريد منه أن يتعلمه، وكل ذلك تصديقاً لما ورد في الأثر إنما العلم بالتعلم!!

أتأمل بروعة وإجلال قول الله سبحانه وتعالى: “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي”، وهذا ليس بسؤال شاكٍ فيما يؤمن، إذ إنه سأل عن الكيفية وليس عن أصل الموضوع وهو الإحياء، إنما هو سؤال تشوقٍ وتطلعٍ وتلهفٍ وبحثٍ عن المزيد من اليقين، وانظر إلى روعة الرد الرباني الذي يؤكد ويؤصل مبدأ الحوار والنقاش في أي موضوع مهما كان ظاهره خطيراً ويحمل طابع “الخصوصية”، ليس هناك توبيخ أو صد أو إعراض، بل سؤال هادئ مستفهم – والله العالم بكل شيء – للتأكد من صحة الرغبة وهدفها.

إن الشغف بالعلم وحبه والانغماس في بحوره والتحليق المستمر في عالمه يخلق أجواءً صحية رائعة في المؤسسة التعليمية، في المنزل، في المجتمع، في كل مكان، يجب أن نربي أنفسنا ليس على احترام العلم والعلماء فحسب بل على احترام وتقدير كل ما له علاقة بالعلم من قريب أو بعيد.

أنقل هنا صورة شغفٍ وولعٍ بالعلم وأهله، فيها مجتمع أدمن العلم والاشتغال به، وفي هذه الصورة بيئةٌ تُكبر وتشجع كل من تعلم، وتحارب من رضي بالجهل والقعود، صورة ليست من سير العلماء الغربيين الذين احتك بعضنا بهم ورأى كيف أن عمرَ أحدهم يذهب في سبيل الكشف عن مركب ما أو دراسة ظاهرة ما، وليست في وصف جامعات غربية تموج فيها حركة العلم والعلماء والاحتفاء بالبحث العلمي والدعم اللامحدود لكل من أراد أن يتعلم أو يبحث من مكتبات ورقية وإلكترونية هائلة (أذكر أني طلبت مرة من مكتبة الجامعة في فانكوفر – كندا – عن طريق الكمبيوتر مقالة علمية في مجلة قديمة كتبت عام 1946، تم إحضارها في ظرف يوم واحد!)، وجيوش من الإحصائيين وداعمي البحث العلمي، وآليات إدارية سهلة سلسة في كل علم وفي كل تخصص هدفها خدمة الطالب والباحث لا تعقيده!

هذه الصورة الرائعة أنقلها من كتاب (ضحى الإسلام) للأستاذ أحمد أمين وهو الذي يؤرخ لمسيرة العقل العربي منذ فجر الإسلام ويرصد بدايات العلوم الإسلامية وتطورها على مدى العصور، ذكر في الجزء الأول صفحة 384 : “… وهكذا تمتزج في العراق كل الثقافات، وتتبادل كل الآراء، وتعرض كل الآداب فيروي الأغاني: “أنه كان في مسجد البصرة حلقة قوم من أهل الجدل يتصايحون في المقالات والحجج فيها” وبجانبهم حلقة للشعر والأدب وهكذا. وكان الذين يحضرون هذه الحلقات من أجناس مختلفة وديانات مختلفة وآراء مختلفة، وكانوا يتلاقون في المسجد وفي المنازل، وفي قصور الولاة والخلفاء، ويتحاجون ويتجادلون، يخرج الجاحظ صباحاً إلى المسجد لطلب الحديث، ويلتقي بعد بحنين بن إسحق وسلمويه، ويلقى النصراني واليهودي فيجادلهما، ويلقى البدوي العربي فيأخذ عنه. يتقابل أصحاب الديانات فيحكي كل ما ورد في كتبه عن خلق العالم، ويتجادلون في رؤية الله هل تكون أو لا تكون” ثم يقول: “على حين يتجادل الآخرون في أي الأمم خير، ويتعصب هذا للعرب وهذا للعجم، وغير هؤلاء في لغة وفي أدب، ويقارن العلماء بين اللغات المختلفة والآداب المختلفة. فكان من هذا كله حركة عنيفة، لم تدع نوعاً من المذاهب والأديان واللغات والآداب يعيش وحده، بل لم تدع جزءاً من الأجزاء إلا مزجته بأجزاء أخرى حتى صعب على الباحث أن يرد الأشياء إلى أصولها، ولم تكن هذه العملية كعملية مزج الزيت بالماء، يعود كل عنصر ملتئماً مع نوعه مفارقاً لغيره، ولكنه كامتزاج السكر بالماء، أو نفحات الأزهار بالهواء. تمتزج فتبقى أبداً، وتتلاقى فلا تفترق أبداً. وكذلك كانت الثقافات، التقت في هذا العصر فكان أول تلاق، وصارت على توالي العصور أشد تلاقياً، وأكثر امتزاجاً”

