أرشيف تصنيف 'غير منشورة'

كنوز مدفونة أم محنة ثقافة مريضة؟

21 يناير 2010

يكثر الصخب حول تصريحات أو مقالات صحفية فيها ما يظن أنه (جديد) و(جريء) من الآراء، وتتم تداولها بين الناس كما لو أنها كانت فتحاً وإنجازاً عظيماً!! والمعروف أن كلمات قليلة في صحيفة أو تمتمات قصيرة في قناة تليفزيونية لا تبني ثقافة ولا تصنع فكراً بل قد تثير رأياً أو زوبعة لكن شتان بين بناء الأفكار الذي يتجذر في السلوك لينتج نقاءً وصواباً، وبين كلمة في مهب ريح عابرة من هنا وهناك، لا يلبث أن يتلقاها الإنسان بلسانه لينساها فضلاً عن أن يكون لها أي تأثير في تعديل سلوك أو تصحيح مسار.

أحاديث صحيحة من السنة البنوية الشريفة قد يقرأها بعضنا لأول مرة في حياته حول موضوع حساس (في مجتمعنا تحديداً) هو موضوع الإختلاط، وسبب الإثارة والإهتمام هو المصدر الذي أعاد تسليط شيء من الضوء حول هذه الأحاديث وما تلقيه وتبثه من معاني، ويتم نشر مطول للقاءات صحفية ومقالات لرموز يظن أنها تنتمي لمدرسة محافظة، ومن ثم يأتي حجم الصخب بل والشغب الذي يأتي حول هذه الأحاديث والمقالات مابين ناقد مستهجن وآخر مستعجب مستغرب وثالث غير مصدق.

عدة أمور نستطيع أن نقرأها هنا: ما هي هذه الإنتقائية التي نعاني منها في التعامل مع النصوص؟ وهل هذا من قريب أو من بعيد يندرج تحت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويهمش بعضه؟ وما هو المزيد الذي لازال مخبوءاً ومعتماً عليه؟ ثم إلى متى نستمر إجتراراً للمفهوم العجيب، مفهوم الخصوصية السعودي، الذي لا يجعلنا ننظر للأفكار الجريئة إلا إذا صدرت من أبناء الجزيرة، بل أبناء مدرسة معينة، بل أبناء-أحياناً-منطقة معينة؟ هل هذا متفق متطابق مع حرية الرأي والفكر؟ أم أنه إمتداد لمفهوم (إنا وجدنا آباءنا على أمة..)ومفهوم (لا أريكم إلا ما أرى)؟ ثم إلى متى نستمر في ثقافة رد الفعل هذه؟ لماذا لا ندرك ونفكرإلا بعد أن تحدث كارثة فظيعة أوتجاوزات خطيرة؟

إن كتاباً موسوعياً رائعاً ككتاب (تحرير المرأة في عهد الرسالة) للأستاذ/ عبدالحليم أبو شقة يعد بحق عملاً منهجياً تأصيلياً لنظرة الإسلام للمرأة، وعرض موثق لآلية وطبيعة حياة المرأة في مجتمع النبوة، وطبيعة دورها العلمي والتربوي والقيادي والسياسي، لم ينتج هذا العمل من عدة لقاءات صحفية أو من قراءة لمقالات متفرقة من هنا وهناك، إنما هو نتاج عمل دؤوب جاوز العشرين عاماً بحثاً وتنقيباً في صحيح السنة فقط عن كل ما يتعلق بالمرأة، ثم متابعة شروح العلماء في أمهات كتب الحديث، ووضع الجميع في بوتقة واحدة مستظلاً بكتاب الله بعيداً عن التقاليد البالية والعادات التي ما أنزل الله بها من سلطان، ليخرج لنا كتاباً موسوعياً في ستة مجلدات. إن دراسة مثل هذه الكتب وليس قراءتها وحسب هي التي تبني ثقافة إنسانية حضارية راقية فيها إحترام للمرأة وتقديرلدورها كما أن فيها أصالة ومعاصرة، ولا عجب في أن قدم لهذا الكتاب علماء كبار أفاضل أمثال الشيخ/ محمد الغزالي-رحمه الله- والدكتور/ يوسف القرضاوي.

