منظومة القيم المتخلخلة

نحن أبناء ثقافة ترى النقد مهما كان أسلوبه منقصة ومذمة، ومن أتى به يوصف بالتجاوز والتعدي على الآخرين! والنقد عندنا لا يأتي إلا من طرف واحد وباتجاه واحد! وفي العملية التعليمية هو حق مشروع للأستاذ وللطبيب الاستشاري وللمشرف على البرنامج وقلة تربية وسوء تصرف وجحود للنعمة لطالب الطب وللطبيب المقيم المتدرب!
والحق أن هذه ظاهرة لمشكلة عويصة عميقة تتعلق بتركيبتنا النفسية وما تراكم وأثر في تشكيل شخصياتنا الاجتماعية. وأذكر أن مظاهر الاضطراب والتناقض في أفكارنا وتعاملاتنا واضحة للعيان، كمثال بسيط جدا شباب في سيارتهم قريباً من البحر يستمتعون بتناول شطائر مع العصير، ينتهون من وجبتهم..يضعون المخلفات في كيس ثم يلقونه من نافذة السيارة وصندوق المهملات لا يبعد إلا متراً واحداً أو مترين عن سيارتهم. أو السائق الآخر الذي لا يحترم أحداً ولا يبالي بحياة الناس ولا بحقهم في الطريق فتراه يعود بمؤخرة سيارته عاكساً السير في شارع رئيسي مزدحم لا لشيء إلا لأنه تجاوز صاحب بسطة الحبحب! أو الذي يغلق منفذ الخروج لسيارة ما بسيارته بحجة إدراك الصلاة التي ينهيها ويتسنن بعدها بما شاء أن يتسنن ثم يخرج بعد ذلك ليزيح سيارته باعتذار سخيف بارد، كل ذلك وغيره أكثر(كإشكالية النظرة الموغلة في الجنس لكل ما يتعلق بالمرأة) يدل على ضرورة خلخلة منظومة القيم الاجتماعية التي نحشو بها عقول طلابنا في مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا وإعلامنا، فالإنسان عندنا لا يزال ينقصه كثير من أخلاقيات المدنية المعاصرة، همجية في التصرفات، رعونة وبدائية في القرارات،وسطحية الاهتمامات، وأتمنى أن ييسر الله لهذه الأمة رجلاً كالحارث المحاسبي صاحب الرعاية لحقوق الله أو كمن أتى من بعده ممن تأثر كثيراً بمنهجه كالإمام الغزالي صاحب الإحياء لكي يكتب ويستنبط ويشرح بأسلوب حديث يناسب العصر وثقافته ومعطياته وينفتح على التطورات الحاصلة في المجتمعات مستخدماً منهجية علمية إنسانية لا تهمل ولا تلغي الجهود العلمية العالمية في هذا المجال ليعلمنا كيف نعيش وكيف يجب أن تكون الشخصية المدنية الحضارية للمسلم المعاصر في نظرته لنفسه وللآخرين.