“الجهل غشاء سميك يغشى العقول، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويداً رويداً” كما يقول المنفلوطي، والحق إن الأغشية كثيرة جداً لا تكاد تحصى! فما يجهله الإنسان أكثر مما يعلمه، لكن على العقل أن يتألم قليلاً من حرارة نار العلم، فما إن يزول هذا الغشاء حتى يرى النار نوراً والألم لذة وسروراً، فيهوى العقل حينئذ كشف أغشية الجهل وحرقها، لأن من رأى النور لا يمكن أن يرضى بالظلام!

جريدة الوطن السعودية – الثلاثاء 2 جمادى الآخرة 1430 ـ 26 مايو 2009 العدد 3161 ـ السنة التاسعة


نزار ومحمد

29 مارس 2009

تمر بنا أحياناً مواقف وشخصيات تبهرنا فلا ندري ما نعمل، لا نملك تفسيراً منطقياً لما نلحظه ونشاهده، أو على الأقل تفسيراً يلائم ما ألفناه وتعودنا عليه من مبادىء وسلوكيات، إن درجة الانبهار تصل عندي أحياناً إلى حد الحيرة إزاء ماكنت ألحظه وأشاهده وأسمعه عن نزار باهبري ومحمد أبو عيش، كمن يكون في صحراء الحياة القاحلة حيث جفاف المشاعر وشح العطاء وقيظ الكلمة القبيحة وفقر الأرض، حين ينشغل المرء بنفسه ونفسه فقط ليلتفت فجأة يمنة ويسرة فلا يرى ما اعتاد عليه من شر وقبح، بل يرى أزهاراً ووروداً وأشجاراً في ثنايا جنتين من أعناب حُفتا بنخل وتفجر خلالهما نهرٌ، أفلا ينبهر ويحتار ويمضي وقته متأملاً متعلماً!

شريط فيديو لمدة تزيد عن الثلاثين دقيقة فيه تقرير وثائقي باللغة الإنجليزية عن بلادي، الكعبة المشرفة والمدينة المنورة، مزارع القمح وآبار البترول، القلاع التاريخية وناطحات السحاب، الموانئ والمصانع، الجامعات والمستشفيات، وصور من الشمال والجنوب ومن شرق البلاد وغربها، يعده نزار باهبري ليشاهده ضيوفه الأطباء الكنديون في منزله بعد أن يكون قد أحسن وفادتهم بمائدة عشاء حجازية، وهم لاتنفك أسئلتهم عن بلدنا وديننا وحضارتنا.
تعجبت، استغربت، تحيرت!! قلت: نزار هذا حالم! ومن يعبأ بما يفعله! إذ كانت العادة في نهاية كل دورة تدريبية(شهراً أو شهرين) ونحن في البرامج التدريبية الكندية في المستشفيات أن يدعونا الاستشاري المشرف على التدريب إلى غداء لكل الفريق الطبي الذي يعمل معه، ولكن نزار هذا يقوم بدور الاستشاري وفي منزله الخاص!! إذ لاحظت عدداً من الأطباء الكنديين يتحدثون عن بلدي، بل ازدادوا ثقة واحتراماً كهؤلاء الأطباء السعوديين القادمين من الصحراء وآبار البترول حيث لاشئ-في ظنهم- إلا الإرهاب!! وندمت أني لم أعرف نزار عن كثب إلا لسنة أو اثنتين قبل رجوعي إلى أرض الوطن، وبعد هذه الحادثة لم أستغرب شيئاً مما رأيته أو سمعته عن صديقي نزارهذا، فمرة تجده مع حمال أو نجار يركبون ويعدون شقة أحد إخوانه أو أخواته المبتعثين، وأخرى تجده مع الشرطة الكندية يسهم في حل مشكلة أحد أبنائنا المبتعثين صغار السن، وثالثة يرد على اتصالات وطلبات واستفسارات لاتنتهي ممن حوله من المبتعثين، ورابعة تجده في حديقة منزله يعد قِدراً كبيراً من شوربة رمضان يأخذها لإفطار النادي السعودي في فانكوفر لما يزيد عن مائة من أعضاء النادي من السعوديين، ولا أتحدث هنا عن طبيب عادي بل هو متميز مبدع! أنهى الزمالة الأمريكية والكندية في الطب الباطني وهو الآن ينهي تدريبه في التخصص الدقيق في طب الحميات والأمراض المعدية، مولع بالتدريب والتعليم، يبغض التعالي والتكبر، بسيط إلى أبعد الحدود، خفيف الظل، حبيب محبوب، لتميزه وشغفه بما يعمله، عهد إليه مدير البرنامج التدريبي في الطب الباطني أن يتولى الإشراف على تدريب الأطباء وطلبة الطب في مستشفى رئيسي في إحدى ضواحي مدينة فانكوفرلكنه يبعد كثيراً عن وسط البلد، وماهي إلا شهران أو ثلاثة وجاء تقييم الأطباء المتدربين لهذا المستشفى كواحدا من أفضل المستشفيات!!

