أرشيف شهر نوفمبر 2009

المتلازمة الكندية.. هل هي فعلاً مرض يصيب الأطباء فقط؟

29 نوفمبر 2009

كتب عدد من الأطباء الكويتيين مقالاً ساخراً باللغة الإنجليزية – هو أقرب إلى الصور الكاريكاتيرية – يصفون فيه حالة الغرور المفرط التي تنتاب كثيراً من الأطباء الحاصلين على الزمالة الكندية حين عودتهم إلى بلادهم، وقد نُقلت فكرة المقال محلياً باللغة العربية منشورة في إحدى الصحف (دون الإشارة إلى المصدر الأساسي!) وذُكر فيه أحد أهم أعراض المرض-في نظر الكاتب وهو يصف حالة هؤلاء الأطباء- وهي أن (الطب هو أنا وأنا الطب) و(أن لا طب غير الطب الكندي). وقد لقي هذان المقالان استجابة وقبولاً واسعاً لدى أوساط الأطباء ظهر ذلك في كثرة التداول عن طريق البريد الإلكتروني إذ وصلتني رسائل من كثير من الزملاء من بلادنا ومن الخليج ومن الوطن العربي وممن ما زال في كندا.

ولا شك أن الأسلوب الساخر في الكتابة كان له دور في هذا القبول، كما أن تذمر هؤلاء الزملاء واشمئزازهم من سلوكيات الغرور هذه كانت أيضاً سبباً آخر في هذا الانتشار تعبيراً عن حالة الرفض هذه. ولا أنصب نفسي هنا منافحاً عن هؤلاء الأطباء حملة الشهادات الكندية بحكم كوني أحدهم، ولن أنبري بسرد الحجج، البراهين لرد هذه الدعوى، ولكن كل الذي أريد إيضاحه هو أن هناك حكما عاما قد تم إطلاقه وتعميمه على الجميع وفي هذا تعارض مع أبسط مبادئ التفكير الموضوعي، والأهم من ذلك أن هناك وصفاً سطحياً لظاهرة ما دون بذل الجهد للنظر في أساس هذه الظاهرة وسبب شيوعها وهل هي قاصرة فقط على حفنة من الناس دون غيرهم أم لا؟

بداية دعونا نتفق على مدى تغلغل وانغماس عقدة الإحساس بالدون أمام الأجنبي، وليس أي أجنبي! إنما هو صاحب الشعر الأشقر والعيون الزرقاء وتحديداً من أوروبا وأمريكا، إن مجرد سماع مثل هذه الألفاظ –وأنا طفل- كانت تزرع فيَّ انطباعاً بالانبهار والتقديس (فلان كان في أمريكا) (فلان درس في لندن) (فلان تخرج من أمريكا)، وقس على ذلك النظرة المجتمعية، وأنا أخص بالذكر الجانب السيئ من عقدة الأجنبي التي تشل الحركة وتصيب بالبرود والسكون (أفراداً وهيئات ومجتمعات) والاستسلام التام بل والتقديس المبالغ فيه لكل ما جاء من بلاد العم سام، وتبعاً لذلك فلا بأس إذاً أن يستغل هذا التصور-الأطباء وغير الأطباء- في الزعم بتفردهم فيما يحملونه من علم لا لشيء إلا لأنهم تحصلوه من بلاد العم سام، بل قد رأينا نفراً من الأطباء مكث في إحدى الجامعات الكندية عدة أشهر في دورة ما وعندما عاد فإذا بكل أحاديثه وآرائه العلمية إما أن تبدأ (عندما كنت في كندا) أو تذيل (هكذا كانوا يعملون في كندا)!

ويستتبع ذلك – في حالة الأطباء تحديداً – ضعف برامج التأهيل الطبي المحلية، ولا يقف حجر العثرة أمام التطوير لا قلة الإمكانات ولا قلة الكوادر السعودية عالية التأهيل القادرة على التخطيط، وإنما هي عقليات طبية إدارية متحجرة تحكم الإمساك بزمام الأمور وترفض الاستماع لصوت العلم والخبرة حينما يأتي من الداخل، لكن لا تمانع في صرف عدة ملايين لأصحاب الشعر الأشقر ليأتوا بآراء وتقارير، وياليتها تطبق وإنما تبقى حبيسة الأدراج! وإذا زعمتم أني أبالغ في تصوير ضعف برامجنا التأهيلية (البرامج التي تشرف عليها الهيئة السعودية للتخصصات الصحية لتدريب الأطباء لنيل درجة الزمالة في مختلف التخصصات الطبية)، فما عليكم إلا أن تسألوا أي طبيب أو طبيبة من حديثي التخرج، واسألوهم عن طموحهم في إكمال دراساتهم العليا: هل هم مقتنعون بالانخراط ببرنامج محلي أم إن الأعناق تشرئب في السعي للتدرب في كندا؟

