دعوة إلى الإحسان

24 أغسطس 2010

ما هي نظرتنا إلى هذا الإنسان؟ بل ما هو مفهومنا للإنسانية؟ أظن أن أول المبادئ التي يجب أن تقر عند طرح مثل هذه التساؤلات هو هل اعترف أنا بوجود الإنسان؟ لأن الاعتراف بالوجود يستتبع الإقرار بوجود كيان مستقل له آراؤه وعواطفه وتطلعاته، وإذا تم هذا الاعتراف وهذا الإقرار ساقك ذلك تلقائياً لأن تحترم الإنسان وتقدره – أياً كان- بل ويمضي بك بعيداً في أن يطبع سلوكك بأدب جم يستغرب الكثيرون منبعه رغم وضوح الأمر وبساطته!
تريد أن تجرب! في محيطك اليومي إذا قابلت شخصاً بسيطاً أقل منك سناً أو مكانة إدارية أو علمية (هذه المقاييس ظاهرية إذ قد يكون أحد هؤلاء أغنى منك نفساً وأكثر عطاءً وبذلاً) اسأله عن أحواله! أو ابتسم في وجه عامل بسيط آخر (وما أقل المبتسمين هذه الأيام) وانظر إلى نتيجة ذلك! ما الذي حدث هنا؟ إنه اعتراف بوجود كيان إنساني، وإقرار بحقه أن يشعر بإنسانيته!

وكلما ازداد شعورك بإنسانية الإنسان وتجذر هذا المعنى في داخلك، ازداد تتبعك ولحظك وانتباهك لخلجات شعور الناس ونبض أحاسيسهم الدقيق، وأصبحت ذا دراية بمسارب النفس المتشعبة وبأودية الوجدان الطويلة، وهذا سيكسبك بلا شك رهافة في الحس ورقة في الكلمات ووعياً بأثر ما تقول على نفسية سامعيك!
هناك دعوة مفتوحة دائماً للترقي في مدارج الكمال الإنساني، والسمو بالمشاعر، والتأكيد على احترام وتقدير إنسانية الإنسان، نجدها دائماً عند التدبر الدقيق الواعي المعاصر لحكم وعبر وأسرار ولطائف آيات كتاب الله الكريم.

عندما دخل أهل يوسف-عليه السلام- وهو في عزه وسيادته وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش وخروا له سجداً (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)، انظر إلى قمة الأدب والذوق ومراعاة المشاعر، لم يذكر نبي الله يوسف –عليه السلام- أي إشارة إلى الجب الذي تركه فيه إخوانه الذين أعماهم الحقد والبغض الدفين وما أرادوا إلا قتله لولا أوسطهم الذين ظلت فيه بقية من حكمة وخشية (لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة)، وأكثر من ذلك أنه لم ينسب إليهم أي جرم أو قبح إذ قال لهم قبلها (لا تثريب عليكم اليوم) فلا عتب ولا تأنيب بل لا ذكر مطلقاً لأي شيء بدر منهم وإنما الموضوع برمته (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) أشرك نفسه- وهو البريء المنزه بل هو ضحية غدرهم وكيدهم- معهم في التعرض لنزغ الشيطان وإيقاعه بالناس! كل ذلك لأنه لا يريد أن يجرح مشاعرهم ولو بكلمة واحدة ولا يريد أن يمس خاطرهم إلا بكل جميل رقيق لطيف! ولا يبرز هنا تألق الإنسانية وعظمة النفس وكمال الأدب وحسب بل هو أيضاً النظر الخبير العميق الذي يتطلع إلى السلام النفسي والرقي الاجتماعي، إنها الحضارة!

وليظهر لنا قيمة الأثر النفسي في الحروف والكلمات لنتأمل رد نبي الله يعقوب-عليه السلام- لبنيه بعد فعلتهم الشنيعة التي استمرت آثارها سنين طوالا (قالوا ياأبانا استغفر لنا إنا كنا خاطئين)، رد عليهم:(قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم)، (سوف) وليس سأستغفر لكم ربي، هناك تأخير وتأجيل في رسالة نفسية قصيرة لكنها مهمة، تمثلت في كلمة لكنها ترمي إلى معنى عميق، وما ذلك – والله أعلم- إلا تنبيه لهم إلى عظم ما أقدموا عليه، وتحفيز لهم على تأكيد صدق هذه الرغبة في المغفرة.

نخلص إلى أن كلماتنا وأفعالنا ما هي إلا ترجمة مباشرة بل وفورية لما يعتمل بداخلنا من أفكار وأحاسيس ومبادئ وتصورات، فابحث في داخلك عن معنى للإنسان، هل له اعتبار ووجود وكيان عندك، فإذا كان كذلك فابشر بكل خير، لأنك عندها وعندها فقط سيكون لك قلب إنسان! قلب فيه أول ما فيه حب للخير للحق للجمال، قلب يبغض الكبر والغرور والعجب بالنفس، قلب لا يرى المفاضلة بين البشر على أساس اللون والعرق والجاه، قلب يتحاشى الظلم بل ويفر منه فراراً لأنه اعتداء صارخ على أخيه الإنسان، قلب فيه نور فياض في حروفه وكلماته ونظراته، لأنها لا تصدر إلا وهي تقطر حباً واحتراما وكرامة.

هل في هذا الكلام جنوح مثالي أو إيغال في بحر من الخيال؟ أجيب: نعم كما يتصور الكثير من الناس! لماذا؟ لأننا نصدر في حكمنا من واقعنا أو أكثر تحديداً من واقع الإنسان عندنا. ولن أصف واقع الإنسان عندنا بأكثر من أن أقول لك لتعرفه قياساً أن انظر إلى شوارعنا! ولن أزيد في بكائية وصفية لسراديب أرضية غائرة لا نور فيها دخل فيها الإنسان عندنا ولم يخرج بعد، إلا أن عزائي هو أن نحذو حذو نبي الله يوسف الإنسان –عليه السلام- رافعين راية الإحسان، الذي تخلق به (ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين)، هذا الإحسان الذي لم يتخل عنه مهما كانت الظروف والأحوال، بل إنه ما عرف في السجن من صاحبيه إلا به (نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين)، وما مكنه الله إلا به (وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين)، ولا تم الرجاء في حلمه وعفوه وكرمه من قبل إخوانه إلا به (فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين).

إن معركة الإنسان عندنا معركة عويصة معقدة! إنها معركة كرامة فيها بحث عن وجود وإعادة اعتبار! إنها معركة آلياتها كثيرة معقدة وقد زلت أقدام أناس فيها فما زادوا الوضع إلا تعقيداً وسوءاً! إنها معركة تحتاج إلى أفكار نيرة جريئة وعلم متقد معاصر وكلمة واعية حرة! ولا أرى راية ترفع فيها أوقع من راية الإحسان! وكما قال المنفلوطي:”لا أستطيع أن أتصور أن الإنسانَ إنسانٌ حتى أراه محسناً” وهي معركة تتطلب تجييش آلاف المحسنين الذين يؤمنون بالإنسان ويعترفون بوجوده وكيانه، فإذا تكلموا بكلمة فكروا في مشاعر من سيتلقاها قبل أن يقولوها، وإذا أقدموا على فعل كان الأدب عنوانه والإتقان شعاره، يفوح منهم عطر صفاء المشاعر ورقتها، ويشع منهم نور الحب والأمل والعطاء بلا حدود، ولا عليهم من بأس في كل هذا لأنه وكما قال يوسف –عليه السلام-: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

جريدة الوطن السعودية


حوار مع السكون

12 يونيو 2010

أتمنى أن آخذ أصدقائي كلهم إلى موقعنا ومكاننا الأساسي، إلى حيث السكون والجمود الحقيقي لا المعنوي، إلى مكان التحف والأحافير والآثار القديمة،إلى مكان ندفن فيه كل الأفكار الميتة

أرحب بالأستاذ ساكن الفيلسوف على صفحات “الوطن”، وأود أن أبدأ هذا اللقاء بالسؤال التقليدي المعتاد: كيف تعرف بنفسك؟ امتعض الأستاذ ساكن قليلاً بسبب كلمة “تقليدي”، لكنه تابع حديثه قائلاً: أنا من أسهب المفكرون في وصفي، وجف حبر الإداريين في نعتي، أنا من نظر الأعمى إلى إبداعاتي وإنجازاتي، وأسمعت كلماتي الناس ، كل الناس، في البيت وفي المدرسة، في الجامعة وفي مركز البحوث، في المصنع وفي المؤسسة، أنا ملح المعاملات، أنا قطار الإنجازات، أنا فاكهة مجالس الأقسام والكليات والشركات. سكت الأستاذ ساكن الفيلسوف قليلاً وقد حلق النظر في شيء ما في السماء، وشبك بين أصابعه، وعلته ابتسامة خفيفة طرباً –كما يبدو بما قاله- وكأنه يسترجع المزيد مما يريد أن يعرف نفسه به، سارعته بسؤال وأنا أنظر إلى ساعته الجديدة، وقلمه الأنيق، وثوبه القشيب، وأشم عطره الفواح: ألا تظن أستاذ ساكن أن في هذا غرورا وتعاليا؟ بادرني قائلاً: فرق كبير بين الثقة بالنفس وبين الغرور، المغرور يبحث عن شيء ما في داخله لم يجده، فيه شعور بالنقص دائم لا ينقطع، لذلك يتعالى ويغترالضعيفُ والمسكين، أما الشعور بالقدرة والامتلاء، أما الاتزان في القول والعمل، أما الوعي بالواقع فهذه ثقة نفس وجسارة وجدان! إنها فلسفة عمل وانتشار!