أما الرجل الآخر الذي يبهرني ويحيرني دائماً فهو رجل معجون بأخلاط عجيبة غريبة! خير وود وعطف وبذل وسخاء وجود كثير عميم اختلط مع أمل لا حد له وحب للعمل والعطاء لاينتهي ، اجتمع كل ذلك واعتمل في نفس كبيرة أصبحت مولداً لطاقة إبداع تنتشر في كل مكان، والغريب أن هذا المولد الإنساني الحي يطلق طاقات الإبداع والتميز لدى الآخرين أيضاً! إني أزعم أن النحل في عمله ودأبه على الإنتاج لو كان يتمثل في أحد لتمثل في محمد أبو عيش!
كنا نتجمع في إحدى الحدائق الكبيرة في مدينة فانكوفر-أثناء فترة تدربنا الطبي- ونلعب الكرة، الرياضة المحببة الأولى لغالبية المبتعثين، جاء محمد ورأى حالنا فرفق بنا وأراد لنا وضعاً أفضل لنستمتع أكثر، فوقف على مدى أسبوعين أو أكثر مع عمال منجرة ليصمم لنا أبواباً خشبية متنقلة، أضاف إليها لاحقاً قطعاً من الحديد لترتفع إلى العلو الذي نريد، واشترى شبك الأبواب ولواصق مؤقتة، تُعقد وتُحل، وأصبح محمد في كل أسبوع يملأ سيارته (الفان) بكل هذه الأخشاب والحدائد ويحضرها إلى أرض الملعب وينزلها بنفسه، حينها نسهم معه في الحمل وإعداد أبواب الملعب، لنمضي أوقاتاً جميلة ممتعة مع اللعب والأصدقاء، وما إن ننتهي ويعود كل منا إلى منزله، يعود محمد بأبواب الملعب في سيارته ليحفظها في مرآب منزله!! ولكسلنا كنا نغير موعد اللعب إذا وافق اليوم الذي نلعب فيه الكرة-يوم السبت غالباً- موعد مناوبة في المستشفى لصاحبنا محمد، ونتدلل عليه ليخرج المسكين – وبكل حب وكرامة- من مناوبته إلى منزله ومن ثم إلى الملعب!! استأجر لنا محمد في الشتاء ملاعب مغلقة – بأجر زهيد- وأذكر أن عدد من كان يحضر-في آخر سنة كانت لي هناك(2004) يصل إلى 30 شخصاً، والآن يحدثني محمد أن عدد من يحضر لأنشطة النادي السعودي الرياضية والثقافية يصل إلى أكثر من 100 مبتعث، وأن النادي في خطوة ذكية تم تسجيله رسمياً لدى بلدية فانكوفر كجمعية أهلية.
سألت مرة عن محمد في الهاتف، قال لي: إني أستقبل أحد الإخوة السعوديين في المطار، قلت له: هل هو طبيب؟ أجاب لا، قلت: هل أوصاك عليه أحد؟ قال لا، قلت: هل هو زميل قديم؟ قال لا، قلت: هل تعرفه؟ قال لا!! قلت: وما تفعل في مكانك إذن؟ قال: هذا شاب حصل على رقمي واتصل بي من السعودية وطلب مني أن أستقبله وهأنذا أفعل!! أذكر أن محمداً أول من جمعنا على مجموعة بريدية واحدة على الإنترنت، ثم تطور العمل الآن إلى موقع إلكتروني مميز، وبطاقات عضوية، وشعار خاص للجمعية (النادي)، وشمل ذلك برامج ثقافية مميزة تسهم في تسهيل كثير من الأمور الحياتية والأكاديمية للمبتعثين هناك، محمد استشاري طب الأطفال حصل على الزمالة الكندية والأمريكية ثم أكمل التخصص الدقيق في طب الطوارئ، والآن ينهي درجة الماجستير في تقنية المعلومات، محمد قام بعمل سلسلة محاضرات لطلبة اللغة وأنزلها على أحد المواقع الإلكترونية هذا بالإضافة إلى كتيب متكامل وعرض لكل مايحتاجه الطبيب المبتعث هناك.
إلا أن من أروع إنجازات هذه المجموعة المميزة المبدعة أن أطلقت مولد الإبداع الإنساني لدى كثيرين من شباب وشابات الوطن ليفوز الجناح السعودي في معرض اكسبو والذي تعقده جامعة بريتش كولومبيا في مدينة فانكوفر كأفضل جناح لثلاث سنوات متتالية! ولا أدري أين الإعلام المحلي عن مثل هذه الإنجازات؟؟!
أمور كثيرة تعلمتها من نزار ومحمد، تعلمت أن أعطي بكل ما أملك وبكل ماأستطيع، وألا حدود لما أعطيه وليس المال وحده هو العطاء، ومن استزاد فالله أكرم وأعز وأجلَ، فالعطاء حياة وترق في درجات كمال النفس ورفعتها وشموخها، (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، لا وجود لأمور كثيرة عند هذين الشابين، أمور كبلت الكثيرين، وأخرت أمما ومجتمعات، هم بالناس ومع الناس، لايخشون الناس ولايخافونهم، يخدمونهم كما لو كانوا أهلهم، ويصبرون على أذاهم مهما بلغ، لايعرفون التفرد ولا الأنانية، مسحوا تماماً قاموس التعصب والتحزب من حساباتهم، استوعبوا تنوع الثقافات والأعراق، لهم رؤية بعيدة وهدف واضح يجعلونه نصب أعينهم ويسعون إليه دائماً، تعلمت أن مولد الإبداع الإنساني لاحدود لطاقته وأن أثره يتعداه بقوة إلى غيره.
أهدي هذا المقال إلى أستاذي في الأخلاق والأدب، إلى من علمني حب العمل والتفاني فيه، إلى من علمني الجود والكرم والعطاء بلا حدود، إلى والدي العزيز.

