نكت أكاديمية

هناك دراسات أدبية عدة تدرس فن النكتة عند الشعوب، وكيف أنها تعكس أثر حدث اجتماعي أو سياسي بطريقة فيها الكثير من الخيال الواسع اللامعقول والتضخيم والمبالغة، إلا أن العنصر الأهم في الطرفة أو النكتة هو عنصر المفاجأة الخارقة التي لا يتوقعها أحد والتي تبهر العقل طرباً وعجباً ومرحاً لتنطلق ابتسامات عريضة وأحياناً ضحكات عالية تتطور إلى قهقهات قد تدمع العينين.

وجرى العرف واصطلح الناس في عدة بلاد عربية على استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على هذه القصة القصيرة جداً والتي فيها دلالة ما وتعتمد كثيراً على مهارة وحذاقة من يلقيها، ونجد في كتب التراث استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على لمحة عابرة أو فكرة مميزة، أو كما يقول الجرجاني عن النكتة إنها (مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من: نكت رمحه بأرض، إذا أثر فيها وسميت المسألة الدقيقة: نكتة، لتأثير الخواطر في استنباطها)، ولا يبعد الاستخدام المعاصر كثيراً عن هذا الاستخدام إلا بكثير من الطرافة والغرابة والسخرية، ووجدت معاني ودلالات لغوية أخرى للفظ (نكتة) فهناك همٌ وغم نكت (بتسكين الكاف) الأرضِ بالقضيب وهو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم) (النهاية في غريب الأثر)، بل هناك سواد ووسخ وقذارة، جاء في تهذيب اللغة (والنُّكْتةُ: شبه وقرة في العين، والنكتة أيضا: شبه وسخ في المرآة، ونكْتَةُ سوادٍ في شيء صافٍ) وأشد من ذلك الإلقاء على الرأس (ويقال أيضاً: طعنه فنَكَتَهُ، أي ألقاه على رأسه، فانْتَكَتَ هو)، (الصحاح في اللغة)..كل هذه المعاني والدلالات أو بعضها قد يكون موجوداً ونحن نتأمل أوضاعاً أكاديمية تعيشها كليات الطب تحديداً وجل الكليات العلمية عموماً، والفارق المهم هو أن هذه النكت – أياً كان المعنى الذي تريد- تحمل في ذاتها بدون أي بهارات خارجية عناصر التضخيم والمبالغة بل والمفاجأة التي تنتج حالة من النشوة مطلقة عالي الضحكات – ربما هستيرية – لفترة طويلة ثم ما تلبث إلا أن تنقلب إلى بكاء مرير، فيه أنين ونحيب!! تماماً كالمريض النفسي المصاب بحالة اضطراب المشاعر المتعدد الأقطاب، فلا يدري أيضحك أم يبكي؟ فتجد حاله موزعاً بين الضحك والبكاء والبكاء والضحك، أو بكاء مضحك وضحك كالبكاء!

قمة الفكاهة في أنظمة الترقيات الأكاديمية، إذ تلزم هذه الأنظمة حصول الأستاذ الجامعي على درجة علمية كاملة فقط إذا ظهر اسمه وحيداً على بحث علمي منشور ونصف أو ربع درجة إذا كان ثانياً أو ثالثاً في البحث المنشور، والغريب أن نفس الأنظمة تطبق على جميع الكليات – النظرية والعلمية- فما ينطبق على كلية التربية ينطبق على كلية الهندسة وكلية الطب، والتقدير موصول لجميع فروع المعرفة، وإنما الانتقاد على أنظمة قديمة جاوز عمرها عشرات السنين، وأظن أن أصولها مصرية (وبالمناسبة فإن عدداً من كليات الطب المصرية تجاوزت هذا النظام من سنين).