قلت: نفهم من حملك على الغرور أن فيك تواضعا وألفة وتطامنا؟ قال مبتسماً: بكل تأكيد! من لا يعرفني يسيء الظن بي دائماً، والحق أن أجدادي كانوا أكثر قسوة مني، قد تستطيع أن تصفهم بالغرور أو التعالي على الناس، ولكنها قد تكون جدية في العمل مبالغا فيها نوعاً ما، وبحكم أني استوطنت هنا فإني أشعر بأريحية أكثر وبهدوء واطمئنان يسمحان لي برصيد من حسن التعامل ، تحديداً مع خاصتي ومعاونيّ وأنصاري. قلت: هلا حدثتنا قليلاً عن أنصارك ومعاونيك؟ وهل لكم اجتماعات دورية تقومون بها؟ قال: بحمد الله لدي أنصار ومحبون في كل منزل وفي كل قطاع، وهم كثر! لديك على سبيل المثال لا الحصر؛ الأستاذ فارغ المهذار، والأستاذ سطحي الساحلي، والأستاذ رديء المطفف، والأستاذ نهم الأشعب، ونحن لا نجتمع كاجتماعاتكم هذه التي فيها الكثير من الكلام، والقليل من المنطق، وأصفار في الفعل والإنجاز والتطوير. بل نحن على صف واحد ووئام روحي يضمنا جميعاً، ليس من المهم أن يعرف الأستاذ فارغ المهذار في قطاع ما نظراءه في القطاعات الأخرى، لكنهم في اتصال روحي عميق بفضل حبهم وولائهم لي!

قلت مستغرباً: هذه أسماء غريبة لأنصارك ومحبيك أستاذ ساكن الفيلسوف، فما السر فيها؟ ضحك الأستاذ ساكن وقال: لا سر ولا يحزنون، فالأسماء لا تعلل كما تعرف، وإنما هو طبيعة العمل والإنجاز عندنا التي تحدد المسمى. قلت: هلا شرحت هذه النقطة أكثر. قال: هناك صفات محددة من قام بها أطلق عليه بكل فخر أحد هذه الأسماء أو غيرها وأرحب به عضواً جديداً في مؤسسة السكون الجامدة، سأصف لك الآن مجموعة من الصفات وأسألك تنطبق على من؟ قلت: كلي آذان صاغية. قال: إن لم يقف مكانه، فسيمشي إلى الخلف دائماً، مجلجل الصوت، يظن أنه كلما علا الصوت زادت قدرته على إقناع الآخرين، كثير الكلام بلا منطق، قليل العمل بلا فاعلية، يكثر من التهديد والوعيد، يضطرب عند أي جديد وحديث، ويحب الثبات والسكون، لا يقنع بشيء، ويهذر لسانه بكل شيء، يبدأ حديثه بالفقه وينتهي بالحجامة، “واحد زائداً واحد” لا تساوي اثنين أبداً، ولا يمكن أن يصل الخط المستقيم بين نقطتين إطلاقاً، يتقن فن التهويل، ويجيد ذكر مصطلحات كبيرة كالمصلحة الوطنية في كل صغير من الأمور، إن لم يشاكس أحداً نظر إلى المرآة وشاكس نفسه!! فماذا ستسمي صديقي هذا المقرب إلى نفسي كثيراً؟ قلت: لا شك أنه الأستاذ فارغ المهذار. قال: أحسنت! لقد بدأت تفهمني!

قلت: حدثني إذاً عن الآخرين. قال: يقول كلمة الآن ويغيرها غداً، لا تدري أضاحك هو أم باكٍ، أساخط هو أم راض؟ شُغل بنفسه فلم يعد يعبأ بأي شيء حوله، إن كان في سفينة لم ينظر إلا إلى موقع قدميه، لا يعرف ولا يدري كيف يرفع رأسه وينظر إلى الأمام، وإن طلبت منه ذلك أو طلبت منه أن يتحرك خطوة واحدة، انفجر باكياً، وحاربك بكل ما يملك، لا يحب إلا الوقوف على الساحل ولا يريد الخوض في الأعماق، يخاف من العوم ومن البحر ومن كل شيء حتى نفسه، ولا يحب أن يعمل – إن عمل شيئاً – إلا وحده، لا يفهم إلا آخر كلمة يسمعها، لأنها هي التي يتذكرها، ويتحدث عن الكلمة ولا يدري ما هي الفكرة، ويسبح مع هذه الكلمة إلى عوالم وخيالات وأوهام لا يستمتع بها إلا هو!! قلت: هذا هو الأستاذ سطحي الساحلي بلا شك!

قال: إذا بدأ الخطوة الأولى في مشروع الألف ميل أقنعك أنه أنهى المشروع… قاطعته سريعاً قلت: نعرف هذا جيداً إنه الأستاذ رديء المطفف، قال الأستاذ ساكن: إني معجب بسرعة بديهتك، ألا تريد أن تعرف عنه أكثر؟ قلت: نحن خبراء به، ما أحلى كلامه ولكن ما أفشل أعماله، يظن أنه يعلم وهو لا يعلم، ويظن أنه مقتدر وهو عديم الكفاءة، إداري فاشل، وغرور بلا حدود، له شبكة علاقات رهيبة، ذكي لدرجة الخبث، يتحد لا شعورياً مع جيش من الفارغين السطحيين النهمين الأكولين الذين يزينون الفشل ويزرعون الشوك في كل إدارة وفي كل قطاع يبتلى بهم.
قال الأستاذ ساكن: أما الأستاذ نهم الأشعب، فهو أكول لا يشبع ولا يقنع، هو في حفلة راقصة دائمة مع الريالات والدولارات، لا يرى الأشياء إلا بمنظار المال، الغاية عنده تبرر الوسيلة، ولا مانع عنده أن يعمل مع الشيطان من أجل أن يأكل ويؤكل غيره، لا صوت يعلو فوق صوت الدولار، ومن أجله يجوز كل شيء ويضحي بأي شيء، ومن أعز أصدقائه بل عرابه وقائده وهاديه: الرديء المطفف!

قلت: أخشى أن أطيل عليك أستاذ ساكن الفيلسوف ولكن سؤال أخير: إلى متى ستبقى بيننا أنت وفلسفتك هذه التي تغلغلت وتجذرت؟
قال الأستاذ ساكن بعبرة: صدقني أني أود الرحيل، أنا لا أجبر أحداً أن يتمسك بي، ولا أفرض نفسي على الآخرين، أريد أن أمضي إلى طريقي، لكن أجد من يطلب مني البقاء لا الذهاب، والاستقرار لا المضي، كم أتمنى أن آخذ أصدقائي كلهم إلى موقعنا ومكاننا الأساسي، إلى حيث السكون والجمود الحقيقي لا المعنوي، إلى مكان التحف والأحافير والآثار القديمة، إلى مكان ندفن فيه كل الأفكار الميتة، ولكن يأبى زملائي إلا أن نستمر تحفاً مشوهة تمشي على الأرض، وآثاراً مسروقة تعيش بين الناس، لا تحمل من الماضي إلا سكون الجهل و جمود الفشل والعدم، وأنا أعلم أنكم تريدون الحياة، فإذا كنتم تريدونها حقاً فيجب أن تحيوها!! وقبل ذلك ابحثوا عن الإنسان الحي المتحرك أولاً!

جريدة الوطن السعودية – السبت ١٢ يونيو ٢٠١٠م.


أهي محنة ثقافية؟

23 أبريل 2010

يكثر الصخب حول تصريحات أو مقالات صحفية فيها ما يظن أنه (جديد) و(جريء) من الآراء، ويتداولها الناس كما لو أنها فتح وإنجازعظيم! والمعروف أن كلمات قليلة في صحيفة أو تمتمات قصيرة في قناة تلفزيونية لا تبني ثقافة ولا تصنع فكراً بل قد تثير رأياً أو زوبعة. لكن شتان بين بناء الأفكار الذي يتجذر في السلوك لينتج نقاءً وصواباً، وبين كلمة في مهب ريح عابرة من هنا وهناك، لا يلبث أن يتلقاها الإنسان بأذنه لينساها فضلاً عن أن يكون لها أي تأثير في تعديل سلوك أو تصحيح مسار.

أحاديث صحيحة من السنة البنوية الشريفة قد يقرأها بعضنا لأول مرة في حياته حول موضوع حساس (في مجتمعنا تحديداً) هو موضوع الاختلاط، وسبب الإثارة والاهتمام هو المصدر الذي أعاد تسليط شيء من الضوء حول هذه الأحاديث وما تلقيه وتبثه من معان، ويتم نشر مطول للقاءات صحفية ومقالات لرموز يظن أنها تنتمي لمدرسة محافظة، ومن ثم يأتي حجم الصخب بل والشغب حول هذه الأحاديث والمقالات ما بين ناقد مستهجن وآخر مستعجب مستغرب وثالث غير مصدق.

عدة أمور نستطيع أن نقرأها هنا: ما هي هذه الانتقائية التي نعاني منها في التعامل مع النصوص؟ وهل هذا من قريب أو من بعيد يندرج تحت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويهمش بعضه؟
وما هو المزيد الذي مازال مخبوءاً ومعتماً عليه؟ ثم إلى متى نستمر اجتراراً للمفهوم العجيب، مفهوم الخصوصية الذي لا يجعلنا ننظر للأفكار الجريئة إلا إذا صدرت من أبناء الجزيرة، بل أبناء مدرسة معينة؟ هل هذا متفق متطابق مع حرية الرأي والفكر؟ أم أنه امتداد لمفهوم (إنا وجدنا آباءنا على أمة..) ومفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)؟ ثم إلى متى نستمر في ثقافة رد الفعل هذه؟ لماذا لا ندرك ونفكر إلا بعد أن تقع تجاوزات بارزة؟

إن كتاباً موسوعياً رائعاً ككتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للأستاذ/ عبدالحليم أبو شقة يعد بحق عملاً منهجياً تأصيلياً لنظرة الإسلام للمرأة، وعرضا موثقا لآلية وطبيعة حياة المرأة في مجتمع النبوة، وطبيعة دورها العلمي والتربوي والقيادي والسياسي، لم ينتج هذا العمل من عدة لقاءات صحفية أو من قراءة لمقالات متفرقة من هنا وهناك، إنما هو نتاج عمل دؤوب جاوز العشرين عاماً بحثاً وتنقيباً في صحيح السنة فقط عن كل ما يتعلق بالمرأة، ثم متابعة شروح العلماء في أمهات كتب الحديث، ووضع الجميع في بوتقة واحدة مستظلاً بكتاب الله بعيداً عن التقاليد البالية والعادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ليخرج لنا كتاباً موسوعياً في ستة مجلدات. إن دراسة مثل هذه الكتب وليس قراءتها وحسب هي التي تبني ثقافة إنسانية حضارية راقية فيها احترام للمرأة وتقدير لدورها كما أن فيها أصالة ومعاصرة، ولا عجب في أن قدم لهذا الكتاب علماء كبار أفاضل أمثال الشيخ/ محمد الغزالي – رحمه الله – والدكتور/ يوسف القرضاوي.
لقد قرأت هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم أحصل عليه إلا صدفة في أحد معارض القاهرة للكتاب، ولم أره إلى الآن يباع في أي مكتبة سعودية، فإلى كل من أراد أن يشفي نفسه – مثلي – في موضوع المرأة فعليه بهذا الكتاب، ولا أزعم أن كل ما فيه هو الحق المطلق، إن أحداً لا يدعي مثل هذا، لكن أقل ما ستخرج به بعد القراءة هو نظرة جديدة، وستلاحظ كما لاحظت كمية الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع التي تمت تعميتها عنا – عن قصد أو بدون قصد!