لقد قرأت هذا الكتاب منذ أكثر من عقد من الزمان، ولم أحصل عليه إلا صدفة في إحدى معارض القاهرة للكتاب، ولم أره إلى الآن يباع في أي مكتبة سعودية، فإلى كل من أراد أن يشفي نفسه-مثلي- في موضوع المرأة فعليه بهذا الكتاب، ولا أزعم أن كل ما فيه هو الحق المطلق، إن أحداً لا يدعي مثل هذا، لكن أقل ما ستخرج به بعد القراءة هو نظرة جديدة، وستلاحظ كما لا حظت كمية الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع والتي تمت تعميتها عنا-عن قصد أو بدون قصد!

وإستتباعاً لهذه المنهجية في سبر النظر في صحيح السنة ودراسة ما بداخل النص وما حوله من ظروف نفسية وإجتماعية لنحصل على خطاب إسلامي حضاري معاصر، تأتي دعوة الأستاذ الدكتور المؤرخ/أحمد شلبي، صاحب موسوعة تاريخ الإسلام وموسوعة الحضارة الإسلامية إلى إعادة كتابة السيرة النبوية، إذ أن أساس كتابة السيرة كان تدويناً لمغازي وسير رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ولم يكن فيه كشف لتفاصيل الحياة النبوية اليومية المعاشة بأحوالها وتقلباتها، وجل تفاصيل الأمور اليومية المعاشة إنما هي مبثوثة في المئات من أحاديث السنن التي تذكر بعيداً عن التصور المعاصر عن كيفية بناء الشخصية بكل مكوناتها النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، إننا بحاجة إلى سيرة نبوية إنسانية تعلمنا أول ما تعلمنا كيف نبني أنفسنا وأفكارنا وسلوكياتنا على منهاج سليم.

وأود أن أشير في هذه العجالة إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم على أنه لون من ألوان التفسير له أساتذته وعلماؤه –القليلون-على ضوء ماأرى من تفاسير وجهود علمية، ولكنه تفسير-في إحدى صوره ومناحيه- يربط لك السورة بما قبلها وبما بعدها، بل يربط مقدمة السورة بخاتمتها ويربط كل آية بما قبلها وما بعدها، ويجعل لكل سورة محوراً تسعى إلى عرضه والتركيز عليه، ولا يغفل هذا التفسير النواحي اللغوية والفقهية وأسباب النزول، ويركز على النواحي الجمالية والفنية في الآيات، إلا أن روعته تكمن في سبر غور القصص القرآني فهماً وتحليلاًلإستنباط سنن تغيير الأنفس والمجتمعات مستخدماً لغة العصر وآلياته.

لا يهم في قصة ذي القرنين –على سبيل المثال- الوارد ذكرها في سورة الكهف- على الأقل في الجانب التربوي النفسي الحضاري- أن نعرف تحديداً من هو؟ وهل هو ملك فارسي أم صيني؟ وهل كان نبياً أم لا؟وهل سور الصين العظيم هو الذي تحدث عنه القرآن أم لا؟ وأين هي “العين الحمئة” التي تحدثت عنها الآيات؟ هل هي آبار النفط الموجودة في بحيرة قزوين أم لا؟ وهل مطلع الشمس هو عند ساحل بحر اليابان أم لا؟ ومن الواضح أن جميع ذلك قد يستخدم مع قرائنه في دراسات جغرافية تاريخية تستضيء بكتاب الله، لكن هذا هو الفرع، إنما الأصل صياغة جميع معطيات ومعاني وظلال الآيات في بناء القيم وغرس المفاهيم والتصورات، إذ تمثل شخصية ذي القرنين نموذجاً قرآنياً رائعاً لما يجب أن تكون عليه شخصية الإنسان المسلم من قوة في العزم (فأتبع سبباً) وثبات وعدل بل وتبحر وتمكن في العلم وهندسة بناء النفوس قبل السدود، ويجمع كل ذلك إيمان عميق وتواضع جم (قال هذا رحمة من ربي).

إننا نعيش في مرحلة تيه فكري، وإننا بحاجة قبل أن نتلمس طريقنا في صحراء أبينا إلا أن نعيش فيها، أن نعيد إكتشاف أنفسنا وثقافتنا، إلى أن نسترد أفكار البناء والإنجاز والفاعلية ممن سرقها منا، إن هناك عمل كثير ينتظرنا في حقل التقدم، ومن أول ما يجب أن نقوم به هو قلع جذور جمود الأفكار وفساد النفوس ببصائر نافذة وأيدٍ متوضئة.