جريدة الوطن السعودية – الأحد 2 ربيع الآخر 1430هـ الموافق 29 مارس 2009م العدد (3103) السنة التاسعة


مشاهدات طبيب

11 يناير 2009

“المحاضرات تبدأ الساعة الثامنة…!!”
شاب جامعي مصاب بمرض مناعي مزمن ولكن بفضل الله فإن وضعه الصحي مستقر تماماً لمدة سنة أو أكثر بقليل على علاجات خاصة ، يأتيني في العيادة كل شهرين أو ثلاثة للمتابعة، بدأت كالعادة -بعد التحية- بسؤاله عن صحته وأحواله ثم سألته عن دراسته، والتفت إليه ثم انشغلت بكتابة مذكرة المتابعة في ملفه منتظراً الإجابة، وأنا أكتب سمعت منه: ” المحاضرات تبدأ كل يوم يادكتور الساعة الثامنة..!” وسكتَ..وسكتُ أنتظر أن يتابع حديثه، وواصلت الكتابة..وسادت فترة صمت، استدركت وحاولت أن أفهم ما الذي يتوقعه مني مريضي الشاب هذا..، أظنه يتوقع مني تعاطفاً ومشاركة وجدانية تقديراً لمعاناته وجهاده وهو يحضر محاضرات الجامعة كل يوم الساعة الثامنة، أردت التأكد، سألته: “كل يوم! الساعة الثامنة!” أجابني: “نعم..!! تخيل يادكتور!!”…هنا يأتي السؤال الذي أطرحه دائماً: من الذي قتل حب العلم والتعلم في نفوس أبنائنا وطلابنا؟ وأزيد بسؤال آخر: أين قيمة العمل في حياتنا؟

“أنا أقرأ جزأين من القرآن يومياً…؟؟؟”