واستتباعاً لهذه المنهجية في سبر النظر في صحيح السنة ودراسة ما بداخل النص وما حوله من ظروف نفسية واجتماعية لنحصل على خطاب إسلامي حضاري معاصر، تأتي دعوة الأستاذ الدكتور المؤرخ/ أحمد شلبي، صاحب “موسوعة تاريخ الإسلام ” و”موسوعة الحضارة الإسلامية” إلى إعادة كتابة السيرة النبوية، إذ إن أساس كتابة السيرة كان تدويناً لمغازي وسير رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولم يكن فيه كشف لتفاصيل الحياة النبوية اليومية المعاشة بأحوالها وتقلباتها، وجل تفاصيل الأمور اليومية المعاشة إنما هي مبثوثة في المئات من أحاديث السنن التي تذكر بعيداً عن التصور المعاصر عن كيفية بناء الشخصية بكل مكوناتها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إننا بحاجة إلى سيرة نبوية إنسانية شاملة تعلمنا أول ما تعلمنا كيف نبني أنفسنا وأفكارنا وسلوكياتنا على منهاج سليم.

وأود أن أشير في هذه العجالة إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على أنه لون من ألوان التفسير له أساتذته وعلماؤه – القليلون – على ضوء ما أرى من تفاسير وجهود علمية، ولكنه تفسير – في إحدى صوره ومناحيه – يربط لك السورة بما قبلها وبما بعدها، بل يربط مقدمة السورة بخاتمتها ويربط كل آية بما قبلها وما بعدها، ويجعل لكل سورة محوراً تسعى إلى عرضه والتركيز عليه، ولا يغفل هذا التفسير النواحي اللغوية والفقهية وأسباب النزول، ويركز على النواحي الجمالية والفنية في الآيات، إلا أن روعته تكمن في سبر غور القصص القرآني فهماً وتحليلاً لاستنباط سنن تغيير الأنفس والمجتمعات مستخدماً لغة العصر وآلياته.
لا يهم في قصة ذي القرنين – على سبيل المثال – الوارد ذكرها في “سورة الكهف” – على الأقل ـ الجانب التربوي النفسي الحضاري، أن نعرف تحديداً من هو؟ وهل هو ملك فارسي أم صيني؟ وهل كان نبياً أم لا؟ وهل سور الصين العظيم هو الذي تحدث عنه القرآن أم لا؟ وأين هي “العين الحمئة” التي تحدثت عنها الآيات؟ هل هي آبار النفط الموجودة في بحيرة قزوين أم لا؟ وهل مطلع الشمس هو عند ساحل بحر اليابان أم لا؟

ومن الواضح أن جميع ذلك قد يستخدم مع قرائنه في دراسات جغرافية تاريخية تستضيء بكتاب الله، لكن هذا هو الفرع، إنما الأصل صياغة جميع معطيات ومعاني وظلال الآيات في بناء القيم وغرس المفاهيم والتصورات، إذ تمثل شخصية ذي القرنين أنموذجاً قرآنياً رائعاً لما يجب أن تكون عليه شخصية الإنسان المسلم من قوة في العزم (فأتبع سبباً) وثبات وعدل بل وتبحر وتمكن في العلم وهندسة بناء النفوس قبل السدود، ويجمع كل ذلك إيمان عميق وتواضع جم (قال هذا رحمة من ربي).

إننا نعيش في مرحلة تيه فكري، وإننا بحاجة قبل أن نتلمس طريقنا في صحراء نأبى إلا أن نعيش فيها، أن نعيد اكتشاف أنفسنا وثقافتنا، إلى أن نسترد أفكار البناء والإنجاز والفاعلية ممن سرقها منا، إن هناك عملا كثيرا ينتظرنا في حقل التقدم، ومن أول ما يجب أن نقوم به هو قلع جذور جمود الأفكار وفساد النفوس ببصائر نافذة وأيدٍ متوضئة.

جريدة الوطن السعودية – الجمعة 9 جمادى الأولى 1431ـ 23 أبريل 2010 العدد 3493 ـ السنة العاشرة


هل نحن من موزمبيق؟

18 أبريل 2010

يوم الطبيب منا مليء بأنشطة كثيرة، فبعد أن ينتهي من عيادة طويلة يكون قد أعطى فيها كل مريض حقه من الرعاية والإهتمام، ويشارك مرضاه آلامهم ويسعى إلى حل ما يكدر صفوهم، ويتحمل في سبيل ذلك الكبير والصغير، وسوء أدب من يفتح عليه باب العيادة بدون إستئذان، ويتصبر بدعاء صادق وبكلمة شكر عذبة، ويحمل هم مرضاه لما بعد العيادة مناقشاً زميله الإستشاري في التخصص الآخر عن حالة مريضهما وما عساها تكون الخطوة التالية في العلاج، أو يذهب إلى زميله الإستشاري الآخر في قسم الأشعة ليراجع معه أشعة إحدى مرضاه ويطمئن على النتائج، أو ينظر مع إستشاري علم الأمراض تحت الميكروسكوب ليرى نتيجة عينة الغدة اللمفاوية أو عينة خزعة الكلى ليتأكد من التشخيص، وبعضنا قد يذهب إلى جناح المناظير، والجراح قد تأتيه حالة طارئة فيمضي ساعات كثيرة في غرفة العمليات، وبعضنا يذهب لينجز جولة طبية تعليمية على مرضاه المنومين برفقة الأطباء المقيمين…

وبعد إنتهاء يوم طويل، يبدأ الطبيب في إسترجاع مهمات على المرء منا إنجازها، تحضير لتدريس سريري في الكلية أو مع الأطباء المقيمين في اليوم التالي، او وضع اللمسات النهائية على ورشة عمل سيشارك بها في إحدى المؤتمرات، أو إرسال ملخص لبحث طبي أنجزه بعد عمل دؤوب لسنتين أو أكثر إلى مؤتمر عالمي، أو إعداد محاضرة علمية تدريبية لمجموعة من الأطباء، أو المشاركة في وضع مناهج جديدية وخطط دراسية وتعليمية جديدة، وهناك منا من يضيف إلى هذا الهم الهم الثقافي من متابعات للمجلات والدوريات والإصدارات الجديدة، فلا يأتي آخر النهار إلا والطبيب منا – في الأغلب – يلملم ما تبعثر من شرود فكره وإهتمامه خلف هذا الأمر وذاك، فيقول أجلس أمام التلفاز مرفهاً عن نفسي بدون عناء التفكير والتركيز، فكلنا يعلم أن التلفاز لا يبني رأياً أو فكراً بقدر إثارته للعواطف والغرائز، ويقول لأقلب النظر في القنوات المحترمة التي يملكها سعوديون، ليرى برنامجاً يستضيف خبيراً في أمراض القلب من إحدى الجنسيات العربية، ويقلب في قناة أخرى يملكها سعوديون، ليرى إستضافة مباشرة على الهواء لعالم في الجينات من جنسية عربية، وفي يوم آخر جراح أعصاب، وآخر إستشاري عناية مركزة، وخامسة مع إستشارية أمراض اللثة…وعاشرة..وجميع هؤلاء ليسوا من أرض بلاده- بلاد الحرمين!!

في مثل هذه الحالات –وقد مرت بي كثيراً- ينتابي شعور أني مازلت طفلاً صغيراً!! حين كنت أمرض كان والدي –حفظه الله ورعاه- يأخذني إلى أطباء لا أذكر منهم سعودياً واحداً، أيها السادة: إن هذا ماض قد ولى وانتهى! ولا يخفانا جميعاً كيف هي صورة السعودي في الإعلام العربي والغربي، إن هناك صورة نمطية تقليدية قديمة قاتمة عن أبناء هذا الوطن، تلصق بهم ألواناً شتى من البلاهة والسذاجة بل والجهل وقلة العلم والإدراك، وكأنه كثير على بلاد الحرمين أن يكون من أبنائها الأطباء والعلماء والخبراء في كل فن ولون، وكأن عقول أبناء مكة والرياض والمدينة وجدة والخبر وأبها وحائل هي أقل من عقول أبناء بيروت والقاهرة ودمشق أو لندن وباريس ونيويورك…

ليست هذه دعوة لعنصرية ضيقة أو إقليمية بغيضة فهذا غباء واضح ،إنما هي دعوة للثقة بالنفس وللشعور بالذات، فلنكف عن رسم صورة بدائية عن مجتمعنا، وليستيقظ إعلامنا وليعلم أن هناك مئات بل آلاف من الخبراء والعلماء السعوديين في كل منحى من مناحي العلم والمعرفة، ولكن للأسف لا وجود لهم ولاذكر ولاإهتمام على المستوى الإعلامي…

أذكر حادثة ظريفة أثناء فترة وجودي في كندا في سنوات الإبتعاث، يعرفها عدد من الزملاء ممن شهدها، حدث وأن زارنا في النادي السعودي في مدينة فانكوفر- كندا، أحد المسئولين في الملحقية الثقافية من مدينة أوتاوا- العاصمة-. إستهل الزائر الكريم حديثه بما ظنه ثناء علينا كأطباء سعوديين متدربين في كندا، فكان مما قاله إن الكنديين معجبون بالطبيب السعودي وأنه يستوعب جيداً!! لم أتمالك نفسي وكنت أجلس أمامه، فقلت مداعباً: (لماذا يا دكتور قالوا لك إننا جئنا من موزمبيق؟) (ملاحظة: كل الإحترام والتقدير لموزمبيق وأهلها، أكيد أن منهم من هم أعلم وأفضل منا، وإنما قصدت البعد والغرابة في اللفظ، لأن الناس إعتادوا أن يكون الغريب البعيد ضعيفاً في معلوماته وأخباره، يقول أهل مكة: (ليش قالوا لك جاي من طوكر) وطوكر مدينة سودانية بعيدة على البحر الأحمر مشهورة برعي الأغنام وتصديرها)…ضجت الصالة بالضحك، وتدارك المسئول عباراته، وصححها، وكالعادة سألني: من أنت؟ ومن أين؟

