21 مارس 2012
We report a rare case of histopathologically confirmed lupus myositis that developed in a 32-year-old female with seropositive rheumatoid arthritis that had been treated with adalimumab for one year. She had demonstrated excellent response to her arthritis initially but then developed profound muscle weakness with a conversion of her antinuclear antibody and anti-double stranded DNA from negative to strongly positive. Her creatinine kinase levels remained normal. She responded well to high-dose steroid therapy and rituximab.
The anti-tumor necrosis factor (anti-TNF) agents are now widely used in the management of patients with rheumatoid arthritis (RA), spondyloarthritis, psoriasis, juvenile inflammatory arthritis, and Crohn’s disease.
Concerns should be raised regarding the safety profile of these agents, especially with increased usage and longer follow-up periods. One of the most common side effects of anti-TNF agents is the development of autoantibodies.[1] However, there are a growing number of reports of the development of autoimmune diseases after TNF-targeted therapies.[2] Here, we report a case of RA treated successfully with methotrexate and adalimumab who developed lupus myositis. Subsequently, she responded well to a high dosage of steroid therapy and rituximab.
Download Full Article: Lupus myositis Tur 2011
Published in Turk J Rheumatol 2011;26(4):328-332
مصنف في: بحوث علمية | | لا تعليقات »
21 مارس 2012
ABSTRACT This study investigated medical students’ study habits and perceptions of learning difficulties during their first year of study. A specially-designed questionnaire was answered by 165 second-year medical and medical science students at Umm Alqura University in Saudi Arabia. Out of the 7 difficulties listed in the questionnaire, students ranked peer competition first, followed by poor English language skills. Male students ranked peer competition as the top difficulty whereas females ranked it fourth. A majority of students were dissatisfied with the passive, lecture-based method of teaching and wanted the English language curriculum to be improved by more emphasis on conversation skills. Early introduction of the concept of active learning and effective studying habits is needed.
Download Full Article: Difficulties facing first year medical students
Published in Eastern Mediterranean Health Journal EMHJ • Vol. 16 No.12 • 2010
مصنف في: بحوث علمية | | لا تعليقات »
21 مارس 2012
ABSTRACT To determine knowledge and skills competencies in internal medicine for the undergraduate curriculum in Saudi Arabia, competencies were identified based on group work utilizing common textbooks. The Delphi Technique was used as a consensus method to determine and prioritize competencies in internal medicine. A group of 20 clinicians rated the identified competencies from 0–3 (0: no need to know, 1: interesting to know, 2: should know and 3: must know). After formulating the results, a second Delphi round was conducted with 5 experts in internal medicine. A total of 1513 knowledge competencies and 189 skills competencies were determined and prioritized. The competencies corresponded to the 12 systems in internal medicine. All competencies rated 2.2–3.0 were produced separately and considered core competencies for the undergraduate internal medicine curriculum. Determining and prioritizing competencies should influence the curriculum reform process.
Download Full Article: Aug 2011 competencies paper Almoallim EMRO
Published in Eastern Mediterranean Health Journal EMHJ • Vol. 17 No. 8 • 2011
مصنف في: بحوث علمية | | لا تعليقات »
15 مارس 2012
قال لي صاحبي: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يخرب شيئا صنعه بيديه؟ قلت مستغربا: وهل يلجأ عاقل إلى أن ينكث غزله بيديه؟ عاجلني صاحبي: ألا تعلم أن أبا حيان التوحيدي مثلا أحرق كتبه بيده؟ ويؤكد ابن سعد في طبقاته أن الحسن البصري أحرق كتبه بنفسه بعدما تنسك، أما سفيان الثوري فقد أوصى عمار بن سيف أن يمحو كتبه التي ألفها ويحرقها، وأبو سعيد السيرافي أوصى ابنه بأن يجعل مكتبته طعمة للنار، وكذلك أوصى أبو قلابة في كتبه، أما يونس بن إسحق فأحرقها بنفسه كما ورد في تقييد العلم، ويذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أن محمد بن عمر الجعابي أوصى بأن تحرق كتبه، فأحرقت جميعها، وأحرق معها كتبا للناس كانت عنده. بل إن حاكما مثل نيرون حكم روما عام ٦٨ للميلاد تقريبا قد أحرق مدينته لأجل خيال مريض وهوس سلطة متجبرة!
لم أقنع تماما بهذه الأمثلة؛ خصوصا وأن للأستاذ يوسف زيدان رأيا في قضية ودلالة حرق أبي حيان لكتبه، لكن مبدأ أن يخرب الإنسان أمرا غاليا وعزيزا عليه كان حاضرا في مخيلتي؛ هل هو فعلا نفس المثل الذي ينطبق على من يدك بلاده وشعبه ليل نهار؛ يدمر بلده ويقتل ناسه؛ بيديه! لعله! أظنني بدأت أستوعب مبدأ التخريب باليد؛ قال لي صاحبي: ما رأيك لو تمثل معنى من المعاني في صورة بشر؟ قلت: ما مرادك؟ قال: لو منحت الطب وممارسته حياة فما تراه فاعلا بنفسه يا ترى؟ قلت: لا أدري! قال: الطب يحرق نفسه هذه الأيام! قلت له: ويحك! كيف؟ قال: اختلط الأمر على بعض الأطباء بين الطب كمهنة هي الأشرف على مر التاريخ وبين التجارة والتكسب من الطب! قلت له: وهل يعقل أن يعمل الأطباء دون مقابل؟ قال صاحبي: لا يتكلم بهذا عاقل! قلت له: حيرتني معك، ماذا تقصد؟ قال صاحبي: بل أكثر من ذلك، فإني من دعاة أن يجزل العطاء للأطباء وأن يعاد النظر بشكل شامل وجذري في رواتبهم، وما مسألة توحيد الرواتب التي أثيرت مؤخرا إلا تعميقا للمشكلة وغرسا لمزيد من السهام في قلب الطب المسكين الذي لا يدري لأي سبب عليه أن يحرق نفسه! قلت: وما التجارة التي تتحدث عنها؟ قال لي صاحبي: هي تجارة مع شيء من تصلب شرايين المثل والمبادئ وخشونة في مفاصل الممارسة المهنية! قلت: تابع حديثك، لعلك تقلل من إبهامك وغموضك! قال: ما رأيك في جراحين في قطاع صحي رئيسي كبير يكتفون بالحالات الجراحية البسيطة؛ ويهربون و”لا يقبلون” الحالات المعقدة الخطيرة؟ ومن للمرضى المساكين الذين يتم تحويلهم من هنا وهناك إن لم يقدم هؤلاء على علاج أنفسهم من الجشع والكسل قبل معالجة مرضاهم؟ وما رأيك في أن عددا ليس بالقليل من الأطباء في القطاعات الصحية الرئيسة يعملون في القطاع الخاص، وبعضهم بمعرفة إداراتهم؟ قت له: يبدو أنك تحارب القطاع الخاص؟ قال لي صاحبي: القطاع الخاص ضرورة، لكن تفعيل ودعم الموجود من القطاع العام مهم وضروري! ثم إن وجود المتميزين الأكفاء من الأطباء في القطاع الخاص ضامن لعدم تسرب الجزارين والسباكين ومزوري الشهادات إلى سوق الطب في بلدنا! قلت له: هذا أمر جيد ولا شك! قال لي صاحبي: نعم هكذا تبدأ الأمور سليمة في شكلها الأول لكن يأتيك ما يدفع الطب إلى أن يحرق نفسه؛ طبيب في قطاع صحي عام يحرف ويحور في حديثه لمريضه ليراجعه في عيادته في القطاع الخاص، وليعمل له العملية بمبلغ وقدره في أحد المستشفيات الخاصة، والطبيب الآخر الذي يقوم بعمل جراحات تجميل أو جراحات تخفيف الوزن لكل من احتاجها ومن لم يحتاجها، ويزعم هؤلاء أنهم يشرحون الوضع لمرضاهم تماما، من أعراض جانبية ومضاعفات، وقد ينسون بعضها حسب الزحمة في العيادة أو بسبب انشغال البال بميزانية العيادة في الشهر الماضي التي تجاوزت كذا وكذا، أو بسبب الهم في أعمال الديكور الفنية الفندقية الإيطالية في العيادة الجديدة التي هي أفخم من بهو فندق فرنسي! وما رأيك في موضة رفع أسعار الكشفيات الأولية لبعض العيادات لتصل إلى ألف وألفين بل وثلاثة آلاف عند بعض ممن شوهوا وأساؤوا إلى مهنة الطب، أو ظاهرة الذمم الواسعة من جهة أو البريئة الساذجة من جهة أخرى التي تطلب من التحاليل والفحوصات والأشعة ما يحتاجه وتكثر مما لا يحتاجه المريض. قلت له: ذكر لي أحد الزملاء الأطباء أن مريضة خرجت من زيارة واحدة لطبيب بسبب مشكلة صحية سهلة وشائعة بتحاليل قيمتها ثلاثة عشر ألف ريال! قال لي صاحبي: بل إن أصحاب هذا التغول يعقدون مقارنات سخيفة بزملائهم الذين تخرجوا معهم وفتح الله عليهم في تجارة رابحة أو في إدارة مكتب عقارات يدر على صاحبه ذهبا بعدة مكالمات تلفونية، أو ممن يعمل في إدارات البنوك من ذوي الرواتب الفلكية، وأكثر من ذلك ـ مما يثير الشفقة فعلا ـ أن يقارن هؤلاء الأطباء أنفسهم بمحلات الحلاقة النسائية وأسعار الأعمال المختلفة التي تقوم بها الماشطات، حتى أحسست يوما أن أحد هؤلاء الأطباء يعمل فعلا في أحد هذه المحلات!