حول إلى عيادتي أحد استشاريي أمراض العيون حالة طارئة! شابٌ يعاني من بداية التهاب في القزحية بصورة قد تهدد قدرته على الإبصار، هذا الشاب هو إمام-غير راتب- لمسجد ومدرس في حلقتي تحفيظ للقرآن الكريم، لم يتسنَ له إكمال تعليمه الجامعي بعد المرحلة الثانوية… أخذت التاريخ المرضي وفحصته، وتبين لي تصور مبدئي عن التشخيص، وفي كل الأحوال يجب أن نبدأ علاج الكورتيزون حفاظاً على العينين ومنعاً لتدهور قدرته على الإبصار، شرحت لهذا الشاب هذا الأمر، وأفضت في ذكر ماهية هذا المرض، وأهمية وضرورة العلاج في هذه المرحلة، وتفصيل خطة العلاج والتحاليل والمتابعة…ولا أدري ما الذي حدث من جراء ذلك؟….. يبدو أنني أثقلت على الشاب!.. أو أنه فوجئ بهذا المرض ولم يتوقع خطورته إلى هذا الحد! أو أنه استكثره على نفسه؟! فقد فاجأني بسؤال صعقني صعقاً!! “يا دكتور..! كيف يأتيني هذا المرض وأنا أقرأ كل يوم جزأين من القرآن، وأدرِس في حلقتين؟!” فيما تلا من لقائي معه ناقشته حول هذا السؤال الذي سألته إياه: “من أفضل عند الله-سبحانه- أنت أم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الذي مرض وجرح وابتلي وتعب ونصب؟”.

“أنا استشاري من السنة الأولى..!”
وجدته أمامي في العيادة أول ما دخلت، بدماثة خلق وثقة عرف بنفسه، طبيب في السنة الأولى في برنامج تدريبي يريد أن يمضي شهراً في تخصص الروماتيزم كجزء من تدريبه، رحبت به، وفي عجالة سرد علي جدوله الأسبوعي وأن هذه هي الأوقات التي سيكون حاضراً فيها للمشاركة معنا، راودني خاطر:”من الذي يجب أن يملي على الآخر جدوله وأوقات حضوره وغيابه الاستشاري أم الطبيب حديث التخرج في السنة الأولى من التدريب”، غضضت الطرف وتابعنا يومنا هذا، أخبرته أنه سيقضي اليوم الأول في معيتي في العيادة، ثم إن رغب خصصت له في كل عيادة مرضى جدداً، يأتونني للمرة الأولى، فيقوم بأخذ التاريخ المرضي بمفرده وبفحص المرضى ثم يقدم الحالة لي أمام المريض لأقوم بتقييمه بشكل عام والتأكد من معلوماته ونتائج فحصه وتشخيصه ونقوم أيضاً بالحديث مع المريض معاً عن خطة العلاج (وهذا هو أنجع أسلوب في تعليم الأطباء على معاينة مرضى العيادات الخارجية الذين هم أكثر بكثير من المرضى الذين يتم تنويمهم في المستشفيات)، أجابني إجابة لم أفهم منها الشيء الكثير، فهمت أنه هنا لمعرفة أشياء محددة عنده، وأن طبيعة عمله في المستقبل لا تتطلب التعمق في أشياء لا يحتاجها…. جلس معي في العيادة… تناقشنا حول أحد أمراض الروماتيزم المنتشرة….. أجاب وشارك بمعلومة أو اثنتين…أعجبه ذلك.. ذكر في ثنايا كلامه أنه عمل مع هذا وذاك من الاستشاريين وأنهم جميعاً أجمعوا أنه ليس بينه وبين أن يكون استشاريا إلا سنوات التدرب الأربع هذه…وأنه يجب أن يعتبر نفسه استشاريا من السنة الأولى… وأن مكانه الطبيعي هو رئاسة أحد المراكز الطبية إذ هناك عدة مراكز بحاجة إلى رؤساء جيدين أمثاله!… انتهت العيادة وكانت الأولى والأخيرة التي حضرها هذا “الاستشاري” إذ اختلق أعذاراً لم أسمع بأغلبها من قبل عن عدم الحضور والمشاركة..وانتهى الشهر..وتابع هذا الطبيب تدريبه.. و يا لخوفي حين يصبح هذا الطبيب رئيساً لأحد المراكز!!