إنا لا تنقصنا لا المهارات ولا القدرات، إن الطبيب والعالم السعودي قد بلغ حداً من الخبرة والكفاءة يضاهي قرناءه على المستوى العالمي، ولا يقلل من قدرنا أمام أي مجتمع طبي متقدم إلا جانب البحث العلمي الذي هو بحاجة إلى ثقافة علمية بحثية في المقام الأول بالإضافة إلى دعم مادي مجزي حقيقي، أي ليس على الورق وحسب، وغير متقطع أي لا يتم إقرار مبلغ معين ولا يصرف منه إلا عشرة ريالات!! ولا يسأل عن هذا الخلل البحثي الطبيب أو العالم السعودي بأي حال من الأحوال…

أعرف أحد الزملاء المخلصين المتفانين في التعليم الطبي، يحدثني بأنه يحرص على دعوة الخبراء العالميين في مجال ما لعقد ورشة عمل تكلف كذا وكذا من المال، وأنه بربع أو حتى أقل من ربع مايخصص من مال ينفق على عالم واحد من هؤلاء يستطيع عمل دورة كاملة في التعليم بإشراف خبراء محليين، وهو منهم، على ألا تقل كفاءة بأي حال من الأحوال بل ستكون أجود مما يفعله أصحاب الشعور الصفراء والأعين الزرقاء، لأنها نابعة من علماء خبراء هم أدرى بإحتياجات المشاركين، ولكن هل سيحضر أحد؟ وهل ستوافق الجهة الرسمية على التمويل؟ أم أنها ستمانع لأنهم سعوديون محليون، ولن تمانع في دفع كذا وكذا لأنهم (خواجات)؟

وفي نفس السياق وبالأسلوب الموزمبيقي المقلل للقدرات ماألحظه هذه الأيام من وفرة كبيرة بل وتكدس لإستشاريين سعوديين على مستوى عال من التدريب والتأهيل في بعض القطاعات الصحية الكبيرة من دون أن تتم الإستفادة الحقة من قدراتهم وإمكانياتهم، جراح في تخصص دقيق من كندا ولديه ثلاث زمالات في جراحات دقيقة، كم عدد المرات التي يدخل فيها غرفة العمليات في الأسبوع؟ الجواب: مرة واحدة كل شهر!!! تسأل: كيف يمكن أن يستفيد الناس في هذه المدينة من هذا العالم الخبير؟ لا يجيب أحد! تسأل: لم لا يتم التنسيق مع قطاعات أخرى؟ قالوا: قد أتيت بالمحظور!!

جريدة الوطن السعودية – الأحد 4 جمادى الأولى 1431ـ 18 أبريل 2010 العدد 3488 ـ السنة العاشرة


كنوز مدفونة أم محنة ثقافة مريضة؟

21 يناير 2010

يكثر الصخب حول تصريحات أو مقالات صحفية فيها ما يظن أنه (جديد) و(جريء) من الآراء، وتتم تداولها بين الناس كما لو أنها كانت فتحاً وإنجازاً عظيماً!! والمعروف أن كلمات قليلة في صحيفة أو تمتمات قصيرة في قناة تليفزيونية لا تبني ثقافة ولا تصنع فكراً بل قد تثير رأياً أو زوبعة لكن شتان بين بناء الأفكار الذي يتجذر في السلوك لينتج نقاءً وصواباً، وبين كلمة في مهب ريح عابرة من هنا وهناك، لا يلبث أن يتلقاها الإنسان بلسانه لينساها فضلاً عن أن يكون لها أي تأثير في تعديل سلوك أو تصحيح مسار.

أحاديث صحيحة من السنة البنوية الشريفة قد يقرأها بعضنا لأول مرة في حياته حول موضوع حساس (في مجتمعنا تحديداً) هو موضوع الإختلاط، وسبب الإثارة والإهتمام هو المصدر الذي أعاد تسليط شيء من الضوء حول هذه الأحاديث وما تلقيه وتبثه من معاني، ويتم نشر مطول للقاءات صحفية ومقالات لرموز يظن أنها تنتمي لمدرسة محافظة، ومن ثم يأتي حجم الصخب بل والشغب الذي يأتي حول هذه الأحاديث والمقالات مابين ناقد مستهجن وآخر مستعجب مستغرب وثالث غير مصدق.

عدة أمور نستطيع أن نقرأها هنا: ما هي هذه الإنتقائية التي نعاني منها في التعامل مع النصوص؟ وهل هذا من قريب أو من بعيد يندرج تحت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويهمش بعضه؟ وما هو المزيد الذي لازال مخبوءاً ومعتماً عليه؟ ثم إلى متى نستمر إجتراراً للمفهوم العجيب، مفهوم الخصوصية السعودي، الذي لا يجعلنا ننظر للأفكار الجريئة إلا إذا صدرت من أبناء الجزيرة، بل أبناء مدرسة معينة، بل أبناء-أحياناً-منطقة معينة؟ هل هذا متفق متطابق مع حرية الرأي والفكر؟ أم أنه إمتداد لمفهوم (إنا وجدنا آباءنا على أمة..)ومفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)؟ ثم إلى متى نستمر في ثقافة رد الفعل هذه؟ لماذا لا ندرك ونفكرإلا بعد أن تحدث كارثة فظيعة أوتجاوزات خطيرة؟

إن كتاباً موسوعياً رائعاً ككتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للأستاذ/ عبدالحليم أبو شقة يعد بحق عملاً منهجياً تأصيلياً لنظرة الإسلام للمرأة، وعرض موثق لآلية وطبيعة حياة المرأة في مجتمع النبوة، وطبيعة دورها العلمي والتربوي والقيادي والسياسي، لم ينتج هذا العمل من عدة لقاءات صحفية أو من قراءة لمقالات متفرقة من هنا وهناك، إنما هو نتاج عمل دؤوب جاوز العشرين عاماً بحثاً وتنقيباً في صحيح السنة فقط عن كل ما يتعلق بالمرأة، ثم متابعة شروح العلماء في أمهات كتب الحديث، ووضع الجميع في بوتقة واحدة مستظلاً بكتاب الله بعيداً عن التقاليد البالية والعادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ليخرج لنا كتاباً موسوعياً في ستة مجلدات. إن دراسة مثل هذه الكتب وليس قراءتها وحسب هي التي تبني ثقافة إنسانية حضارية راقية فيها إحترام للمرأة وتقديرلدورها كما أن فيها أصالة ومعاصرة، ولا عجب في أن قدم لهذا الكتاب علماء كبار أفاضل أمثال الشيخ/ محمد الغزالي-رحمه الله- والدكتور/ يوسف القرضاوي.

لقد قرأت هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم أحصل عليه إلا صدفة في إحدى معارض القاهرة للكتاب، ولم أره إلى الآن يباع في أي مكتبة سعودية، فإلى كل من أراد أن يشفي نفسه-مثلي- في موضوع المرأة فعليه بهذا الكتاب، ولا أزعم أن كل ما فيه هو الحق المطلق، إن أحداً لا يدعي مثل هذا، لكن أقل ما ستخرج به بعد القراءة هو نظرة جديدة، وستلاحظ كما لا حظت كمية الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع والتي تمت تعميتها عنا-عن قصد أو بدون قصد!

وإستتباعاً لهذه المنهجية في سبر النظر في صحيح السنة ودراسة ما بداخل النص وما حوله من ظروف نفسية وإجتماعية لنحصل على خطاب إسلامي حضاري معاصر، تأتي دعوة الأستاذ الدكتور المؤرخ/أحمد شلبي، صاحب موسوعة تاريخ الإسلام وموسوعة الحضارة الإسلامية إلى إعادة كتابة السيرة النبوية، إذ أن أساس كتابة السيرة كان تدويناً لمغازي وسير رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ولم يكن فيه كشف لتفاصيل الحياة النبوية اليومية المعاشة بأحوالها وتقلباتها، وجل تفاصيل الأمور اليومية المعاشة إنما هي مبثوثة في المئات من أحاديث السنن التي تذكر بعيداً عن التصور المعاصر عن كيفية بناء الشخصية بكل مكوناتها النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، إننا بحاجة إلى سيرة نبوية إنسانية تعلمنا أول ما تعلمنا كيف نبني أنفسنا وأفكارنا وسلوكياتنا على منهاج سليم.

وأود أن أشير في هذه العجالة إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على أنه لون من ألوان التفسير له أساتذته وعلماؤه –القليلون-على ضوء ماأرى من تفاسير وجهود علمية، ولكنه تفسير-في إحدى صوره ومناحيه- يربط لك السورة بما قبلها وبما بعدها، بل يربط مقدمة السورة بخاتمتها ويربط كل آية بما قبلها وما بعدها، ويجعل لكل سورة محوراً تسعى إلى عرضه والتركيز عليه، ولا يغفل هذا التفسير النواحي اللغوية والفقهية وأسباب النزول، ويركز على النواحي الجمالية والفنية في الآيات، إلا أن روعته تكمن في سبر غور القصص القرآني فهماً وتحليلاًلإستنباط سنن تغيير الأنفس والمجتمعات مستخدماً لغة العصر وآلياته.

لا يهم في قصة ذي القرنين –على سبيل المثال- الوارد ذكرها في سورة الكهف- على الأقل في الجانب التربوي النفسي الحضاري- أن نعرف تحديداً من هو؟ وهل هو ملك فارسي أم صيني؟ وهل كان نبياً أم لا؟وهل سور الصين العظيم هو الذي تحدث عنه القرآن أم لا؟ وأين هي “العين الحمئة” التي تحدثت عنها الآيات؟ هل هي آبار النفط الموجودة في بحيرة قزوين أم لا؟ وهل مطلع الشمس هو عند ساحل بحر اليابان أم لا؟ ومن الواضح أن جميع ذلك قد يستخدم مع قرائنه في دراسات جغرافية تاريخية تستضيء بكتاب الله، لكن هذا هو الفرع، إنما الأصل صياغة جميع معطيات ومعاني وظلال الآيات في بناء القيم وغرس المفاهيم والتصورات، إذ تمثل شخصية ذي القرنين نموذجاً قرآنياً رائعاً لما يجب أن تكون عليه شخصية الإنسان المسلم من قوة في العزم (فأتبع سبباً) وثبات وعدل بل وتبحر وتمكن في العلم وهندسة بناء النفوس قبل السدود، ويجمع كل ذلك إيمان عميق وتواضع جم (قال هذا رحمة من ربي).