لقد غفل عن هؤلاء أنهم أطباء، ولم يكن الطب في يوم من الأيام مصدرا للغنى الفاحش أو سبيلا إلى التكسب السريع من أقصر الطرق. إن هذا النمط من التفكير طغى على طائفة من أطبائنا للأسف فعملوا بكل جد على أن تتحول عياداتهم ومستشفياتهم إلى مكاتب عقار و”صوالين” حلاقة، ومما يزيد الأمر مرارة أن بعض هؤلاء يعيد إنتاج التخلف حين يمرر سلوكياته الشرهة في مجتمعه وممن حوله فلا يعود الناس يحترمون طبيبا أو حتى يثقوا بكلمته ورأيه وتشخيصه، ومن جهة أخرى تجد بعض صغار الأطباء الذين يريدون أن يسلكوا طريق التخصص يبحثون تأثرا بكبرائهم عن تخصص يدر عليهم المال، ولا يبحثون عما يهوونه ويرغبون أن يقدموا فيه الجديد. قلت متأثرا: لقد أحزنتني! أين شرف المهنة؟ أين أخلاقياتها؟ أين البعد الإنساني للمهنة؟ أم أن هذه مثاليات لا تسمن من جوع؟ هل هذه مبالغة؟
قال لي صاحبي: علينا ألا نقسو على الأطباء كثيرا، فهم مهما كان أبناء مجتمعهم ويحملون ثقافته التي تعلي شأن الاستهلاك بأبشع صوره، لقد فهم البعض أنه لا يعتد بحياة له إلا إذا ركب كذا ولبس كذا وكذا وسافر إلى هنا وهناك، سكت صاحبي قليلا ثم أردف: هل تريد أن تعرف سببا آخر يحرق الطب نفسه لأجله؛ الفساد والتسيب الإداري، أخبار المتلاعبين بالثغرات الإدارية وأخبار المتنفذين من مناصبهم وأخبار صفقات الأدوية الوهمية و…. قلت له: لقد أتعبتني! قال لي: إياك أن تحرق نفسك!و!
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
22 يناير 2012
كثيراً ما أستأنس بالجلوس على شاطئ البحر في جدة أرقب شروق شمس يوم جديد، أجلس أمام البحر في حوار حميمي تتسارع فيه كلمات أفكاري وهمومي وتطلعاتي، أغوص في أعماق نفسي، أبحث عن معانٍ، عن مشاعر، عن أفكار، وأنا كذلك في خضم التأمل بين يدي السكون، أستمع وأستلذ بتغريد عصافير الصباح التي قامت بعزف أنشودة بكورها، وكأنها تقول.. لا معنى للحياة بدون لحن جميل وصوت عذب، إن العمل بدون رقة وتناغم لا يأتي منتجاً ولا فاعلية له، وما يأتي حاثاً وداعماً للحن عصافيري الجميلة، حفيف أشجار من حولنا، يعلو وينخفض، بحسب دعابات نسيم الهواء الذي يأبى إلا أن يكون مشاركاً في هذا الحوار الصباحي، ومن خلف الجميع تداعبني أشعة الشمس كمداعبة طفل من خلف السحب يريني عينيه مرة ثم يخفيهما، فيريني وجهه في أخرى ثم يخفيه سريعاً مع ابتسامة خفيفة أستطيع أن ألحظها، ثم يقتنع بالقدوم إلي ومجالستي، لكن لخجله يعاود الاختباء مرة أخرى خلف السحب التي تمتلئ بها أجواء جدة هذه الأيام، أمضي ويمضي الوقت بي في خلوتي هذه، وكثيراً ما أحتضن صديقي كتابي أكمل راوية أو أُنهي فصلاً أو أدون فكرة، أو أداعب مجلة، لا يعكر صفو هذا التبتل إلا مشاهد من مخلفات ورقية ومهملات تركها أصحابها في الليلة السابقة. أتألم، أقول هل من الفطرة السليمة أن يعبث الإنسان بكل هذا الجمال؟ ألا يتقزز المرء حين يكون سبباً في العبث برونق المكان؟ أيتناسب هذا مع صفحات البحر الهادئة؟ أم مع نسمات العليل المدِللة؟ أم مع عطر العصافير الذي تبثه لحناً جميلاً في الأرجاء؟ إنه النشاز في موسيقى الكائنات هذه. إن إحساسنا بالجمال والتلذذ به أمر ضعيف ضامر بسبب –للأسف- ضمور مبادئ الفكر الجمالي العربي/ الإسلامي الذي أفدت بالإطلاع على أهم مبادئه ومعالمه في كتاب وجدته منزوياً في أحد معارض الكتب عنوانه (البنية الجمالية في الفكر العربي- الإسلامي) للدكتور سعد الدين كليب، إذ أن هذا الفكر ما يزال يعاني من الإهمال، وما زلنا نعاني من الجهل به، ومن روعة ما قرأت فيه أنه لا يمكن للذات أن تلتذ بجمال ما حولها إلا إذا كانت تتسم بالجمال، مما يعني أن الجمال الموضوعي يؤكد الجمال الذاتي ويعمقه، إن الحيز الجمالي أمام الإنسان واسع وَسَاعَة الوجود، فالإنسان هو الوحيد الذي يلتذ بكل ما هو جميل وجليل في هذا الوجود سواء كان بالطبيعة المتنوعة، أم بالمعقولات والمعنويات، وهذا الغنى في الحيز الجمالي يؤهل الإنسان لأن يتعمق في الموجودات من جهة، وفي ذاته من جهة أخرى. وهو ما يفرض عليه مسؤولية ولا يمكن لغيره أن ينهض بها، وهي الحفاظ على الجمال في هذا العالم، وهذه المسؤولية هي إحدى مسؤوليات الإنسان الكامل.