وهذا الضعف في المستوى تقابله قوة وتميز في برامج التأهيل الطبية الكندية تحديداً، إذ هناك كلية الأطباء الملكية الكندية التي تفرض مقاييس علمية أكاديمية معينة لأي برنامج تأهيلي، ثم إن هناك متابعة دقيقة لأداء هذه البرامج بشكل دوري، وهناك وضوح وشفافية وقوة في اتخاذ القرارات إذ قد يوقف البرنامج بسبب ضعفه! وهناك أيضاً اختبارات فيها درجة عالية من المصداقية وبعيدة عن العشوائية ومزاجات الممتحنين (كما يحدث عندنا)، وتجد أيضاً سعياً حثيثاً من كل برنامج للتطوير وللتفاني في تدريب أطبائه، لأن كل برنامج هناك يحرص على سمعته وأدائه مقارنة بغيره من البرامج. ولا أذكر هذا الكلام تغزلاً في البرامج الكندية (في ظني أنها من أفضل البرامج عالمياً، إذ قمت بزيارة علمية للجامعات الأسترالية ضمن وفد رسمي ولا حظت فرقاً شاسعاً في فلسفة وآليات التدريب في البرامج الطبية) بقدر ما أود أن أؤكد بأن كثيراً من الأطباء يحرصون على الانخراط في هذه البرامج لأنها الأفضل والأقوى، ولا يتخرج منها الطبيب إلا وقد تحصل على مستوى قياسي محدد من الكفايات العلمية والمهارية، على أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن كل من تخرج من هناك هو عبقري زمانه لا محالة! أبداً! فما زال هناك الجانب الفردي في الإعداد والتدريب وهو مدى رغبة الشخص (الطبيب هنا) في الاستفادة القصوى من فترة التدريب هذه! فكم شاهدنا ممن تدرب في كندا وعندما عاد إلى بلاده عادت معه العادات السيئة التي كان عليها قبل أن يذهب: التعالي على المرضى، سوء معاملة الأطباء المتدربين، الغرور المفرط والاعتداد بالنفس المبالغ فيه! وكم شاهدنا -على النقيض- من أطباء وطبيبات تدربوا محلياً لكن لجهد خارق بذلوه وصعوبات عديدة تجاوزوها تجدهم أقوياء علمياً وفي قمة الأدب والتواضع!

إذاً وبخلاف كل العوامل التي ذكرتها حتى الآن: عقدة الأجنبي، ضعف البرامج المحلية في مقابل قوة الكندية، إلا أن النقطة الرئيسية التي يجب أن يتم التركيز عليها والإفاضة في دراستها، لأنها في ظني السبب الأساس في حالة غرور المكانة العلمية وضياع الأخلاقيات المهنية التي نعاني منها (سواء أكان الطبيب -أو غيره – من خريجي كندا أو خريجي البرامج المحلية)، هي غياب العقلية العلمية القائمة على روح البحث والتقصي والحرص الدؤوب على متابعة النتائج ومتابعة المستجدات، هل نحن نزرع في مدارسنا وجامعاتنا مبادئ التفكير العلمي الصحيح؟ هل نبني شخصيات علمية فيها حب العمل وثقافة الإتقان والإبداع كما أنها تعشق العلم وخدمته وتتبنى مبدأ: (ما زادتني الأيام علماً إلا علماً بجهلي)؟ هل تخرج كليات الطب في بلادنا وغيرها من البلاد العربية طبيباً مقتدراً علمياً، متزناً نفسياً، قادراً على التفكير واتخاذ القرارات، يتخلق بأخلاق العلم والعلماء؟ أم إننا نخرج طبيباً-أقل ما يقال في وصفه- إنه مسكين! طبيب مورست عليه أساليب تعليمية قائمة على التلقين والحفظ ممزوجة بشيء كثير من قلة اهتمام وأحياناً احتقار وسوء معاملة من أساتذته، مختومة بأساليب تقويم بالية فيها مزاج وعشوائية! فماذا تنتظر إذاً من خريج –في الطب أو الهندسة أو المحاماة- يعاني من خلل في نظرته للعلم والعلماء واضطراب في بناء شخصيته العلمية حين يذهب إلى كندا أو غيرها من البلاد ثم يعود إلى بلاده؟ إذا كان بناء الأساسات فيه ضعف وخلل فهل تفلح الرتوش الأخيرة والتشطيبات النهائية في تعديل هذا الخلل؟

جريدة الوطن السعودية –الأحد 12 ذو الحجة 1430 ـ 29 نوفمبر 2009 العدد 3348 ـ السنة العاشرة