إننا نعيش في مرحلة تيه فكري، وإننا بحاجة قبل أن نتلمس طريقنا في صحراء أبينا إلا أن نعيش فيها، أن نعيد إكتشاف أنفسنا وثقافتنا، إلى أن نسترد أفكار البناء والإنجاز والفاعلية ممن سرقها منا، إن هناك عمل كثير ينتظرنا في حقل التقدم، ومن أول ما يجب أن نقوم به هو قلع جذور جمود الأفكار وفساد النفوس ببصائر نافذة وأيدٍ متوضئة.


المتلازمة الكندية.. هل هي فعلاً مرض يصيب الأطباء فقط؟

29 نوفمبر 2009

كتب عدد من الأطباء الكويتيين مقالاً ساخراً باللغة الإنجليزية – هو أقرب إلى الصور الكاريكاتيرية – يصفون فيه حالة الغرور المفرط التي تنتاب كثيراً من الأطباء الحاصلين على الزمالة الكندية حين عودتهم إلى بلادهم، وقد نُقلت فكرة المقال محلياً باللغة العربية منشورة في إحدى الصحف (دون الإشارة إلى المصدر الأساسي!) وذُكر فيه أحد أهم أعراض المرض-في نظر الكاتب وهو يصف حالة هؤلاء الأطباء- وهي أن (الطب هو أنا وأنا الطب) و(أن لا طب غير الطب الكندي). وقد لقي هذان المقالان استجابة وقبولاً واسعاً لدى أوساط الأطباء ظهر ذلك في كثرة التداول عن طريق البريد الإلكتروني إذ وصلتني رسائل من كثير من الزملاء من بلادنا ومن الخليج ومن الوطن العربي وممن ما زال في كندا.

ولا شك أن الأسلوب الساخر في الكتابة كان له دور في هذا القبول، كما أن تذمر هؤلاء الزملاء واشمئزازهم من سلوكيات الغرور هذه كانت أيضاً سبباً آخر في هذا الانتشار تعبيراً عن حالة الرفض هذه. ولا أنصب نفسي هنا منافحاً عن هؤلاء الأطباء حملة الشهادات الكندية بحكم كوني أحدهم، ولن أنبري بسرد الحجج، البراهين لرد هذه الدعوى، ولكن كل الذي أريد إيضاحه هو أن هناك حكما عاما قد تم إطلاقه وتعميمه على الجميع وفي هذا تعارض مع أبسط مبادئ التفكير الموضوعي، والأهم من ذلك أن هناك وصفاً سطحياً لظاهرة ما دون بذل الجهد للنظر في أساس هذه الظاهرة وسبب شيوعها وهل هي قاصرة فقط على حفنة من الناس دون غيرهم أم لا؟

بداية دعونا نتفق على مدى تغلغل وانغماس عقدة الإحساس بالدون أمام الأجنبي، وليس أي أجنبي! إنما هو صاحب الشعر الأشقر والعيون الزرقاء وتحديداً من أوروبا وأمريكا، إن مجرد سماع مثل هذه الألفاظ –وأنا طفل- كانت تزرع فيَّ انطباعاً بالانبهار والتقديس (فلان كان في أمريكا) (فلان درس في لندن) (فلان تخرج من أمريكا)، وقس على ذلك النظرة المجتمعية، وأنا أخص بالذكر الجانب السيئ من عقدة الأجنبي التي تشل الحركة وتصيب بالبرود والسكون (أفراداً وهيئات ومجتمعات) والاستسلام التام بل والتقديس المبالغ فيه لكل ما جاء من بلاد العم سام، وتبعاً لذلك فلا بأس إذاً أن يستغل هذا التصور-الأطباء وغير الأطباء- في الزعم بتفردهم فيما يحملونه من علم لا لشيء إلا لأنهم تحصلوه من بلاد العم سام، بل قد رأينا نفراً من الأطباء مكث في إحدى الجامعات الكندية عدة أشهر في دورة ما وعندما عاد فإذا بكل أحاديثه وآرائه العلمية إما أن تبدأ (عندما كنت في كندا) أو تذيل (هكذا كانوا يعملون في كندا)!

ويستتبع ذلك – في حالة الأطباء تحديداً – ضعف برامج التأهيل الطبي المحلية، ولا يقف حجر العثرة أمام التطوير لا قلة الإمكانات ولا قلة الكوادر السعودية عالية التأهيل القادرة على التخطيط، وإنما هي عقليات طبية إدارية متحجرة تحكم الإمساك بزمام الأمور وترفض الاستماع لصوت العلم والخبرة حينما يأتي من الداخل، لكن لا تمانع في صرف عدة ملايين لأصحاب الشعر الأشقر ليأتوا بآراء وتقارير، وياليتها تطبق وإنما تبقى حبيسة الأدراج! وإذا زعمتم أني أبالغ في تصوير ضعف برامجنا التأهيلية (البرامج التي تشرف عليها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لتدريب الأطباء لنيل درجة الزمالة في مختلف التخصصات الطبية)، فما عليكم إلا أن تسألوا أي طبيب أو طبيبة من حديثي التخرج، واسألوهم عن طموحهم في إكمال دراساتهم العليا: هل هم مقتنعون بالانخراط ببرنامج محلي أم إن الأعناق تشرئب في السعي للتدرب في كندا؟

وهذا الضعف في المستوى تقابله قوة وتميز في برامج التأهيل الطبية الكندية تحديداً، إذ هناك كلية الأطباء الملكية الكندية التي تفرض مقاييس علمية أكاديمية معينة لأي برنامج تأهيلي، ثم إن هناك متابعة دقيقة لأداء هذه البرامج بشكل دوري، وهناك وضوح وشفافية وقوة في اتخاذ القرارات إذ قد يوقف البرنامج بسبب ضعفه! وهناك أيضاً اختبارات فيها درجة عالية من المصداقية وبعيدة عن العشوائية ومزاجات الممتحنين (كما يحدث عندنا)، وتجد أيضاً سعياً حثيثاً من كل برنامج للتطوير وللتفاني في تدريب أطبائه، لأن كل برنامج هناك يحرص على سمعته وأدائه مقارنة بغيره من البرامج. ولا أذكر هذا الكلام تغزلاً في البرامج الكندية (في ظني أنها من أفضل البرامج عالمياً، إذ قمت بزيارة علمية للجامعات الأسترالية ضمن وفد رسمي ولا حظت فرقاً شاسعاً في فلسفة وآليات التدريب في البرامج الطبية) بقدر ما أود أن أؤكد بأن كثيراً من الأطباء يحرصون على الانخراط في هذه البرامج لأنها الأفضل والأقوى، ولا يتخرج منها الطبيب إلا وقد تحصل على مستوى قياسي محدد من الكفايات العلمية والمهارية، على أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن كل من تخرج من هناك هو عبقري زمانه لا محالة! أبداً! فما زال هناك الجانب الفردي في الإعداد والتدريب وهو مدى رغبة الشخص (الطبيب هنا) في الاستفادة القصوى من فترة التدريب هذه! فكم شاهدنا ممن تدرب في كندا وعندما عاد إلى بلاده عادت معه العادات السيئة التي كان عليها قبل أن يذهب: التعالي على المرضى، سوء معاملة الأطباء المتدربين، الغرور المفرط والاعتداد بالنفس المبالغ فيه! وكم شاهدنا -على النقيض- من أطباء وطبيبات تدربوا محلياً لكن لجهد خارق بذلوه وصعوبات عديدة تجاوزوها تجدهم أقوياء علمياً وفي قمة الأدب والتواضع!

إذاً وبخلاف كل العوامل التي ذكرتها حتى الآن: عقدة الأجنبي، ضعف البرامج المحلية في مقابل قوة الكندية، إلا أن النقطة الرئيسية التي يجب أن يتم التركيز عليها والإفاضة في دراستها، لأنها في ظني السبب الأساس في حالة غرور المكانة العلمية وضياع الأخلاقيات المهنية التي نعاني منها (سواء أكان الطبيب -أو غيره – من خريجي كندا أو خريجي البرامج المحلية)، هي غياب العقلية العلمية القائمة على روح البحث والتقصي والحرص الدؤوب على متابعة النتائج ومتابعة المستجدات، هل نحن نزرع في مدارسنا وجامعاتنا مبادئ التفكير العلمي الصحيح؟ هل نبني شخصيات علمية فيها حب العمل وثقافة الإتقان والإبداع كما أنها تعشق العلم وخدمته وتتبنى مبدأ: (ما زادتني الأيام علماً إلا علماً بجهلي)؟ هل تخرج كليات الطب في بلادنا وغيرها من البلاد العربية طبيباً مقتدراً علمياً، متزناً نفسياً، قادراً على التفكير واتخاذ القرارات، يتخلق بأخلاق العلم والعلماء؟ أم إننا نخرج طبيباً-أقل ما يقال في وصفه- إنه مسكين! طبيب مورست عليه أساليب تعليمية قائمة على التلقين والحفظ ممزوجة بشيء كثير من قلة اهتمام وأحياناً احتقار وسوء معاملة من أساتذته، مختومة بأساليب تقويم بالية فيها مزاج وعشوائية! فماذا تنتظر إذاً من خريج –في الطب أو الهندسة أو المحاماة- يعاني من خلل في نظرته للعلم والعلماء واضطراب في بناء شخصيته العلمية حين يذهب إلى كندا أو غيرها من البلاد ثم يعود إلى بلاده؟ إذا كان بناء الأساسات فيه ضعف وخلل فهل تفلح الرتوش الأخيرة والتشطيبات النهائية في تعديل هذا الخلل؟

جريدة الوطن السعودية –الأحد 12 ذو الحجة 1430 ـ 29 نوفمبر 2009 العدد 3348 ـ السنة العاشرة