وبالنسبة للذة الجمالية المتعلقة بالفن، فيروى عن ابن الخطيب أن أبا علي الروذبادي سئل عن حقيقة السماع فقال:( المنطق الذي ظهر الحقُ به، ونطق به في الأزل، صار كامناً في نفوس الخلق حين خاطبهم الحق بقوله:”ألست بربكم؟ قالوا بلى شهدنا” (الأعراف 172) فبقيت حلاوة الخطاب في الأسرار، فما كان في القلوب من رقة ووجد وحقيقة فهو من تلك الحلاوة التي خاطب بها في النشء الأول) وهذا ما يفسر ميل النفس الإنسانية الوجودي-الطبيعي إلى الألحان والأنغام كما يذكر الدكتور سعد الدين الذي ضرب صفحاً عن الكتب والأبحاث التي تناولت “السماع” أو الموسيقى والغناء، في الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وأقطابه، ذلك أن هذا الفقه قد عالج السماع من منظور التحليل والتحريم، ولم يعالجه من منظور الالتذاذ الفني-الجمالي. وهو ما يجعله خارج هذا الإطار، على الرغم من كثرة تناوله ومعالجته للسماع. ومن هنا نفهم دفاع الفلاسفة عن الموسيقى التي رأوا أن اقترانها بالملاهي لا ينبغي أن يؤدي إلى رفضها أو تحريمها. فالموسيقى لا علاقة لها بذلك، على الرغم من استخدامها في الملاهي.
يقول الفارابي في ذلك:(ولما كان الناس قد حسبوا أن الراحة واللعب هما السعادة، راحوا يستنكرون الأشياء المُتعبِة، مما أدى بهم إلى طلب اللعب في الأقاويل الشعرية وبالتالي في الألحان..لكي تصبح هذه الأخيرة مرذولة عند أهل الخير، لأن أهل الخير نظروا إليها كما هي كائنة الآن)، بل إن هناك أسباباً كما يذكر الأستاذ الدكتورمحمد عمارة في عدد من كتبه وفي بحث قديم نشره في مجلة العربي عام 2000 أحدثت لغطاً، فجعلت الغناء عند البعض حراما بإطلاق، وأخرجته من الحلال المباح في ذاته، والذي تعرض له الحرمة أو الكراهة أو الندب أو الوجوب بسبب ما يعرض له من المقاصد والملابسات. إذ كثيراً ما يتم التركيز في هذه الفتاوى على المبالغات الفجة في فنون الإثارة الرخيصة والتي تبث صباح مساء باسم الفن، وعلى ارتباط الموسيقى بالمجون والفجور، وهذا يرفضه الذوق السليم فضلاً عن الشرع القويم! وهذا ما جعل أحد كبار الفقهاء كابن حزم يقرر أنه ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا في معقولهما من القياس والاستدلال، ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات.
وبهذا المعنى نستطيع أن نضع الموسيقى في وضعها الطبيعي كمنشط دنيوي، وإبداع فني إنساني لا يختلف عن تغريد العصافير في شيء! فما هي إلا أصوات طبيعية تم نظمها في صورة معينة لتعطي لحناً مميزاً لذيذاً، فهل تغريد العصافير محرم؟ وبهذا المعنى نفهم كيف تم إدخال الموسيقى في أساليب علاجية كثيرة تضيق بها مساحة هذا المقال، قال الفارابي في كتابه الموسيقى، مبدياً معايير الجمال فيها
الموسيقى تقوي المزاج، وتهذب الأخلاق، وتثبت العاطفة، وتنمي الروح، إنها مفيدة للصحة الجسمية).
وأدعو القارئ الكريم أن يستمتع بقراءة مقال (الموسيقى واللغة: جماليات العلاقة) لعبدالباقي يوسف في المجلة العربية، عدد رقم 418 أكتوبر 2011، ومما جاء فيه قول أحد الكتاب (الموسيقى حكمة عجزت النفس عن إظهارها في الألفاظ المركبة، فأظهرتها في الأصوات البسيطة، فلما أدركتها عشقتها، فاسمعوا من النفس حديثها. الصوت الحسن والنغم الصحيح يجري في الجسم ويسري في العروق، فيصفو له الدم، وتنقاد له النفس، ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف الحركات). وعلينا ألا نستغرب إذا كانت الموسيقى بالنسبة لصاحب “أعظم رحلة في تاريخ البشرية” الرحالة المغربي ابن بطوطة بمنزلة النفَس الذي يدب في جسده فهو متى رأى آلة الطرب، أياً كان نوعها، اقتفى أثرها لأنه يرى أنها طريق مؤدية إلى السعادة والهناء والوفاق حتماً. أختم بأن “السعادة القصوى التي يسعى إليها الفكر العربي-الإسلامي هي في حقيقتها سعادة جمالية!”.
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
18 ديسمبر 2011
• قال لي صاحبي هل تعلم أن التعاقد في إحدى المراكز الطبية الحكومية الكبيرة مع ثمانية استشاريين سعوديين غير متفرغين من ذوي أصحاب التأهيل العالي يكلف تقريباً قيمة التعاقد مع استشاري (خواجة) من ذوي العيون الزرقاء والشعر الذهبي؟ قلت له: لعلك تبالغ! قال: لا أبالغ، بل ويقولون إنه غير متفرغ أو عمل جزئي ولكن عبء العمل لا يكاد يختلف – إن لم يكن أكثر- من أي استشاري متفرغ بما فيهم (الخواجة)! قلت له: جميل جداً! يعني واحد (خواجة) بثمانية سعوديين!
• و هل تعلم أن عدداً كبيراً من الاستشاريين (الخواجات) الذين يتم التعاقد معهم بأرقام فلكية يُكتشف فيما بعد وللأسف أن “العينة كانت مضروبة”! وأن صاحبنا (الخواجة) ما جاء إلى بلدنا إلا ليتعلم طرقاً جديدة على مرضانا، وحين تكثر مشاكل ومضاعفات (وقتلى) هذا (الخواجة) وبالذات الجراحين منهم، من مرضانا المساكين، يتم فسخ عقدهم وتتكلف المستشفى بدفع رقم خيالي، قلت له: هل تنصح إذاً أن يركب الطبيب السعودي منا عدسات ملونة ويصبغ شعره باللون الأصفر ليحصل على رقم ليس فلكياً وإنما سقفي أي يصل لسقف الغرفة على الأقل؟ قال: وما ستفعل بلون جلدك القمحي يا ذكي؟ قلت له: بسيطة، أقول لهم إني كنت أتشمس!! قال لي: يا فالح حتى في السكن هناك تصنيف فلكي، قمري، سطوحي أو سقفي، فالسكن الفلكي للخواجة والأسطح للسعوديين الاستشاريين حتى لو كان متخرجاً من هارفارد!
• قال لي صاحبي: أما إذا كنت من الأطباء السعوديين (المتنفذين) فإن هناك من سيتعاقد معك على أنك (خواجة) وستحصل على أرقام قمرية وليست فلكية كراتب شهري!! وتعريف الأرقام القمرية هي مازاد قليلاً عن خمسة أرقام ووصل إلى ستة أرقام. قلت له: ما معنى (متنفذين)؟ قال لي: يا أخي يعني مَرضي عنهم من قبل الإدارة! قلت له بسذاجة مصطنعة: يعني لا يوجد عدل في توحيد الرواتب؟ قال لي: لقد سألت عن عظيم؟ هذا موضوع شائك! لكن طبعاً في حالة صاحبنا هذا(المتنفذ) فإنه الغبن بعينه! لكن خلاف ذلك فيه نظر! قلت له: كيف؟ قال: أسألك سؤالاً، ما رأيك بطبيب استشاري يعمل في مدينة صغيرة، في مستشفى صغيرمحدود الإمكانيات، قليل الحالات، لا يأتي عليه العصر إلا وهو يتمتع بقيلولة ما بعد الغذاء الدسم في منزله، هل يتساوى مع استشاري يعمل في مدينة كبيرة، في مستشفى كبير في عدد أسرته وإمكانياته، هو مرجع للحالات الصعبة والمعقدة، لا تكاد تجد سريراً فارغاً فيه، فهل من العدل أن يتساوى الاثنان في رواتبهما؟ قلت له: وهل أنت مع تساوي رواتب الأطباء في جميع القطاعات؟ قال لي صاحبي: اسمع، موضوع رواتب الأطباء يحتاج غربلة شاملة! ما رأيك بطبيب هو عضو هيئة تدريس في كلية طب، لا يدرس إلا أسبوعين أو ثلاثة في السنة كلها، وله مطلق العنان في العمل الخاص، وآخر يدرس بحكم تخصصه طوال السنة الأكاديمية تقريباً، فهل من العدل أن يتساوى الاثنان في رواتبهما؟ قلت له: حيرتني! ماذا تريد؟ قال لي بحسرة: ألم أقل لك إن موضوع رواتب الأطباء في مختلف القطاعات شائك!