إن هناك قيماً وسلوكيات لا نعتبر لها وجوداً على الإطلاق لأننا لم نفكر فيها ولم نترب عليها، أين مثلاً الحرص على المال العام ومراعاة الآداب العامة في الأسواق والمطارات والمرافق المختلفة؟ أليست سلوكياتنا همجية بدائية؟! أين مثلاً قيم الشرطة المجتمعية؟ أين التفكير العلمي والبعد عن الخرافات والأساطير والسحرة والمشعوذين؟ أين إعلاء قيم العمل وبذل الجهد؟ أين احترام وإعلاء إنسانية الإنسان في أدب التعامل وحسن اختيار الألفاظ واللياقة في الحديث ومراعاة مشاعر الآخرين والثناء عليهم؟ سؤال: ما موقع العصبية القبلية في حياتنا اليومية؟ ومن ذلك أيضاً موضوع النقد وعدم الضيق بالرأي الآخر.
أسوق هذا الكلام بعد أن وصلتني عدة ردود أفعال بعد نشر مقال (أما الأطباء المقيمون فلا بواكي لهم) فبخلاف الأطباء المقيمين الذين وجدوا بعض المتنفس فيما كتبت، بل إن بعضهم ذكر لي أن ما كتبته ليس كل شيء وأن هناك ما هو أسوأ، قلت له ولم لا تكتب، قال: لن يسمع أحد ولن يتغير شيء! ثم إني لم أتجاوز اختبار الزمالة بعد وأخشى من… ولم يكمل حديثه ثم أردف قائلاً: ألا تفهمني؟! بخلاف هؤلاء الأطباء (الغلابة) هناك عدد من الزملاء من الأطباء الاستشاريين الذين أنكروا عليَّ الكتابة بهذه الحدة وبهذا الأسلوب، حجتهم أن مثل هذا الأمور لا تحل على صفحات الصحف… وفي كلا الموقفين دليل على ضرورة خلخلة منظومة القيم التي ذكرتها أعلاه! فذلك الطبيب المقيم يتنازل بكل بساطة عن حق من حقوقه في الحديث وإبداء الرأي الحر المتزن البعيد عن الكذب والمبالغة متذرعاً بالخوف ومتسلحاً بشعار اليأس، أليس هذا مسخاً لشخصياتنا الاجتماعية؟ والزملاء الآخرون لا يرون في مثل هذا النقد إلا رغبة الإثارة متناسين الإعلام ودوره في خدمة وتوجيه المجتمع، وأن الموضوع برمته لا يجب أن يكون من اهتمامات القارئ العادي، عجباً..! وبم يجب أن يهتم القارئ العادي إن لم يهتم بأمر أطباء سعوديين (وليس كما فهم بعض القراء الكرام من أني أتحدث عن أطباء غير سعوديين مزورين لشهاداتهم!) عليهم رعايته والاهتمام بصحته وصحة أبنائه ووالديه!! أليست هذه قضية رأي عام!! وإذا كان كل خبير وعارف – مثلي ومثلهم – لا يتكلم ولا يبدي الرأي فيما فيه خير وصحة الوطن والمواطنين ألا يعد هذا من باب السلبية والخمول الاجتماعي بل والتضليل؟ ألا نحتاج إذاً إلى أن نعلي في تربيتنا ومفاهيمنا الشعور بالمسؤولية والدور الفاعل والإيجابي لكل فرد نحو نفسه ومجتمعه والآخرين؟

ثم إن ما نتحدث عنه وننتقده ليس مما يصعب إصلاحه ويستحيل تعديله، بل إن الغريب أن يستمر الحال على ما هو عليه الآن! إن عدد الأطباء السعوديين الاستشاريين الخبراء المتمكنين يتجاوز العشرات وفي جميع التخصصات أفلا نستطيع أن ننسق وننظم الجهود لنرتقي بمستوى تدريب وتأهيل أطبائنا وطبيباتنا السعوديين؟ أفلا تستطيع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية الاستعانة بهؤلاء وبإشراف خبراء التعليم الطبي السعوديين – وما أكثرهم – في تحديد كفايات التدريب ومخرجات التعلم الواجب توافرها في كل طبيب في أي تخصص يلتحق به؟ ومن ثم تصميم آلية فاعلة لقياس جودة أداء برامج التدريب المختلفة للتأكد من تحقق وجود هذه الكفايات بعد كل دورة تدريبية يخوضها المتدرب، لا أن ننسى الطبيب المتدرب طوال سني تدربه ولا نتذكره إلا وقت اختبار الزمالة العقيم وغير الدقيق لنقول له أنت راسب (أو راسبة) ونستغرب حينئذ لماذا لا تتجاوز نسب النجاح عندنا في اختبارات الزمالة 30% ؟

جريدة الوطن السعودية – الخميس 1 جمادى الآخرة 1429هـ الموافق 5 يونيو 2008م العدد (2806) السنة الثامنة