مبادئ التعليم.. مبادئ الحياة

14 أكتوبر 2009

في نظري أن أهم مبدأ من مبادىء تعليم البالغين هو ضرورة مشاركة المتعلم بفاعلية في العملية التعليمية التربوية، وهذا المبدأ بحد ذاته حرب على أساليب التلقين التي اعتدناها حتى في التعليم الطبي والتعليم الجامعي! يبرز ذلك في الكم الهائل من المحاضرات التي فيها من الحشو واللت والعجن ما الله به عليم! لا يمكن لأي راشد بالغ أن يتعلم ولا أقول أن يحفظ – فرق بين الاثنين كبير – أقول لا يمكن أن يتعلم بدون أن يكون له دور فعال في تعليم نفسه وفي قيامه بدور إيجابي ومشاركته بعمل ذي بال يسهم في تعليم نفسه ما أريد له اكتسابه من كفايات! إن الهدف هو إخراج قائد لا حافظ تابع! إن مشاركة المرء في العملية التعليمية تشعره بإنسانيته كإنسان له كيان ودور فاعل يقوم به، كما تشعره بمسؤوليته تجاه العلم والتعلم، وتحفز فيه قدراته الدفينة وتدفعه إلى اكتشاف مهاراته الذاتية، وأكبر هدف أن تشجعه على التفكير! وإن طالب الطب الكسول الحافظ، قد يكون طبيباً لكنه كسول حافظ، ما زاد بكونه طبيباً إلا كما زادت الأصفار على الطرف الأيسر من الأرقام! وهكذا هي الحياة إن لم تبادر وتعمل وتشارك أكلتك الساعات والأيام وصرت حبيس دموع الندم وحسرات الأسى على ضياع الفرص! وإن الذي يضع في مخيلته هدفاً سامياً يسعى إليه دائماً سيحقق عشرات الأهداف المرحلية التي من تتابعها ستبلغه قصده ومبتغاه، وكما يقول الأستاذ أحمد أمين، إن الذي يجري في سباق الأربعمئة متر لا يشعر بالتعب وهو يقطع المئة الأولى ولا حين يقطع المئة الثانية ولا الثالثة، لأن هدفه كبير وواضح وهو يسعى إليه بكل جد وقوة! والآن انظر إلى نفسك أين هدفك وأنت تجري؟ بل هل أنت أو أنتِ من الذين يجرون أصلاً في سباق هذه الحياة؟ أم تم الاكتفاء بالتصفيق لأولئك الذين يجرون؟ أم هي المتابعة البليدة الباردة الميتة لمن يعمل ويجري وينتج ويبدع؟ أم لا هذه ولا تلك “ولا هم يحزنون” بل الضرب على الآذان والنوم في كهف غفلةٍ سنين لا يعلم مداها إلا الله!!!

لعل هذا المبدأ غريب بعض الشيء، إذ لا يستوي أن يكون الشيء قليلاً وهو كثير في نفس الوقت! ولا يعقل أن تقدم كثيراً ولا يعتبره آخرون إلا نقصاً لأن الكثير ليس كثيراً دائماً! إن هذا المبدأ على غرابته يحمل العلاج الناجع لعملية الحشو النظري والتكرار المزعج لكثير مما لا يحتاجه طالب العلم وتحديداً طالب الطب. إن طالب الطب في جل كلياتنا الطبية إن لم يكن كلها ينهمر فوق دماغه المسكين في سنوات ما يسمى بالعلوم الأساسية – الأولى إلى الثالثة بل وإلى السنة الرابعة في بعض الكليات!!- طوفان من المعلومات التي لا علاقة لها بما سيكون عليه هذا الطبيب في مستقبله! وجميع الأساتذة – مع كل التقدير لجميع التخصصات ولا علاقة لهذا الطرح بقدرات أساتذة العلوم الأساسية في صميم تخصصاتهم – يحشو ويصب المعلومات صباً بكل شيء يعرفه في عقول الطلاب، والبعض منهم يفهم خطأً أن الأستاذ يجب أن يقدم الكثير من المعلومات فلو أخذ الطالب بعضها أفلح! ولا يستثنى في هذا بعض من أساتذة العلوم السريرية، وإنما الواجب أن تُحدد مخرجات التعلم وبناءً عليها تحدد الكفايات العلمية والمهارية التي يجب أن تدرس، ولا يقوم بهذا العمل إلا أطباء وخبراء التعليم الطبي لا أن يترك الأمر على هوى كل أستاذ وعلى مزاج كل قسم بحجة أنهم أعلم بتخصصاتهم من غيرهم!! ومن هنا نفهم أن القليل من الكفايات العلمية والمهارية الضرورية والمهمة والتي تدرس بأسلوب فعَال وحيوي خير من أطنان من الزخم الكثير الذي بلونا به طلابنا وأشغلنا به أنفسنا. وهكذا هي الحياة! كثير من التركيز على قليل من الأهداف الواضحة ليبلغ الإنسان مبتغاه! يجب ألا نركز على الكم بل على الكيف! التكاثر مرض مله وحري بالعاقل أن يحرص على النوعية الفعالة المتميزة!

هناك كفايات علمية ومهارية وسلوكية في التعليم، وتتسابق المناهج في التأكيد على العلمية والمهارية منها وتنسى أو تتناسى السلوكية! ويبذل الأساتذة قصارى جهدهم في التدريس ويغيب عن بعضهم أشد وأخطر أساليب التدريس تأثيرا ألا وهو التعليم بالقدوة والمثال! ما هو أثر الأستاذ المتمكن من مادته ولكنه مغرور متعالٍ معجب بنفسه لدرجة التيه لا يرى أن هناك من يفهم سواه؟ ما الذي سيرتبط في خلد طلابه وطالباته؟ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سينطبع في دواخلهم :”إنك حتى تكون متمكناً مما تتعلم فيجب أن تكون مغروراً متعالياً كهذا الأستاذ!!” أليس هذا بصحيح؟؟! أعجب من حال بعض الأساتذة الجامعيين – من أطباء وغيرهم – وهم يسبحون في عالم من الثقة المفرطة بالنفس والغرور الذي لا حد له، وفي نفس الوقت آسف على حال الطلاب الذين قدر لهم أن يصطلوا بنار هؤلاء المغرورين! نحن نريد من طلابنا أن يحبوا العلم ويشغفوا به وأن يذوبوا في بحره وعالمه، وهؤلاء يريدون لهم أن يغرقوا في أنفس مريضة بلا فكر ولا وعي حضاري! وما أكثر الغارقين في أنفسهم في هذه الحياة! هل أنت واحد منهم!

لا أثمن ولا أنفع لأي عالم أو طالب علم حقيقي-مهما تعددت مسمياته: استشاري، أخصائي، طبيب مقيم، طبيب امتياز، طالب طب، أو في أي فرع آخر، من رأي ناقد منصف يعطي التقويم المتزن لأسلوب الأداء. والناس ليسوا أغبياء، ولا يجب على أي عاقل أن يفترض هذا الافتراض أساساً، لذا وجدت من أجمل الأساليب في الحديث عن النقد الرجعي هذا بسؤال الشخص المعني: كيف كانت تجربتك في هذا العمل (الدورة، المقرر،..)؟ وكيف تنوي تحسين هذا الأداء؟ ولا غرابة في ظني أن غالبيتنا على دراية كافية بما يميزه وما ينقصه وما هو محتاج إليه، وإنما نحن بحاجة فعلاً إلى من يدفعنا إلى تحسين أدائنا وإلى من يشجعنا على استخراج أفضل ما عندنا من مهارات وقدرات. بل إن أي متعلم بالغ – مهما علت درجته – يجب أن يحرص على أخذ آراء وتقويم من حوله، لأن المفترض أن الإنسان بطبعه بل إن الكون كله بفطرته، في حالة حركة مستمرة وتغيير دائم لا ينتهي، فالشمس تجري، والقمر له منازل متعددة والكون في حالة توسع مستمر! إن العالم أو المتعلم قد ينشأ عنده الخطأ صغيراً ثم تمضي به السنين دون تعديل فيصبح عيباً فاضحاً! والغريب أن جل ما نفهمه في النقد الرجعي ينم عن بخل وشح نفس شديدين!! إذ لا يعني هذا عندنا إلا انتقاد السلبيات والحديث عن النقائص ولا حديث ولا ثناء على الإتقان والإبداع! وفي نظري أن من كمال النفس هو قدرتها على إعطاء هذا النقد المتزن وتقبلها له إذا بذل لها.

جريدة الوطن السعودية – الأربعاء 25 شوال 1430 ـ 14 أكتوبر 2009 العدد 3302 ـ السنة العاشرة


فن الحياة

6 سبتمبر 2009

هل للحياة فن؟ وإذا كان هناك فن فهل نجيد نحن هذا الفن؟ ما هي معالم هذا الفن؟ ما هي أهدافه؟ ما هو مفهوم “الحياة الطيبة” التي تحدث عنها القرآن الكريم؟

هذا بحث طويل أتمنى أن يتصدى له نفر من المفكرين المقتدرين لكي يعلمونا كيف نعيش! أستغرب كثيراً وأنا طبيب أجلس في عيادتي وأستمع إلى مريض يشتكي من حرقان المريء وحموضة المعدة التي توقظه ليلاً وسوء الهضم المزمن والقولون العصبي، ولا يريد إلا دواءً جديداً فعالاً في مقاومة هذا الأمر، ويخرج من جعبته عدة أدوية هي كل ما أعرف لأوصفه في مثل هذه الحالة، ويظهر لي حيرته وعجزه وتعبه ومعاناته، وبعد وقت قصير من التاريخ المرضي الذي أستخلصه من مريضي هذا يتبين لي أنه يأكل كميات من الأكل تكفي لأن تقيم أود أربعة أشخاص معه! وأظن مع ضخامة ما يأكل أن معدته المسكينة قد استطالت لدرجة أنها أصبحت بحجم ثلاجة في سوبرماركت! أواجه مريضي بأن الموضوع سهل وحله في متناول يديه إن أراد! “لا تُخط فمك ولكن استرشد في الأكل واقتصد وحاول ألا تأكل إلاّ قبل ساعتين أو ثلاثة من موعد نومك” “ولا يجب أن تكون وجبة العشاء كالغداء فيها ما لذ وطاب من اللحوم وخلافه” وغير ذلك من إرشادات، وأول ما ألحظ في عيني مريضي هو أنه يفكر في طبيب آخر-غيري- يوصف أدوية! لأن هذا الطبيب الذي أمامه لا يعرف أدوية جديدة!