• قلت لصاحبي: لعله من الأفضل لي إذاً أن استلم منصباً إدارياً وأورثه لأبنائي!! قال لي بحرقة: أما عن الأطباء والإدارة، فحدث ولا حرج! أغرب ما أراه أن مناصب رئيس قسم مثلاً أو مدير مستشفى أو تعليم وتدريب أصبحت خالدة تالدة لا ينزعها من “أصحابها” إلا ابن أبيه!! فترى السنوات تمضي ولا زال فلان هو الرئيس، قال: ما رأيك برئيس ما يضع ورقة حضور للاستشاريين عند اللقاء الصباحي، وخطاً أحمر، ومن تأخر وبخه كما يوبخ الأستاذ تلميذه، وهدده بالحسم من راتبه، وعاود الاتصال به آخر النهار ليتأكد من أنه مازال على رأس العمل؟ قلت له: هل تتحدث عن مدرسة ابتدائية مقطوعة في منطقة نائية؟ قال: يا رجل هل تعامل من ائتمنهم الناس على أرواحهم وبذلوا زهرة أعمارهم في العمل والدرس والتحصيل ليصبحوا استشاريين بهذه الطريقة؟
• قلت له: ما رأيك بمدير في إحدى مستشفيات الصحة؟ أظنه منصب رائع! قال لي: أبشر إذاً بسيل الشكاوى التي لا تنتهي! حكى لي مدير متفان في عمله عن أحد المراجعين الذين أقام الدنيا ولم يقعدها، وملأ بصراخه وزعيقه ووعده ووعيده الأرجاء، وأكال على المستشفى ومديرها تهم الخيانة والتقصير وغياب الأمانة، وكبر الموضوع قليلاً بغياب الوطنية، والسبب أن الطبيب الإستشاري وصف له دواء مرخياً للعضلات بريالين ونصف! فكيف؟ ولماذا؟ وأين تذهب أموال وزارة الصحة؟ أخبرني المدير أن هذا المريض تم تشخيصه بمرض روماتيزمي، بتكلفة تحاليل عملت جميعها في هذا المستشفى، وبتكلفة علاج تتجاوز الستة آلاف ريال شهرياً على أكثر من سنتين! ولكنه غضب الآن لأنه صرف له علاج بريالين ونصف!!
• قلت له: الحل إذاً مع سياسة توحيد الرواتب أن أقبض راتبي نهاية كل شهر وأنا أعمل في مكان بعيد لا تعب ولا نصب فيه! قال صاحبي محذراً: ستكون عرضة إذاً لمن طال عليهم الأمد فتحجرت عقولهم ونسوا الطب وضاعت مبادءه ومثله! قلت: كيف؟ قال: حكى لي أحد الزملاء الإستشاريين في أحد المراكز الطبية الكبيرة في شرق المملكة، أن طبيباً إسشارياً لا رقيب عليه مضى في علاج إحدى المريضات المصابات بإلتهاب المفاصل الروماتيزمي إلى أن أصيبت بالشلل الرباعي الكامل لجميع الأطراف؟ قلت مستنكراً يا رجل كيف هذا؟ قال: إستخدم أولاً المسكنات إلى أن بلغ عددها بتنوع أنواعها إلى 40!! ثم إستلمها لسنوات بعلاج الكورتيزون (هذا العلاج مفيد عند بداية التشخيص فقط لكن ليس بصورة مستمرة) سنة وراء سنة ومفاصلها تتحور وتزداد تشوهاً، ومضاعفات الكورتيزون تظهر عليها من ضغط، وسكر، وسمنة، وهشاشة، والمسكينة لا تسمع منه إلا تعليلاً بأن هذا هو المرض وتطوره الطبيعي وعليها أن ترضى بما قسم الله لها!! ثم بدأت تشتكي من تنميل في أطرافها الأربعة وخدر وضعف، فقال لها لعلك تتوهمين، وما درى هذا الطبيب المجرم أن إلتهاب المفاصل الروماتيزمي يصيب أيضاً مفاصل الرقبة وتحديداً ما بين الفقرة الأولى والثانية، وهذا ما حدث مع هذه المسكينة إذ تطور المرض مع الأيام والشهور والسنين بسبب سوء العلاج، وعدم التحويل المبكر، وغياب الرقيب، فأدى إلى قطع في الحبل الشوكي وشلل رباعي مزمن!!
• قلت له: حسناً، ما هي الزبدة؟ قال لي صاحبي: الخير كل الخير في أطباء بلدنا الذين استثمرنا فيهم، فكيف نهدم ما بنيناه بحجج عديدة لا معنى لها؟ والطب أشرف مهنة، فيجب مراعاة أهله بعدل وإنصاف.
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
28 سبتمبر 2011
يستخدم مؤشر أمية القراءة والكتابة في مجتمع ما، لقياس مدى كفاءة النظام التعليمي في هذا المجتمع، ولقد سجل العالم العربي أرقاماً مفزعة في هذا المجال، فكما نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2006 أنه على الرغم من ارتفاع معدل القراءة والكتابة بين البالغين (15 عاماً فأكثر) من 30% عام 1970 إلى 64% عام 2003 إلا أن معدلات الأمية في الوطن العربي لا تزال أعلى بقليل من المتوسط الدولي في البلدان النامية الأخرى، وليس أقل منها إلا أفريقيا جنوب الصحراء ! ومن الأرقام المفزعة أن عدد الأميين المطلق (الذين لا يجيدون القراءة والكتابة) في العالم العربي في ازدياد! وأرقام كثيرة يمكن أن تذكر في هذا المجال: معدل القيد في التعليم العام، معدل انتشار التعليم العالي،…ولا شك أن هذه الأرقام لها دلالاتها ولكن إلى أي مدى؟ وما مدى صدقية هذه الدلالات؟
والحق أن هذه الأرقام لا تعبر عن المشكلة ولا تذكر كل الكلمات! فهل أربع سنوات من المرحلة الابتدائية (السنوات التي تحدد لمحو الأمية) كافية فعلاً لمحو الأمية؟ والأخطر هو وجود مؤشرات أخرى لا يتطرق لها أحد! فهل تقاس أمية الحساب؟ وما بالكم بالأمية الثقافية؟ وما بالكم بالجهل الوظيفي ؟ وأمية اللغة الإنجليزية وأمية الحاسوب وقواعد البيانات، وأمية الإنترنت وأمية الاتصالات الحديثة؟ والأخطر والأهم أمية الوعي الحضاري؟ يقدر بعض الخبراء أن الأمية بمفهومها الثقافي الوظيفي قد تصل إلى 80% أو أكثر من مجوع السكان في العالم العربي!