التعليقات 3 على “منظومة القيم المتخلخلة”

  1. سعيد إبراهيم عسيري Says:

    السلام عليكم…

    أتشرف بأني قرأت جميع مقالاتك السابقة الرائعة…

    ولكن هذا المقال بالذات كان أكثر روعة…

    لقد أجدت تحليل المشكلة وتشخيصها…

    حيث أن الخلل في جميع قطاعات الوطن منبعه الخلل القيمي و الفكري الكبير الذي نعيشه…

    كل ما يعمل من إصلاحات هو للتخفيف من الأعراض فقط… وتسكين الألم…

    ولكن المشكلة الأساسية مستمرة…

    نحتاج الى منظومة أخلاقية إجتماعية متطورة ومنفتحة…. متمسكة بالثوابت…و متقبلة للآخر…

    وكلي أمل في أن التغيير للأفضل قادم بإذن الله على يد أمثالك…

    ممن حملوا على عاتقهم هم وطنهم و أمتهم…

    شكرا لك يا أستاذي … ولا عدمنا قلمك…

  2. H@SSOOM Says:

    في الحقيقة أرى بأن مقالاتك قد أبدعت في وصف الواقع يا دكتور

    وهذا هو مصدر قوتها

    وبكل صدق

    لم أجد فيها أي نوع من الاضافات على سبيل تهويل الأمور والمبالغة

    وليس فيها تستر على العيوب ولا مجاملة

    .. وخير دلائل على ذلك هي الأرقام والأمثلة التي تذكرها فكلها واقعية ولا مجال لأحد أن ينكرها

    وما دامت هذه سمة مقالاتك،، فلتستمر على هذا النهج الذي افتقدناه في معظم ما نقرأ ونشاهد

    وبالفعل.. ثقافة النقد مرفوضة في مجتمعاتنا بشكل عام،، ولا ينحصر ذلك في المجتمعات الطبية والعلمية فحسب.. بل تمتد هذه الثقافة المهترئة لتطال جميع جوانب الحياة.. كما أشرت

    أؤمن بأنك قد بدأت الضرب في جذور المشكلة وقد أجدت التشخيص،، ولعلي اتوقع بأن أقرأ لك قريبا بعض الحلول لتغيير هذه الثقافة،، فمقالات كهذه هي قادرة على صنع التغيير بإذن الله

    سلمت يمناك

    ودمت بكل خير

  3. هبه Says:

    أستاذي الفاضل …

    مقال رائع ووصف دقيق بدون مبالغة نحن فعلا نعاني من خلل ونحتاج الى التغيير ..

    ولكي يتم هذا التغيير علينا ان نعترف بالمشكلة اولا ونبحث عن الأسباب ثانيا ونطبق الحلول ثالثا … وقد أجدت طرح المشكلة من جميع النواحي

    فحال الأطباء المقيمين لايختلف كثيرا عن اطباء الأمتياز والواقع المرير الذي نعيشه كل يوم فلا يحق لنا ان ننتقد او نعترض او حتى نمتعض فقط علينا الحضور . اما ان نجد من يهتم ببواطن الضعف لدينا وسدالثغرات فحاشا وكلا ..
    ماكنا نسمعه ان سنة الامتياز هي الفرصة لكل طالب طب ان يتوج ماعرفه وماتعلمه في سنوات دراسته ويطبقه في سنة الامتياز وهي فرصته الاخيرة كطالب بأن يسئل ويتعلم مافاته !!
    ولكن الحقيقة غير ذلك سنة الامتياز هي سنة اجبارية على الطالب ان يتعهد بإكمالها قبل ان يلتحق بإي برنامج في الهيئة السعودية للتخصصات الطبية فقه فيها شيئا ام لا واعتقد ان هذا هوا التعريف الصحيح .

    اسفة على الاطالة ولكن فعلا هناك خلل ونحتاج للبحث عن حلول قبل ان نبدأ بالتغيير ..

اكتب تعليقاً