إن كثيراً من مشاكلنا العويصة يكمن حلها في سلوكيات صحية بسيطة تحتاج إلى إرادة! التخمة وحرقان المريء وسوء الهضم اضطرابات كثيرة فلماذا نستسلم لشهوة الأكل المفرط ونرضى بكل هذه التوابع المزعجة؟ إن ذلك أول المحطات في هذا الطريق السريع الذي سيمر بمحطات السكر والضغط وتصلب الشرايين وجلطات القلب والدماغ –أجاركم الله-! أين حق البدن-كما تعلمنا نظرية الحقوق الإسلامية- في المحافظة عليه وتعهده بالرياضة وغيرها؟

لماذا لا يرى بعضنا متعة في حياته إلا في الأكل فقط؟ لماذا لا نأخذ منه حاجتنا ونلتفت إلى غيره؟ البعض يظن وهماً أنه سيموت جوعاً لو لم يلتهم كل هذه الكمية! وآخرون لا يرون متعة إلا في التدخين –على خطورته-؟ وآخرون في الجنس ولا شيء غير الجنس! بعض الناس وللأسف مصاب وهماً بسعار جنسي يجعله يرى أشياء في مخيلته هو وحده لا يراها غيره أبداً! فإذا تكلمت امرأة فبدافع جنسي! وإذا قام رجل بحركة ما فإنما هي بدافع وبعد جنسي! وإذا تكلم رجل وامرأة في أي مكان وتحت أي ظرف وزمان فبدافع ورغبة جنسية! هذه ثقافة مرضية تكاد تكون آثارها قد عمت في سلوكياتنا كلنا جميعاً شعرنا أم لم نشعر! إنها تلغي وللأسف إنسانية التعامل التي يجب أن تكون هي الأساس برصيد من الاحترام المتبادل والتقدير للشخص في فكره ورأيه لا لجنسه.

الحياة أيضاً عند آخرين ليست إلا حديثاً عن القبر وعذابه وعن النار وعذابها وقليل من الحديث عن الجنة ونعيمها وبالجملة حديث عن الآخرة كأننا فيها! عجباً ومن سيعمر الدنيا إذا أبيضت أعيننا من الحزن والخوف والهلع من الآخرة؟ هل هذا هو أسلوب العيش الحميد الذي يدعونا إليه القرآن الكريم؟ إن فقيهاً ومربياً كابن الجوزي يعتبر أن انشغال المرء بالتعبد عن تحصيل العلم من مظاهر تلبيس إبليس وتضليله للخلق، بل إنه ليكره لنفسه كما يقول في صيد الخاطر:” لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أكثر زيارة القبور وأن أحضر المحتضرين لأن ذلك يؤثر في فكري، ويخرجني من حيِز المتشاغلين بالعلم إلى مقام الفكر في الموت (لاحظ هو يريد الفكر في الحياة!) و لا أنتفع بنفسي مدة”، وحقيقة فإن ديننا –كما يذكر الدكتور عماد الدين خليل- فيه دعوة مفتوحة إلى مد الشعور بالحياة! فنظرة المؤمن واسعة شاملة وهمته عالية وروحه كبيرة تشمل الدنيا والآخرة، لأن هنا حياة وهناك حياة ممتدة من هذه الحياة.

والحياة عند آخرين مال ولا شيء غير المال، لا ضير إن جاء من هذا الطريق أو ذاك ، ولا بأس إن كان حلالاً أم حراماً، وهنا إلغاء تام للحياة الأخرى وإغفالها ونسيانها من الشعور والإدراك! يعيش هنا الإنسان تحت وهم الغنى وخوف الفقر فلا يزداد مالاً إلا ويزداد طغياناً وضلالاً، وهذا بخلاف السعي الحر الشريف في طلب المال بالعمل والإبداع فيه.

من الذي رسخ في اعتقادنا أن الحياة هي تجهم وغضب وتكشير وجفاء! أين الابتسامة في حياتنا اليومية؟ أين المبادرة بالسلام والمصارحة في المشاعر والصدق فيها “إني أحبك في الله” التي حض عليها الهدي النبوي؟ أين عبارات المدح والثناء والإعجاب والإطراء التي يجب أن نبثها فيمن حولنا؟ أين المرح في حياتنا؟ أين الدعابة؟

ومن جهة أخرى ما سبب هذا الكسل والخمول الذي يعشش فينا؟ أين قيم العمل؟ هل نحمل كمجتمع ثقافة العمل وإتقانه؟ هل نحس بأهمية العمل وبذل الجهد ودوره في بناء الشخصية؟ أعجبني قديماً أحد الآباء المربين وهو يوصي زميلاً لي في كلية الطب ونحن يومها طلاب: يا بني حاول أن تتعب؟ وكأن التعب والنصب في سبيل ما يريده الإنسان هو حياة حقيقية فيها فرح بالإنجاز وشعور بالفاعلية وإشباع لروح التحدي والمخاطرة! ولأمر ما ارتبط ذكر الحياة الطيبة بالعمل الصالح –على إطلاقه-والذي يشمل- مما يشمل- كل عمل إبداعي حضاري نفعي :”من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون” (النحل-97).

التوازن أمر مطلوب في هذه الحياة مع تحرر من أسر الأوهام الفارغة التي تحبسنا في دهاليز أنفسنا، والنظر بمنظار الأمل والتفاؤل، والانفتاح على معالم حق وخير ومعان رائعة في هذه الحياة لطالما حرمنا أنفسنا منها.

جريدة الوطن السعودية – الأحد 16 رمضان 1430 ـ 6 سبتمبر 2009 العدد 3264 ـ السنة التاسعة


كلمة إلى المشاركات في مقرر المهارات السريرية – ١٤٣٠هـ

3 أغسطس 2009

الدكتورة/ نوف الريشي وزميلاتها الرائدات في مقرر ABC-Clinical Skills Course في دورته الرابعة والمنعقدة في الفترة الحالية من شهر رجب/ يوليو 7/ 1430 – 7/ 2009.

وقعت عينيَ على هذه العبارة حين كنت أقلب النظر في أي الكتب أقرأ هذا الصيف…يقول عبدالرحمن الكواكبي :” الترقي هو الحركة الحيوية، أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط ، وهو الحركة إلى الموت أو الإنحلال، أو الإستحالة أو الإنقلاب. فإذا رأينا في أمة آثار حركة الترقي (الشخوص) هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة. ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت”

إن الأمة..والوطن ..والمدينة..والكلية..والمستشفى…مكونة من أفراد، وحياة هؤلاء الأفراد في حركتهم وحياة مجتمعهم من حياتهم!

لقد شعرت وأنا أرقب اليوم الإثنين 20/7/1430 – 13/7/ 2009 حفل هذا المقررفي كلية الطب-جامعة أم القرى،أن هناك مجتمع علمي يضج بالحياة والحركة والنشاط والإبداع بثثتموه أنتم يا طالبات أم القرى في محيطكم..

مما يميز هذه الحياة هو الإيجابية والمبادرة وخلق الفرص، وهذا تماماً ما فعلتموه أنتم في هذا المقرر الصيفي الذي تعقدونه سنوياً- بإشراف أكاديمي بسيط من قبلنا- في إستقطاع أوقاتكم تخطيطاً وإعداداً، وبذل الجهد منكم شرحاً وإيضاحاً لزميلاتكن اللاتي سيبدأن مقرراتهن السريرية…

ومما يميز هذه الحياة أيضاً حب العلم والشغف به، وحب نشر الخير والسعي لترقي الناس……….. إن الحياة الحقيقية هي في البذل والعطاء.. عطاء العلم والجهد والمال والتقدير والكلمة الطيبة..كل ذلك وجدته في كل ثانية بل وفي كل زاوية من حفلكم، لقد كان يجلس بينكم ومعكم وأنتم تكرمون وتذكرون بكل خير من أنشأ هذا المقرر من زميلاتكن ومن توالى على إنجاحه عبر السنوات منكن، ولقد كان الإتقان ينصت لكم وأنتم تقدمون مقرركم بتنظيم وترتيب يعجز عن مثله بعض الأساتذة….

ولكم كنت أتمنى لو حضر معنا الدكتور/ عبدالعزيز الخوتاني –عميد الكلية – ليشهد مغتبطاً نفراً من طلبته، مقتدر قيادياً، يحلق في سماء الإبداع والإتقان، إذ لا سعادة لأي معلم إلا أن يرى طلبته متمكنين قياديين رواد متميزين محبين شغوفين بما بين جوانحهم من علم ومعرفة… إلا أن ظروف سفره ومشاركته في إحدى الدورات العلمية حالت بينه وبين حضور هذا الحفل، ولكم أثقل عليَ بكثرة ما ألح في التأكيد على شكركم والإشادة بصنيعكم والإعتذار عن تعسر حضوره…

ولكم كنت أتمنى أيضاً أن يحضر الدكتور/ عبدالعزيز ليشهد معي كيف غمرتمونا بتقديركم وحبكم وإحترامكم وإمتنانكم له شخصياً ولي ولجميع أساتذتكم..
حقيقة قد تصاغرت كثيراً أمام نفسي إزاء ما رأيته وسمعته  وأحسسته من تقديركم وجميل تعابيركم وحسن ظنكم في، بل شعرت أني ضعيف متطامن أمام قوة إمتنانكم ورونق ورقي كلماتكم في، ولا أخفيكم أن عيناي قد اغرورقت بدمع شكر وعرفان لكُن، إذ أننا جميعاً نعيش في بيئة قل فيها من يعلي شأن الإبداع والمبدعين، لقد قضيت لحظات أعتبرها- ولا أبالغ- من أجمل لحظات حياتي! وهذا حفل لن أنساه ما حييت!