وهذه نكتة فيها لمحة ظرافة وفي نفس الوقت ثقل غباء وتناحة! أحد الزملاء من الجراحين المتميزين قام بعمل دراسة منهجية مقننة على مدى أكثر من سنة جمع فيها نتائج كل الدراسات العالمية التي عملت بمواصفات بحثية عالية، وهذا ما يسمى في العرف البحثي الطبي meta-analysis، ونشرت هذه الدراسة التي أسهمت في إضافة معرفة جديدة وتحسين العناية بالمرضى في مجلة عالمية راقية بعد تحكيم دقيق مضن، مجالسنا الأكاديمية الموقرة-في المقابل- تعتمد فقط نصف درجة لهذا الجهد البحثي الرائع، ودرجة كاملة لتقرير عن حالة case report يكتبه نفس الزميل في أقل من أسبوعين لا يتجاوز صفحتين وتنشر في مجلة خاملة الذكر لا يقرؤها إلا من يحررها! ماهو السبب؟ (يا دكتور هذه الحالة مؤلف واحد، وتلك الدراسة أكثر من مؤلف!! الله يهديك!!)، تماماً كمن يتغافل عن ثلاثة أو أربعة مصممي ومخترعي طائرة نفاثة عابرة للقارات تنقل عشرات المسافرين ويكرم مخترع طائرة شراعية ورقية يستخدمها الناس على شاطئ البحر في لهوهم وتنزههم، وما ذلك إلا لأن هذا مخترع واحد وأولئك عدة مخترعين! وتسأل هل هناك بحث علمي محترم ومؤثر يقوم بتأليفه شخص واحد فقط؟ ثم ماذا عن القيمة العلمية لما ينشر؟ لا شيء..!! نعم لاشيء..!! حتى لو اكتشف أحد الأطباء السعوديين مع فريق علمي جيناً جديداً وتنشر الدراسة في واحدة من أعرق المجلات العلمية العالمية، فإنه سيأخذ ربع درجة لأن اسمه جاء ثالثاً!

ولم أدر ماذا أفعل كلما تابعت مغامرات زميل آخر مع مركز بحوث موقر في جامعته!! أحياناً أضحك وأحياناً أبكي، حقيقة لا تدري ماذا تفعل؟ قدم المسكين طلباً مفصلاً للبدء في بحث كلينيكي يخص العناية بمرض معين، وقام بعمل كل ما طلب منه من تعبئة أوراق ومراجعة محكمين للبحث وقدم كل ذلك في ملف جميل ونظيف، انتظر الاجتماع الأول قالوا له في الثاني، انتظر الثاني قالوا له في الثالث، ولما لم يناقش ولم يعتمد بحثه في السابع، تشجع وحمل نفسه لمقابلة المسؤول، (نتأسف لقد ضاع الملف!!!)، شجاع وصبور صديقي هذا! قام بعمل ملف آخر وتعبئة الأوراق مرة أخرى، وانتظر الأول، قالوا له في الثاني، وبعد الخامس تشجع وحمل نفسه وثيابه وعقله لمقابلة المسؤول، (نتأسف مرة أخرى لقد ضاع الملف، وسنعاقب المسؤول!!) أنعم بطول السلامة، أيها المسؤول!

وهذه القادمة (قوية!)، جاء الرد حاداً كالصاعقة من مركز البحوث، ما هذا الهراء والتلاعب بالمركز؟ نحن لا ندعم البحوث بهذه الطريقة! لابد من تقديم أوراق مفصلة، أوراق كثيرة، لابد من تحكيم، نحن لا نستطيع أن نناقش هذا في اجتماعاتنا!! ما غاب عن مركز البحوث أن هذا البحث معتمد أساساً من قبله، وتم صرف الدعم الأولي له، وهذا وقت صرف الدعم الثاني، لكن سعادة المركز والقائمين عليه تائهون!!
(لا..لا..لا يجوز! لا يجوز أن تقدم طلباً لبحث جديد حتى تفرغ من الأول يا دكتور؟) (حسناً اصرفوا مستحقات الأول لأنهيه وأبدأ بالثاني!!)

والأشد سواداً من النكت هو ألا تعتمد أبحاث التعليم الطبي عند الترقية الأكاديمية في عدد من كليات الطب بحجة أن هذا بعيد عن تخصص الطبيب الاستشاري عضو هيئة التدريس، عجباً وكيف يكون الطبيب طبيباً متمكناً مما يعمل إن لم تعلمه تعليماً صحيحاً حديثاً، وتجهزه وتدربه ليصبح مقتدراً كفؤاً لما سيعرض له من حالات؟ كما أنه لا يوجد أي بند يعطي قدراً من التميز والتقدير للجهد العلمي التعليمي لأعضاء هيئة التدريس في كليات الطب، فأكثر الأعضاء خمولاً ونوماً يستطيعون أن ينالوا الترقية الأكاديمية بكل سهولة، بل أحياناً أسرع من ذلك الذي يكتب منهجاً أو يضع اختباراً جديداً أو يدخل أساليب وبرامج تعليمية جديدة لطلابه طلاب الطب، وذلك بكل بساطة لأن هذه الأمور لا وزن لها عند المجالس الموقرة!