يقول الدكتور أحمد الترتوري في ذروة كتابه الرائع (نظرية المعرفة والواقع التربوي العربي المعاصر) صفحة 482: (..وسيبقى التعليم عاجزاً عن المساهمة في التنمية، حتى لو تحسنت أداءات التعليم في البلدان العربية ضمن المؤشرات الكمية، فعلى الرغم من تحسن بعض المؤشرات الكمية للتعليم في معظم البلدان العربية، بل والنوعية أيضاً في بعض الأحيان، إلا أن حالة التخلف ما تزال تسجل حضورها في المجتمعات العربية. حتى ولو افترضنا مزيداً من التحسن الكمي والنوعي في التعليم العربي، فإن التوقعات تشير إلى عدم قدرة هذا التعليم على إزاحة حالة التخلف الجاثمة على العقل والواقع العربيين. والسبب في ذلك يعود إلى تخلف الوعي العربي نفسه ، ذلك الوعي الذي تشكله الابستمولوجيا (المعرفة) وتوجه مساره. بعبارة أخرى، فإن التعليم ليس هو المشكلة في حد ذاته، بل إن المشكلة تكمن في تخلف الوعي العربي نفسه، ومرد هذا التخلف عائد إلى نظرية المعرفة التي تشكل هذا الوعي، لأن إعادة امتلاك الواقع معرفياً هو السبيل لإعادة امتلاكه عملياً)، وفي فصول أخرى من الكتاب أسهب الكاتب معتمداً على تقسيمات الجابري للمحتوى المعرفي في الفكر الإسلامي الذي يتكون من : البيان والعرفان والبرهان، أسهب في عرض الملامح الرئيسية لنظرية المعرفة في الفكر الإسلامي، وخلص إلى أن سبب التخلف الرئيس هو النكوص إلى البيان والعرفان، وشرط النصر والتقدم هو العودة إلى البرهان.
وهناك مفهوم خطير تجب الإحاطة به، فليس التعليم فقط لكي يهيئ خريجيه للوظيفة وحسب مغفلاً الجانب المهاري والمهني بشخصياتهم، إذ ستصبح وظائف التعليم – كما يقول الدكتور خلدون النقيب:( مجرد إبعاد للطلاب عن الشوارع، ومبرراً لتأخير سن الزواج، ومجرد إعطاء شهادة بأن شخصاً ما قد انتظم في المدرسة وتخرج فيها، وبالتالي فهو مؤهل لشغل وظيفة ما…وسيصبح التعليم مجرد تهيئة للأجيال القادمة ليس على الاختلاس والتدليس بصورة ذكية وحسب، وإنما اكتساب القدرة على تبرير الاختلاس والتدليس، وإخراج أجيال من الشباب تساق كوقود لمعارك التعصب الديني والإثني، في مجتمعات لا يستطيع مواطنوها بسبب النقص في تعليمهم استشراف مستقبل أفضل، فهم لا يقدرون أن يفلتوا من أغلال الواقع المادي المحيط بهم، ومن براثن الجهل بالأمور وما يولده هذا الجهل من تعصب وخنوع، فليس كل الجهل عدم الإلمام بمبادئ القراءة والكتابة!).
وإذا كان الأمر هكذا إذن فإن ظاهرة الافتخار بحمل الشهادات واقتنائها – التي ابتلينا بها في مجتمعاتنا- دون مراعاة الكفاءة والموهبة والإنتاج تكون مفهومة تماماً، فنتائج التوسع في التعليم العالي بدون سياسة تعليمية تربوية منهجية واضحة تؤدي إلى تعليم الموهوب وغير الموهوب، وتعليم غير الموهوبين هؤلاء لن يتحول إلى تشويه وتعجيز لهم فقط – كما يقول الدكتور الترتوري- ( بل إلى مُشوِهين ومُعَجِزين لغيرهم، أي إلى أن يفعلوا بغيرهم ما فعله غيرهم بهم من تشويه وتعجيز. بعبارة أخرى، فإنهم سيتحولون إلى أجهزة تشويه وتعجيز في مجتمعهم، وذلك بمجرد امتلاكهم صكاً من المجتمع ومن المؤسسات التعليمية العليا يشهد بأنهم أصبحوا علماء، وهذا الصك هو الشهادة العلمية التي أصبحوا يمتلكونها!) ترى كم عدد هؤلاء في كلياتنا وجامعاتنا؟ هل يعترف أحد بهذا الواقع المر؟ هل يلتفت أحد إلى حال أعضاء هيئات التدريس؟ أم هو الهم السطحي الدائم لجل أعضاء التدريس: أشتكى فلان أم لا؟ هل دُفعت البدلات أم لم تُدفع؟ هل حدثت الترقية أم لم تحدث؟ أريد المنصب قبل أن يناله فلان؟ ولا تسل عن رسالة أو رؤية أوخطة تطوير، فهذه غير واردة في الأجندة بسبب أمية الوعي الحضاري!
إن منح الشهادة العلمية العليا لفاقد الموهبة والكفاءة يجعل حامل هذه الشهادة في بيته أو مكتبه أو جيبه- كما يقول أحد المفكرين:(مغروراً مشوهاً عاطلاً كاذباً منافقاً انتهازياً جاهلاً بكل شيء، إلا من ممارسته للجهالات، مناقضاً لكل ما تعنيه الشهادة التي يحملها، لتكون هذه الشهادة أقبح وأفدح شهادة زور وتزوير).
إن الوعي الحضاري الحق يستلزم عملاً دؤوباً يبدأ بتصحيح وتعديل آليات التفكير والنظر، بالاعتماد على العقل والبرهان، بغربلة ونفض غبار الأفكار القديمة والبالية التي أسرتنا وجففت منابع الإبداع والإنتاج، (إن التعلٌم الحقيقي هو التعلم الذي يغير سلوك الفرد وأنماط تفكيره في الاتجاهات الإيجابية، التعلم الحقيقي يفرض على صاحبه منظومة من القيم الحضارية تجعل منه شخصاً متنوراً في تفكيره وسلوكه)، إن تخلف حاملي الشهادات العليا-حتى وإن أخذت من أعتى جامعات العالم- (هو أدهى وأمر من تخلف الأمي في القراءة والكتابة، لأن تخلف المتعلم لا يقتصر على تلويث ذاته وحسب وإنما يمتد ليلوث الآخرين عبر إعادة إنتاج التخلف، بحجة أنه أصبح خبيراً أو عالماً أو مفكراً) (الترتوري – بتصرف) هل أدركتم الآن عظم المأزق الذي نحن فيه؟
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | التعليقات: 2 »
7 يوليو 2011
خبر مهم وجميل، تسعد به جامعة أم القرى، إذ سيكون لها منصة علمية في إحدى أكبر دور النشر العالمية، فقد انتهى سعادة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الزوكي – الليبي الجنسية أستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة أم القرى – من مراحل التحريرالنهائية المختلفة لمشروع علمي كبير ضخم هو كتاب طب الأطفال السريري-الطبعة الثانية، عن دار سبرنجرالعالمية الناشرة لأكثر الكتب والمجلات الطبية والعلمية العالمية.