“لحظة يا دكتور حتى أنتهي من المكالمة..!”
كان لقاء عادياً كغيره مع أي مريض، سيدة في منتصف العمر، من مسؤولات إدارات التربية والتعليم، قمت بأخذ التاريخ المرضي وقمت بالفحص الطبي في وجود ممرضة، وبعد جمع بياناتي..توصلت إلى تصور مبدئي عن التشخيص وشرعت في الحديث مع المريضة..”الأستاذة” عن خطة العلاج..وما إن بدأت حتى رن هاتفها، وأشرت لها أن تجيب لعله طارئٌ ما..وتشاغلت بالكتابة في الملف..وتوقعت مكالمة سريعة-كما تعودت من كثير من المرضى- أن يذكروا أنهم في موعد طبي، أو كما يفعل البعض الآخر أدباً منهم واحتراما لأنفسهم ولمن يجلس أمامهم بألا يكلف نفسه عناء الرد أمام الطبيب الاستشاري بل يقفل جواله مباشرة ويردف ذلك باعتذار رقيق عن المقاطعة، ويطلب منك مشجعاً أن تواصل حديثك.. لم يحدث شيء من هذا!! بل واصلت “الأستاذة” حديثها في الهاتف: “نعم..نعم..ادخلوا من الباب، الأغراض موجودة هناك”، وأنهت المكالمة لتقوم بأخرى -وأنا أراقب-..وتطايرت كلمات كثيرة..”البوية..الأغراض..سعر المتر..اتفقنا على السعر..آخر كلام..” أشرت لها بيدي مستغرباً هذا الوضع..رمقتني بنظرة..وتابعت حديثها..وبعد برهة قالت لي سريعاً: “لحظة يا دكتور..!!” وتمادت “الأستاذة” في المكالمة وفي التفاصيل..وبعد أن انتهت..قلت لها: “الأستاذة الفاضلة أنت في عيادة محترمة فأرجو أن تحترمي وقتها ووقت الاستشاري الذي يجلس فيها”..ودار حوار أشبه ما يكون بحوار طرشان!! لم تقتنع الأستاذة بأنها أقدمت على أي شيء فيه إخلال بالأدب أو الاحترام، ذكرت لها أن صحتها مهمة فكان الأحرى بها أن تجعل هناك من ينوب عنها للإشراف على ما تريده من أعمال أثناء موعد العيادة، تعللت بأنه موضوع مهم، ثم شنت هجومها علي..لقد انتظرت كثيراً قبل أن تدخل العيادة..فلماذا لا أنتظرها أيضاً وهي تتابع حديثها”المهم”في الهاتف!! سألتها: وماذا كنت أعمل أنا وأنت تنتظرينني؟ ألم أكن أعمل وأهتم بغيرك من المرضى والمراجعين؟!! ألم تأخذي أنت أيضاً حقك من الاهتمام والرعاية؟!..توالت الكلمات واكتشفت أنني في جدل عقيم كلما زاد وقته ازدادت وقاحته، فأكملت حقها علي كمريضة..وحمدت وشكرت حين تركت العيادة..ودعوت صادقاً أن يُعان كل من كان حول هذه “الأستاذة”!

“أنا راجعت الاختبار وكانت بالفعل أسئلتهم صعبة…!!”

تميزت تعليقاته وردوده بالشدة والصرامة، قال لمجموعة من الطلاب أرادوا بعض التعديلات في الجداول: “أنتم جئتم هنا للعب.. لكن أنا راح أجتمع مع المسؤولين في المستشفى الفلاني وأقول لهم أن يشددوا عليكم في الحضور والغياب” وهذا يتماشى مع سياسته ووجهة نظره في الأمور الأكاديمية التي أعلنها أكثر من مرة في حشد من الطلاب: ” الطلبة ما يبغالهم إلا واحد شرس يكسر رأسهم لا من يدلعهم ويسمع لهم”..الحصول على موعد معه صعب جداً، فهو مشغول دائماً، وكثيراً ما يكون باب المكتب مقفولاً وهو بالداخل وأصوات الأحاديث تتعالى مختلطة بضحكات الاجتماع المنعقد..لا يقبل أي شيء بسهولة فهو يعرف الطلبة ويعرف أعذارهم “وأغلبهم بكاشين” ، وهو يدرك قيمته وقيمة الدور العظيم والمهم الذي يقوم به “أنا مستعد في أي لحظة أن أقفل مكتبي وأقول لهم ما في شغل أشوف ساعتها إيش يسووا”..صرح برأيه علناً في اختبار المعادلة والقبول في برامج الهيئة السعودية الذي ينظم سنوياً وذكر أمام حشد ” أنا راجعت الاختبار و كانت بالفعل أسئلتهم صعبة” …..يا ترى من هو صاحب هذه التصريحات الخطيرة؟؟ إنه سكرتير في إحدى كليات الطب!!!!!

جريدة الوطن السعودية – الأحد 14 محرم 1430هـ الموافق 11 يناير 2009م العدد (3026) السنة التاسعة