وبعد فإن النكت لا تنتهي وهذه مقدمة كتاب تطول فصوله وتتعدد ولا أرى له خاتمة!! والأمل كبير في ألا يزعج سخف هذه النكت جحافل الأطباء والعلماء أبناء الوطن في أن تستمر مقاومتهم الفكرية والأدبية للدغدغة الباردة لهذه النكت الفجَة.

جريدة الوطن السعودية -الثلاثاء 5 رجب 1429هـ الموافق 8 يوليو 2008م العدد (2839) السنة الثامنة


التعليقات 5 على “نكت أكاديمية”

  1. سعيد عسيري Says:

    السلام عليكم…

    والله لا أدري يا أستاذي أأضحك أم أبكي…

    مقالتك بالنسبة لي جاءت في وقتها تماما…

    فقد كنت أطلع على نظام الترقيات في إحدى جامعاتنا…

    وبالفعل أستغربت من أن النظام شامل لجميع التخصصات بلا توضيح لفروق التخصصات العلمية وما تتطلبها تلك التخصصات…

    ولكن قلت ( ممكن أنا ما أفهم )…

    ثم جاء مقالك ليوضح لي ماخفي…

    ويضيف نكتة جديدة لنكات نظامنا التعليمي…

    كما قلت في البداية لا أعلم أأضحك أم أبكي…

    أعتقد أني سأستمر في الضحك حتى يبقى بي أمل في التغيير…

    لأني لو سمحت لنفسي بالبكاء على حالنا…

    فإني لن أتوقف …

    وسينتهي بي الحال كمريض نفسي مصاب بإضطراب المشاعر متعدد الأقطاب…

    حمانا الله وإياك …

    ولا عدمنا قلمك…

  2. H@SSOOM Says:

    حسبما أعرف وأفهم بأن البحث يزداد قوة إن كان معدا من قبل فريق يضم كوادر من تخصصات عدة… طبيب… متخصص في الإحصاء الحيوي… مدخل بيانات… إلخ
    بل إن بعض الأبحاث المصممة لاستخراج نتائج قوية تشترط وجود أكثر من باحث
    Double Blind and Triple Blind

    الله المستعان

    ربما لو تجمع هذه النكت يا دكتور وتعملها سيناريو… قد تحصل على مسلسل مكسيكي من 200 حلقة… وقد تلاقي عناء كبيرا لكي تجد له خاتمة… فهو مسلسل بلا نهاية
    إلا لو …. هههههه الصمت أفضل..

    بانتظار مزيد من المقالات.. تزيدنا وعيا وفهما لواقعنا…لعل المستقبل يكون أفضل..

  3. A.Badr Says:

    واقع مرير للأسف كنا مغيبين عنه

    شكرا يادكتور لوضعنا في الصورة ,في هذه الصورة المخجلة لأدارات ومراكز كان من المفترض ان تكون منابعاً للتطوير والارتقاء

    لكن ما زال لدي امل في اننا سنقضي على مثل هذه النكت السخيفة بالجهد والاصرار ان شاء الله

  4. ماجد الغامدي Says:

    فعلاً إنها نكته يادكتور هاني … ولكنها نكتة مبكية …

    على صديقك أن يحتسب الأجر عند الله ويعتبر بحثه جهدً أكاديمياً في عجلة الطب العالمي قد يأتي طبيب في دولة مغمورة ويستفيد منه في علاج مرضاه … فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا …

    أما التدير الجامعي في جامعاتنا فأسهل له أن ينساه ويعتمد تقديم كم case report من وقت إلى آخر لزوم الترقية !!!!

    تحياتي

  5. سلوى احمد Says:

    آآآآآآه

    لا أعلم أأضحك أم أبكي

    الواقع مرير للأسف الشديد

    لك تحياتي ودعواتي

اكتب تعليقاً