قد يكون هذا خبراً عادياً، ولكن حقيقة حين ينظر المنصف إلى حجم هذا العمل ومقدار الجهد الذي وضع فيه من قبل الأستاذ الزوكي، فإنه لا يملك إلا الإعجاب والامتنان الحقيقي لصاحب هذا العمل. ذكر لي الأستاذ الزوكي أن فكرة هذا العمل بدأت منذ خمسة عشر عاماً، حين فكر يوماً بعد أن عاد إلى بنغازي مدينته، بعد أن أنهى دراسته وتخصصه الدقيق في طب الأطفال من الولايات المتحدة الأمريكية، وقال لم لا أكتب كتاباً في طب الأطفال فيه إجابة لكل طبيب؟ وبدأ الحلم يتحقق وتابع العمل لأيام وليال حتى صدرت الطبعة الأولى للكتاب، ومن عام 2008 بدأ العمل على الطبعة الثانية، بمعدل خمس ساعات يومياً لثلاث سنوات متتالية، ولمن أراد الحساب أي أكثر من خمس آلاف ساعة عمل! يبلغ عدد صفحات الكتاب أكثر من 2700 صفحة، وعدد الفصول 400 فصل، شارك في تأليفه أكثر من 300 عالم وخبير من العلماء القياديين في طب الأطفال على مستوى العالم، معظمهم من الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الجميل والرائع والمثلج للصدر أن 33 من هؤلاء من المملكة، وهي ثاني أكبر بلد من حيث عدد المؤلفين المشاركين في كتابة هذا الكتاب، حكى لي الأستاذ الزوكي أن أحد المؤلفين تأخر عليه في تقديم ما عليه إنجازه من كتابه، فقرر نظاماً أن يتجاوزه لتأخره، فإذا بهذا المؤلف يعتذر، ورئيس قسمه يعتذر، وعميد كليته يعتذر، لأن الجميع يريد ذكراً لجامعتهم في هذا الكتاب! وهذا المرجع يتوقع أن ينافس على المرتبة الأولى كأهم مرجع عالمي لجميع المشتغلين بطب الأطفال على مستوى العالم، وللتاريخ فإن هذه المرة الأولى تقريباً التي يكون رئيس التحرير لمرجع طبي رئيس على مستوى العالم من العلماء العرب ومن خارج الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
هذا العمل فخر لجميع أطباء وأساتذة ومنسوبي كلية الطب بجامعة أم القرى، ولنضع الأمور في نصابها الصحيح ونحن نتفيأ ظلال هذا الإنجاز العلمي الكبير للأستاذ الزوكي، ولنقل بكل شجاعة ووضوح إن هذا نتاج عمل فردي صرف، والسؤال هو: هل وفرت الجامعة هيئة تحرير تساعد هذا العالم؟ هل سخرت الجامعة سكرتيراً خاصاً له ليدعمه في مراسلاته الكثيرة والتي بلغت كما ذكر لي سعادته أكثر من أربعة آلاف إيميل؟ أم أننا لا نحسن إلا قطف الثمار بعد أن تنضج، ولا نعرف شيئاً عن الزراعة؟
إن البحث والتأليف والإبداع هو ثقافة مؤسسية، تضع ضوابطها وترعاها إدارة الجامعة، وأول ما على صناع القرار أن يتخذوه هو تنمية وزرع الثقافة العلمية البحثية بكثير من القرارات، ابتداء من الطلاب وانتهاء بالأساتذة.
كتبت قبل فترة عن النكت الأكاديمية في البحث العلمي، وذكرت معاناة العلماء والباحثين مع مراكز البحوث وما بها من البيروقراطية الإدارية ومن الفساد الإداري وسوء تأهيل العاملين فيها، كنت قد قدمت من عدة سنوات خطة بحث في التعليم الطبي يهدف إلى تحديد وترتيب الكفايات العلمية والمهارية في الطب الباطني في المملكة العربية السعودية لمرحلة ما قبل التخرج، لم أحصل إلا على الدعم الأولي للبحث، ثم فشلت في الحصول على بقية المخصصات لأني أوراقي (ضاعت) بعد أن قدمتها مرتين! ويريد الله ويمن عليَ بأن ينشر هذا العمل على موقع جمعية كليات الطب الأمريكية (MedEdPORTAL) الموثق والمحكم علمياً، بل ويحصل بفضل الله على درجة التميز، وتشيد به الجمعية ذاكرة اسمي واسم جامعة أم القرى في إحدى نشراتها الدورية لجميع متابعيها وأغلبهم من جامعات أميركا الشمالية، وبعد السؤال والتحري قالوا لي إن ما تنشره هذه الجمعية -التي تنظم العملية التعليمية في جميع كليات الطب الأميركية – من مشاريع تعليمية أو بحوث علمية لا تعترف بها جامعة أم القرى عند الترقية!
بل إن كثيراً من الجامعات العالمية تجاوزت موضوع الترقية اعتماداً فقط على الأبحاث التي يقدمها عضو هيئة التدريس (لا حظ أن مفهوم البحث العلمي عند كثيرين للأسف هوالبحث الذي تنال به الترقية لا ما تحل به معضلة أو تكتشف به جديداً أو حتى تستثمر به!)، فجعلت هناك ثلاثة محاور تستوعب أي جهد يقوم به الأستاذ الطبيب، محور الترقية عن طريق العمل الإكلينيكي، والمحور الآخر عن طريق التدريب والتعليم، والأخير عن طريق البحث العلمي، وأكثر من ذلك فقد وضع الخيار للأستاذ لأن يختار نسبة معينة من كل محور- حسب لوائح واضحة – إن كان يجمع بين أكثر من واحد منها.
وعلى الطرف الآخر أنعى حال بعض أعضاء هيئة التدريس الذين لا ينظرون إلى الجامعة إلا نظرة احتقار، فلا انتماء ولا ولاء، لا يعتدون بشيء إلا بدخول راتب آخر الشهر، وإذا أدوا-إن أدوا- ما عليهم من واجبات أكاديمية فبكل تكلف، وبدون رغبة وروح، ولا تسأل عن دورهم في تطوير أي أمر تربوي أكاديمي، فلا تعرف كلياتهم غير ظلالهم، ولا تسمع أصواتهم إلا عند المطالبة بالبدلات!
كثير ما يمكن أن يقال في التعليم العالي في بلدنا، وكثير ما يمكن أن يكتب عنه لا حباً في النقد والتشفي ولكن رغبة حقيقية في النهوض بأمر العلم والعلماء في بلادنا. كنت ولا زلت أفخر بانتمائي إلى جامعة ارتبط اسمها ومكانها بأحب البقاع إلى الله، والحق أني أرى وألمس سعياً حثيثاً للتطوير والإبداع، ليس في جامعة أم القرى وحسب بل في جميع جامعاتنا العزيزة، ولا بأس إن تأخرت المسيرة أو انحرفت قليلاً، إذ المهم أن نسير وأن نتحرك!
أشكر الأستاذ الدكتور الزوكي الذي أظنه بإنجازه هذا سيحرك الراكد حول ما يمكن أن يعمله فرد واحد لجامعته! وأظنه أعطانا درساً قرره المؤرخون أن الحضارة هي مجموع المنجزات التي يحققها أبناء المجتمع من أجل تحسين ما حولهم، وأن الحضارة ليست من صنع فرد واحد، ولا جيل واحد بل ولا حتى عدد قليل من الأجيال، بل إنما هي نتاج أجيال كثيرة متعاقبة ساهمت عبر مدة زمنية طويلة في صنع هذه الحضارة!
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | لا تعليقات »
17 أبريل 2011
وضعَ أسئلة الاختبار سؤالاً سؤالاً، هناك سؤال فوق مستوى الطلاب، صعب، لا يتناسب مع قدرة الطلاب وهم في بداية المرحلة السريرية، فكر فيه، قدم يداً وأخر أخرى، هل يلغيه؟ لكنه سؤال جميل، تعب واجتهد في وضعه ليخرج في صورة منسقة جميلة، ثم إنه قام بشرح موضوعه في المحاضرة بإسهاب، فإذن لا حجة للطلاب في عدم الإجابة عليه! قررأن يبقيه من ضمن الأسئلة، وأقنع نفسه أنه سؤال مهم، ومن ثم تأتي المفاجأة كصاعقة، 90% من الطلاب أجابوا على السؤال إجابة خاطئة! فأين الخلل؟
هناك موضوعان في قضية التعليم، يحدث خلط كبير بينهما لدى كثير من المعلمين على اختلاف مراحل التعليم، سواء أكان في التعليم العام أم العالي، إنهما التعليم والتعلُم! فالأستاذ يعلم ولكن الطالب هو الذي يتعلم! بمعنى أنه ليس كل من درس، وقدم محاضرة، هو في الحقيقة قد أدى دوره كما يجب في التدريس! وليس كل من قال إنه معلم هو في الحقيقة معلم! ولذلك يعجبني أحد التعاريف التي مررت بها والتي تعرف ما هي حقيقة العملية التعليمية، وهو مترجم” إن التعليم هو مجموع الأنشطة التي تنعقد لتحفيز وتشجيع التعلُم”، بمعنى أن المحاضرة وحدها ليست كفيلة بضمان فاعلية التعليم! بمعنى أن مجرد ذكر معلومة للطلاب لا تؤهلك أن تقيم الحجة عليهم بأنهم قد تعلموها!