ورجائي وأملي ألا ينقطع غصن العطاء هذا المتمثل الآن في هذا المقرر، بل كلنا نريده مستمراً في النمو والكبر ليصبح شامخاً عالياً في تميزه، عميقاً غائراً في أرض كلية تفخر بأن لها طلبة أمثالكن يؤمنون بمبدإ العطاء بلا حدود والمتمثل في التعليم التعاوني التعاضدي الذي أنتم من طبقتموه بطريقة رائدة قل أن يوجد لها مثيل – حقيقة وبدون مبالغة- على مستوى العالم، وكلي أمل من الدكتور/ عبدالعزيز أن كما دعم هذا المقرر معنوياً أن يوفر له دعماً مادياً، وأقولها بكل صراحة إن لم يحدث هذا في عهدك فلن يحدث أبداً في عهد من بعدك! فأنت- حقيقة لا مجاملة- قد أحدثت نقلة نوعية في الكلية بشهادة الجميع ومثلك في الوعي والإهتمام يقدر هذا الجهد من بناته وأبنائه الطلاب ويحرص على أن يوفر له كل دعم ممكن…

أما أنتن – يا ثلة من الطبيبات المبدعات الرائدات- فهيا…!! هيا إلى مزيد من الإبداع والعمل، فأمامكن ساحات كبيرة ممتدة، وكثير منها خالية أو قليل روادها- تنتظركن وتنتظر حركة كل فرد منكن، وتتعطش إلى رؤية إبداعاتكن وإنجازاتكن، وإلى رؤيتكن جميعاً طبيبات متمكنات، قياديات فاعلات، تدلون بدلوكم في خدمة أهليكم وبلدكم، وتدعمون مسيرة الحراك الحضاري الذي سيخرج أمتنا –بأمر الله- من ظلمات الجهل والفقر والمرض إلى آفاق العلم والصحة والرفاهية..

ولا تبخلوا على من تشرف بتعليمكم شيئاً مثلي أن تشركوه فرحتكن بإنجازاتكن العلمية والطبية، حتى وإن توالت الأيام وتتابعت السنين، لأن ما نحن بصدده من رقي الأهداف التي نسعى لها، وشرف ما نشتغل به من طب وعلم، وما ينشأبيننا من علاقة سامية تبعاً لذلك ، لا يحده لا زمان ولا مكان، إنما هو باقٍ بأمر الله مابقينا وما بقيت هذه الأرض…
وتذكرن دائماً –كما قال الكواكبي- أن الترقي هو الحركة، بل إن الحياة حركة! فلا تلجأن إلى القعود والسكون بل قاومن ذلك أبداً، رعاكن الله وحفظكن من كل مكروه..

من أكرمه الله بخدمة العلم والعلماء: هاني المعلم


ثقافة الاستهلاك حتى في التعليم

30 يوليو 2009

كُثر هم المفكرون والمثقفون الذين كتبوا وصفاً وتحليلاً للثقافة التي تعشش في أذهاننا، وذلك سعياً منهم لتشخيص عللنا لنرقى من ثَم إلى فكر التحضر والتقدم، من أبرز سمات وملامح هذه الثقافة التي أزعم أنها مريضة وبحاجة إلى العلاج، غلبة الاستهلاك على الإنتاج، وهنا أحاول أن أبين كيف استفحلت ثقافة الاستهلاك هذه في مجال التعليم –الطبي تحديداً- وأصبحت عقبة كأداء أمام التطوير.

لاحظت غلبة استخدام مصطلح “التعليم المبني على المعضلات” “problem-based learning” لدى كثير من الزملاء الأطباء في عدة كليات طبية داخل وخارج بلدنا الغالي، وحتى عندما أسأل زميلاً عن وضع الكلية – كلية الطب – والمناهج فإنه يبادرني مباشرة بالقول – دلالة على التحضر والتطور -: إننا نطبق مبدأ التعليم المبني على المعضلات، وبهذه المعلومة فقط يريد زميلي هذا أن أظهر له علامات الاستحسان والتعجب والرضا، وأن أكيل عبارات التمجيد والتبجيل، وأن أحمد هذه الخطوة الجبارة، وأن أسهب في الثناء كما لو أني أتغزل في مزايا سيارة جديدة اشتراها أو ساعة غالية لماركة عالمية تزين معصمه!

هناك اتجاه حديث في النظر إلى أبحاث التعليم الطبي لا يقلل من شأن هذه الأبحاث وأهميتها، ولكن يطالب بإعادة صياغة معاييرها ومقاييسها لتصبح أكثر دقة ومصداقية. إننا نعلم أن جل أبحاث التعليم الطبي هي من النوع النوعي وليس الكمي، أي لا توجد لديك مقاييس محددة تلجأ إليها لمعرفة نتائج بحثك كما هو المتبع في البحوث الطبية التقليدية التي تضع مقاييس محددة كنتائج لأبحاثها كمقياس الضغط قبل وبعد استخدام الدواء أو كعدد المفاصل الملتهبة قبل وبعد الدواء أو مقياس مختبري كوظائف الكلية أو الكبد وخلاف ذلك، في التعليم الطبي يندر وجود مثل هذا التحديد الدقيق في المقاييس وبالتالي تعميم نتائج بحوث التعليم الطبي قد لا يكون دقيقاً أيضا، معنى ذلك عند أصحاب هذا الاتجاه – وهو اتجاه متنام وله حجة وجيهة – أن نتائج البحوث المنشورة في التعليم المبني على المعضلات من أمستردام – تعتبر المدرسة الهولندية من أكثر المدارس الطبية تطرفاً في القناعة بالجودة المطلقة للتعليم المبني على المعضلات – لا تعني بالضرورة فعالية هذه الطريقة إذا طبقت في مكان آخر غير أمستردام! لماذا؟ لأن طالب الطب في باريس ونيويورك ومكة وطوكيو مختلف عن طالب الطب في أمستردام، في تركيبه الفكري والنفسي، في ترتيب مناهجه الدراسية، في نمط وأسلوب دراسته، في أساليب تقييمه.

إذاً كيف نستفيد من نتائج البحوث العديدة التي أشارت إلى أفضلية هذه الطريقة أو تلك؟ وما العمل إزاء بحوث عديدة قارنت بين طلبة تخرجوا من مناهج مبنية على المعضلات وآخرين خريجي مناهج تقليدية؟ الحق أننا يجب أن ننظر إلى المبدأ الذي تعتمد عليه هذه الطرق والأساليب، ومن ثم يأتي الاستئناس بنتائج مثل هذه البحوث والدراسات، ومن ثمَ التطبيق الحذر على واقعنا التعليمي!

كيف يمكن أن يحدث هذا؟ طريقة التعليم المبني على المعضلات ترتكز على مبدأ مركزية الطالب وليس الأستاذ في العملية التعليمية، فالطالب مسؤول عن تعلمه مسؤولية تكاد تكون مطلقة! فهو الذي يضع الأهداف، وهو الذي يبحث عن المعلومة، وهو الذي يصل إلى النتائج، وكل ذلك طبعاً بإشراف أكاديمي، أضف إلى ذلك أن طريقة التعليم هذه ليست إلا مثالاً واحداً فقط لعدة طرق وأساليب تعليمية تعتمد على مبدأ المشاركة الفعالة الإيجابية للطالب في العملية التعليمية، وليس الحفظ والتلقين والتبلد والخمول. فقبل النظر في طريقة ما يجب أن نسعى إلى تطبيق هذه المبادئ في تعليمنا، فهل الطالب عندنا هو محور العملية التعليمية أم إن الأستاذ هو الكل في الكل؟

حتى تنجح مشاريعنا التطويرية يجب أن نتبنى منهجاً شمولياً يُراعى فيه عدة أمور، أولها أستاذ كلية الطب وضرورة تطوير مهاراته، ضرورة تحديد الكفايات الواجب توافرها في خريج كلية الطب في بلادنا ومن ثم تحديد الكفايات المرحلية حتى يتسنى للقائمين المقتدرين على التعليم-من الأطباء وليس من أساتذة كليات العلوم والأحياء الدقيقة- صياغة برامج وطرق تعليمية-من ضمنها طريقة التعليم المبني على المعضلات- تسعى إلى تحقيق وجود هذه الكفايات في الطلاب بنهاية مقرراتهم، إعادة غربلة أساليب التقويم التي تستخدم في جل كليات الطب في بلادنا

إن ما لم يؤكد عليه كثير من بحوث التعليم المبني على المعضلات بشكل واضح وبارز: هو أن الطلبة كانوا مرتاحين نفسياً ومعنوياً وسعداء بما يقومون به من نشاط وهذا يفسر كثيراً أسباب النجاح الخارق لهذه الطريقة، ونحن نسعى إلى تطوير التعليم علينا إذاً أن نفكر كثيراً في توفير أجواء من الراحة النفسية تشجع على العلم والتحصيل والإنتاج عند طلبتنا. لقد أورثنا طلبتنا – وما زلنا نورثهم – الكثير من العقد النفسية بسبب الأساتذة المعقدين أصلاً – سواء من أساتذة العلوم الأساسية أو الأطباء الاستشاريين – وبسبب مناهج قديمة متخلفة وأساليب تقويم بالية. وهناك قضية أساسية مهمة ألا وهي ضرورة توفير مصادر تعليمية جبارة في متناول طلابنا من مكتبات منظمة متجددة وتقنيات إلكترونية عالية..كل ذلك يجب أن يتحسن قبل أن نفكر في نجاح أي طريقة تعليمية جديدة.

أمر آخر علينا مراعاته هو تجهيز وتأهيل طلبتنا للتعامل مع الطرق الحديثة هذه، إن طلبتنا هم ضحايا حفظ وتلقين، وإن كثيراً منهم يفقد مهارات التعلم الأساسية (أذكر هذا بناءً على دراسة لي منشورة في هذا المجال)، وإن السعي غير الواعي إلى تطبيق ما هب ودب من أساليب تعليمية حديثة دون النظر إلى مراعاة حال طلابنا هو الوصفة المؤكدة لفشل هذه الطريقة أو تلك. إني أنظر بإجلال واحترام إلى المدرسة السنغافورية الآسيوية في التعليم الطبي، والتي بدأت تكتسب احتراماً عالمياً، إحدى صوره مؤتمر سنوي عالمي متنام في التعليم الطبي في جامعة سنغافورة، ورغم ذلك فإن مقدار استخدامهم للتعليم المبني على المعضلات مقارنة بطرق وأساليب التعليم الأخرى التي يستخدمونها لا يتجاوز 20%، وما ذلك إلا أن هذا في ظنهم هو الأنسب لطلبتهم، ولا غرابة إذاً أن تكون النسبة 100% في جامعة ماسترخت بهولندا لأن هذا في ظنهم هو ما يناسب طلبتهم! فما الذي يناسب طلبتنا نحن؟

تصويب: ورد في المقال السابق، خطأ “كالحمار يحمل أسفاراً” والحق أن الآية الكريمة: “كمثل الحمار يحمل أسفارا”- سورة الجمعة – آية 5- أشكر عدداً من الأساتذة الكرام على التنويه.

جريدة الوطن السعودية – الخميس 8 شعبان 1430 ـ 30 يوليو 2009 العدد 3226 ـ السنة التاسعة