إن التعليم عملية متشابكة، صعبة، معقدة! إنها تشمل منهجاً معاصراً متجدداً، فيه علاقة واضحة وظاهرة بين ما يدرسه الطالب وما يجب أن يكونَ عليه بعد التخرج، وتشمل أساليب تدريس، متعددة، متنوعة، حديثة، فيها تحفيز على التفكير، وثقافةالمساءلة، والشك فيما يظن أنه ثابت، وتشمل أساليب تقويم فعالة، وتشمل معلماً مثقفاً، مؤهلاً، واعياً بأساليب التدريس والتقويم، يعرف كيف يتأكد من أن تدريسه كان فعالاً أم لا؟ وتشمل قبل كل ذلك وبعده: بيئة تعليمية محفزة! ومن ثَمَ نأتي ونبحث عن الطالب، لنؤهله مهارياً حتى يتمكن من الترقي في سلم التحصيل، ونوجهه أكاديمياً لنحل له عقد المناهج العقيمة ونحصنه من عقد بعض الأساتذة، ونبني شخصيته في أنشطة لا صفية، فيها قوة فكرية وبدنية، وراحة نفسية، والآن وبعد كل هذا يجوز لنا أن نسأل السؤال الشرعي الصحيح: هل تعلًم الطالب أم لا؟ أما قبل ذلك، فهو سؤال باطل، بل منكر! سؤال هو في منزلة الممنوع من الصرف بل الذي لا محل له من الإعراب!
ومما يلحق من مفاهيم ومبادىء مهمة حول هذا الموضوع، هو مفهوم الإخلاص والصواب في نجاح أي عمل شاملاً العملية التعليمية، وهذا مبدأ قرآني بإمتياز، يقول تعالى:”فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً”! عرف هذا الفضيل بن عياض فقال: الإخلاص والصواب! وما هذا إلا تأكيد لما سبق وأني ذكرته في أطروحة سابقة من أن مباديء التعليم والتعلم ما هي في الحقيقة إلا مباديء لحياة سليمة منتجة فعالة! فالتربية هي الحياة نفسها كما عرفهاأحد الفلاسفة! فلكي ينجح أي عمل يجب أن تصح الإرادة ويصدق التوجه ويتضح الهدف، ومن ثم تأتي تابعة طرق وآلية التنفيذ التي يجب أن تكون بأساليب حديثة ومتطورة وفعالة و”صائبة”، ، إنه وكما عبَر أحد خبراء التعليم الطبي بأننا لا يجب أن نفعل الأشياء الصحيحة وحسب بل يجب أن نفعل الأشياء بطريقة صحيحة! يقول الفيلسوف الفرنسي مونتاني: “إن المعرفة الحقة هي التي تصنع العقول بطريقة جيدة، وليست التي تملأ العقول بطريقة جيدة”!
وكم اكتوينا وما زلنا نكتوي من ضياع بوصلة التعليم والتدريب لدى كثير من الأساتذة في التعليم العام والخاص والعالي! ما زلت أذكر مدرساً لإحدى المواد الدينية في المرحلة الثانوية، يكتب نقلاً من الكتاب على السبورة برداءة خط وهذا مقبول إلى حد ما ولكن بأخطاء إملائية كانت محل تندر الطلاب! أوالآخر الذي هو أيضاً مدرس لمادة دينية أخرى إذا أهَلَّ داخلاً الفصل الدراسي هلت معه رائحة الدخان! أما مدرس القرآن حديث التخرج الذي يضع ساقه منهياً بحذائه ممدة على “ماصة” أحد الطلاب وعليه المصحف الشريف فقد كان بإجماع الطلاب بحاجة إلى دروس في الأدب قبل أن يُعطَى الحق في تدريس كتاب الله! هناك ما يسمى بالمنهج المختفي أو اللامباشر وهو خطير! لأنه ومن خلاله تتم تسريب مفاهيم وتصورات وسلوكيات هي خارجة عن مراد وتحكم التربويين! أما في التعليم العالي – والطبي تحديداً- فهناك الكثير من الأمثلة التي تناظر ما سبق ذكره،وما زلت مع كثير من الغيورين أدعو إلى إعادة تأهيل الأطباء الأكاديميين من الناحية التعليمية! فإني أزعم أن عدداً كبيراً من أساتذة كليات الطب ما زالوا يجهلون مباديء التعليم والتعلم! ولا أرى أسوة بجامعات عالمية عديدة أي توجه يلزم أساتذة كليات الطب حداً أدنى من التأهيل التربوي مضافاً إليه تدريب سنوي مستمر للتأكد من جودة التعليم الذي يقدمه هذا الأستاذ! وتبعاً لذلك فما زال المنهج المختفي اللامباشر يعبث بالتكوين العلمي الأكاديمي لأبنائنا وبناتنا!
وليس الأمر هذا أكثر سوءاً لمرحلة ما بعد التخرج في برامج التدريب التي تنعقد في مختلف المستشفيات والقطاعات الصحية، فمعظم المشرفين على هذه البرامج ذوو علم سطحي بالتدريب وآلياته، ولا يعدو دورهم للأسف غيرالدور الإداري البحت عمن حضر ومن غاب! وقد تكون الرغبة والإرادة في التحسين موجودة، ولكن لا بد من معرفة أمور تفصيلية مهمة تسهم في تدريب وتخريج أطباء سعوديين على قدر عال من الكفاءة والتمكن؛ فاللقاء الطبي الصباحي هو أقوى وأكثر أوقات التدريب فعالية، ولكننا نجد أنه قد سرق بالروتين والسلبية في أغلب المستشفيات، ولا تسل عن الجولات التفقدية السريرية وكيف يجب أن تنعقد، والتدريب في العيادات الخارجية أمر شبه مغيب عن أجندة الأطباء المدربين والمتدربين!
والغريب الذي أراه؛ السعي الحثيث لكثير من القطاعات والمستشفيات والكليات في الحصول على ورقة اعتماد مهني أو أكاديمي، هي في نهاية المشوار لا تعدو أن تكون ورقة ولا تعلم ما إن كانت الأوراق التي تعد لهذا الاعتماد تعكس حقيقة الواقع العملي اليومي أم أنه الصراع الدائم عندنا بين الصورة والحقيقة فالأوراق في جهة والواقع في جهة أخرى! عموماً -هذا ولا شك غريب- ولكن الأغرب ألا أحد يتكلم أو يذكر أو حتى يفكر في آليات للتحقق من جودة وكفاءة التعليم والتدريب، ولعلي أناقش في مقال آخر الخلط الحاصل عند بعض كبار المسؤولين حينما يفكرون في التعليم والتدريب في قطاعاتهم، فيغفلونه عمداً بحجة أن المهم هو مصلحة المريض وليس الالتفات إلى أمور ثانوية كهذه! وما عرف هؤلاء أن ارتباط جودة وكفاءة التعليم والتدريب الطبي بمصلحة المريض هو مبدأ وسنة عالمية ثابتة، أقرت ببحوث ودراسات عديدة، وهو منهج تسلكه القطاعات والمستشفيات والجامعات اليقظة في أنحاء المعمورة!
هل تبحر السفينة لمجرد الرغبة في الإبحار؟ أم لابد من عمل دقيق سليم خبير حتى تتم عملية الإبحار بسلامة؟ وإلا غرقت السفينة أو ضلت الطريق أو مكثت تبحر حول نفسها؟ وما أكثر الذين يدورون حول أنفسهم وذواتهم! أم هل تطير الطائرة وأنت تصفق بجانبها؟ إننا لا نفهم هذه القاعدة العلمية الاجتماعية على بساطتها! إن سر النجاح في أي عمل هو الإخلاص والصواب
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »
13 يناير 2011
استوقفتني عبارة سمعتها من المفكر الفيلسوف الدكتور محمد عمارة في أحد البرامج التلفزيونية وهو يقول إن الاستغراق في أعمال الفكر والبحث والتأليف (وهو رجل موسوعي في ثقافته، غزير في إنتاجه الفكري) قد أبعد عنه الكثير من الأمراض. وهذا رأي له رصيد واسع من الأدلة العلمية، إذ إن هناك دراسات علمية كثيرة تؤكد فاعلية أن ينخرط الإنسان في أمر ذي بال، ويغوص في أعماقه منتجاً ومبدعاً، ودور ذلك في تخليص الإنسان من الكثير من الأعراض المزعجة. خذ على سبيل المثال مرضى روماتيزم العضلات (الفايبرومايالجيا) أحد أمراض اللآلام المزمنة، والتي حار الأطباء في طرق علاجها، حتى أصبح دور الطبيب في عيادته لا يتجاوز دور مرشد نفسي، فقد وردت عدة دراسات عن دور جلسات التوعية الجماعية، والدروس المشتركة بين مجموعة من المرضى وبإشراف خبير/خبيرة في هذا المرض (ليس بالضرورة أن يكون طبيباً!)، هدف هذه اللقاءات الرئيسي هو إعادة صياغة حياة المرضى، وإلى إضفاء معنى وغاية ورسالة في حياة هؤلاء الذين يعانون اللآلام المزمنة، أُستخدمت أيضاً طريقة القناعة الذاتية والشبع الذهني والتأمل في علاج السمنة المفرطة، كما أن أسلوب إعادة انخراط الإنسان في عمل ذي بال، والتأمل العميق، من الأساليب المستخدمة في علاج الاكتئاب، ومن المعروف علمياً أن الإنسان حينما يكتئب تضعف مناعته ويصبح عرضة للأمراض…
والحق أن الاستغراق في إعمال الفكر والرأي لهدف ما أو لإنجاز أمر ما هو دأب العلماء والمفكرين على مر العصور، يقول الإمام مالك بن أنس: “ربما وردت علي المسألة فأمضي فيها عامة ليلتي، بل ربما وردت المسألة تمنعني من الطعام والشراب والنوم”. ويقول أيضاً واصفاً حال نفسه وفكره الذي لا ينفك عن العمل، والذي استغرق ولعاً في التفكير والبحث والتأمل: “إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن”. وإن ما حدث من طفرة علاجية لأمراض الروماتيزم، حتى أصبح من الممكن الحديث عن الكمون الكامل لمرض التهاب المفاصل الروماتيزمي لأول مرة في تاريخ هذا المرض، إنما جاء بفضل العلاجات البيولوجية التي استمر عليها دأب عدد من العلماء عكفوا على اكتشاف مركبات دقيقة لها دور فعال في هيجان هذا المرض طوال فترة التسعينيات الميلادية تقريباً، إلى أن تم إجراء التجارب على الحيوان ثم – بعد التأكد من سلامتها- على الإنسان، في جهد وتصميم علمي تعجز الكلمات عن وصفه!
وهذا المبدأ معروف من مبادئ الحياة، وهو أن الانشغال والاستغراق في مبدأ سامٍ يهدف إلى منفعة وخير الفرد والناس والمجتمع سواء أكان هذا الاستغراق فكرياً أم بدنياً، لهو من أصح علامات الحياة السعيدة الهنية، لا فرق بين العلماء والمفكرين وسواهم من الناس، إذ حقيقة لا وجود لفرق كبير-على رأي المنفلوطي- بين من نسميهم علماء ومن نسميهم جهلاء (أو غير علماء)، إذ إن فريق العلماء يعرف معلومات معينة وتطبيقات معينة بطريقة منظمة، فيم الآخرون قد يعلمونها ولكن بطريقة مبعثرة، والقضايا الكونية المتعلقة بالخير والشر والنفع والضر، والمسائل المنوطة بالإنسان في حياتيه المادية والمعنوية، يشترك في العلم بها الناس جميعاً عامتهم وخاصتهم، بل من عامة الناس من يملك نظرة كونية حياتية فيها نضج وإنفتاح وإنسانية، تفوق كثيراً نفراً ممن يُسمَون علماء بضيق أفقهم وسوء سلوكهم.
إن قوانين العمل والإنتاج والفاعلية التي تفضي إلى السعادة النفسية موجودة مبثوثة في كتاب الله أينما قرأت، وكمثال:”ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا” سورة الإسراء 19 ( 19 ).
إن مبدأ الإيمان باليوم الآخر على المنهج القرآني لهو من أكثر المبادئ دفعاً إلى الإنتاج والفاعلية والإبداع، فأنت بإرادة الخير وصحة القصد ثم بالسعي الدؤوب الصحيح تنطلق كالسهم إبداعاً وإنجازاً في هذه الحياة، إن واجهتك صعوبات استعنت بالله وتغلبت عليها، وإن وقف أمامك المثبطون أو اعترضك الحاسدون القاعدون، لم تكترث بهم، ولم تعبأ بشأنهم، بل لعل رياح عملك وإنجازك تهب عليهم، فتنفض الغبار الذي علق في نفوسهم، أو لعل نسيم إبداعك وروعته، يلين قلوب القساة، ويدفع الكسالى للعمل والإنتاج، أو إن لم تكن هذه ولا تلك، فلعل نار عزمك ولهيب إرادتك، تحرق الشر وأهله، وتبيد الخبث ومريديه، وتذهب الصدأ ومن استمرأه، وتساعد الحساد على حرق ما بقي في نفوسهم من حسد وغل وحقد، وأنت حين تنتقل في عملك وإبداعك وإنجازك من محطة إلى أخرى لا تعبأ كثيراً بتقدير الناس وشكرهم لك (على أهمية هذا التقدير في دعم العاملين المبدعين في كل مجال وفي كل قطاع)، لأن في مجتمعنا وللأسف جحودا ونكرانا، وغيابا لثقافة الثناء على المبدعين وتكريم المنتجين إلا بعد أن يموتوا! وأنت لا تعبأ بهذا، لأن لك نفساً كبيرة، ذات نظرة بعيدة، لا تتعامل مع العباد بل مع رب العباد، ومع من ملك الدنيا والآخرة جميعاً، وإذا أصلحت ما بينك وبين الله، أصلح الله ما بينك وبين الناس (كما يقول ذو النون المصري)، فلا تلتفت إلى الناس ولكن التفت إلى رب الناس. هذا هو المعنى العملي الفعال الذي يجب أن نفهمه كأحد أهم معاني الإيمان باليوم الآخر، وهو أن يكون طاقة مولدة للعمل والاستغراق في عالم الإنجاز والإبداع، لا أن يكون مجرد مشاعر خوف ورعب، لا يلبث الإنسان إلا أن يرغب في تجاهلها وصرف التفكير عنها، أو أن يكون خوفاً فاضحاً كاذباً قاصراً، لا يفهم من الطاعة إلا الصلاة والصيام وينسى مفهوم العمل الصالح الذي بثه القرآن شاملاً الدنيا وما فيها!
ولعل أحد معاني مفهوم الشكر الوارد في الآية الكريمة “كان سعيهم مشكوراً”، المنسوب لله سبحانه وتعالى، هو الشكر في الدنيا في صورة سعادة نفسية، وطمأنينة، وصحة جسدية!
أتمنى أن أكون قد أقنعت قارئي الكريم بضرورة الاستغراق في أمر ذي بال، وأنك في هذا الاستغراق ستحقق سعادة وصحة وطمأنينة يغبطك عليها الكثيرون، أما إن لم يكن لك ما تنغرق فيه، فإني أنصحك أن تبحث عنه..!
جريدة الوطن السعودية
مصنف في: جريدة الوطن، مقالات منشورة | | تعليق واحد »