أين مراكز التعليم الطبي؟
لا يخفى على متابع دقيق عدد المشاكل التي نعانيها في مجال التعليم الطبي، مشاكل على مستوى المنهج، وعضو هيئة التدريس، وطرق وأساليب التعليم، وأساليب التقويم، وعلى مستوى الطالب نفسه. وأعلم أن في كل كلية طبية أو صحية في أي مكان في العالم مشاكل تواجه القائمين على أمر هذه الكليات، ولا ضير في ذلك، إذ إنه نتيجة طبيعية لأي مجهود تعليمي بشري، بل قد يكون علامة صحة وحياة ترشد المؤسسة الأكاديمية على موطن الخلل لتسعى لحله وتفاديه وتحسين مخرج التعلم. النقطة الحرجة هنا حين نصل إلى مرحلة لا ندري ما هي مشاكلنا أو إذا عرفناها فإننا لا نريد أن نسمع عنها شيئاً ويأتيك من يقول لماذا لا تكتبون عن الإيجابيات؟؟ أما ما يجعلنا نسقط في هاوية التيه الأكاديمي فهو أننا نعرف جميع مشاكلنا لكننا لا نريد لها حلاً ولا نسعى له إما عجزاً وكسلاً وهو الغالب وإما قلة حيلة وخبرة وسذاجة وإما مكراً ومكابرة ورغبة أكيدة في عدم التغيير!!
والحق أننا نملك جميع عناصر التميز والتطوير الأكاديمي ولكن ينقصنا التوجه الإداري الجاد والتخطيط المنسق لعملية التطوير. إذ إن وجود الكادر الأكاديمي الطبي الوطني المدرب في جامعات عالمية وبهذه الكثافة العددية – على الأقل في كليات الطب – لهو علامة قوة ولاشك، بل ورقة رابحة تنجح في كسب أية عملية تطويرية، ولكن علينا أن نعرف أولاً كيف نفرق بين كفاءة الأداء الطبي المتمثل في الفحص والمعاينة والعلاج وبين كفاءة الأداء التعليمي لهؤلاء الأطباء. فليس كل طبيب يحسن التدريس والتعليم والتخطيط لهما، لأن هذا فن متفرد وعلم مستقل!
والخطأ الأكبر الذي ألحظه وبالذات في فورة إنشاء كليات طب جديدة هو العناية القصوى بالمباني الإسمنتية ومواقف السيارات والتعاقد السريع مع من هب ودب ليلتحق بأعضاء هيئة تدريس الكلية، ثم إذا وصل الأمر عند المناهج تمت الاستعانة بالمنهج القديم لكلية أخرى زميلة في المنطقة مما ينتج بالتالي اجتراراً لنفس المشاكل التعليمية وعزفاً لنفس أنشودة التخلف الأكاديمية! والأخطر من موضوع المناهج المستعارة هو الإغفال التام لاعتماد قسم أو مركز للتعليم الطبي يشرف على كفاءة وجودة أداء العملية التعليمية، وهذا بخلاف عمل الوكالات الأكاديمي التي لا يجاوز عملها – على أهميته – غير تنسيق الجداول ورصد الدرجات! دع عنك اللجان الصورية والأقسام الوهمية التي تنشأ في بعض الكليات باسم التعليم الطبي أو الجودة والتطوير بدون أية خطة عملية وبدون أية سلطة بل وبدون حتى ريال واحد في ميزانياتها!
والأهم عند النظر في قضية مراكز التعليم الطبي، هو عدم الانزلاق المتوقع والمعتاد – إذا ما تم اعتماد إنشائه – خلف التصاميم الحديثة العصرية، وتجهيزات المراكز العالمية، والاعتمادات والعروض المالية، ولعبة العلاقات والمصالح المتبادلة، ثم إذا ما أنشئ – طبعاً بعد عدة سنوات من العمل المتلكئ والمتقطع – أنشئ بميزانية تكفي لإنشاء ثلاثة مراكز لا إنشاء مركز واحد وحسب!
لنركز على حقائق الأشياء ودعونا من الصور الخادعة والكلمات السرابية، إن مركزاً كهذا بالإمكان أن يبدأ العمل بفعالية كبيرة بوجود خبير واحد في التعليم الطبي – وليس بالضرورة أن يكون طبيبا ً- ووجود سكرتارية مؤهلة ودعم تقني عال، وقبل كل ذلك وبعده وظائف وأهداف واضحة وصلاحيات واسعة.
إن من أهم ما يجب أن يضطلع به هذا المركز هو متابعة الأداء الأكاديمي للطلاب، إن طلابنا – أيها السادة – لا يلقون أي لون من ألوان الدعم أو التوجيه الأكاديمي، بل يتركون هكذا هملاً ليواجهوا معضلات كبيرة تعترض طريقهم التعليمي بأنفسهم! وتشمل هذه المتابعة التحصيل العلمي لكل مادة ليتم تقديم العون والتوجيه لمن يتدنى معدله، بل إن متابعة الطلاب تستمر في بعض كليات الطب العالمية لمرحلة ما بعد التخرج بسنين، وينتج عن ذلك عمل العديد من البحوث المهمة والمؤثرة في تحديد مسارات التعليم الطبي حسب عطاءات وكفاءات خريجي هذه الكلية وحسب متطلبات المجتمع الذي يمارسون فيه.
إن هذا المركز وبالصلاحيات التي سيملكها سيعمد إلى نزع.. نعم نزع سلطة الأقسام في التحكم بمناهجها كما تشاء، فتقر ما تراه وتلغي بدون أية مراعاة لما تعلمه الأقسام الأخرى وأحياناً بدون مراعاة لما يعلمه الزميل في نفس القسم والذي يدرس جزءاً آخر من المادة! هذا المركز سيعمد إلى اتباع سياسة مركزية مبنية على الكفايات العلمية والمهارية والسلوكية المتوقع وجودها في خريج كلية الطب، وعلى أساس هذه الكفايات فقط تصاغ المناهج لا على أساس أمزجة رؤساء الأقسام!
ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب بل يشمل متابعة وتقنين وتوحيد العملية التقويمية في الكلية، وعمل معايير علمية لمعرفة ما إذا كانت اختبارات كل قسم تمثل حقيقة ما تم تدريسه، أم إن التدريس في جهة والاختبارات في جهة أخرى؟ وهل تصاغ الأسئلة بصورة علمية صحيحة أم إنها خاضعة لمزاج الأساتذة؟ ودراسة أداء طلاب الكلية في الاختبارات الإقليمية والعالمية، وما التغيير الذي يجب أن يتم في العملية التعليمية لتحسين أداء الطلاب في هذه الاختبارات؟
ومن أخطر ما على المركز عمله والإشراف عليه هو عملية التطوير الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، إننا يجب أن نكف عن إقحام الأطباء الاستشاريين حديثي التخرج في العملية التعليمية بدون أن يتم تدريبهم وتأهيلهم في مهارات التدريس والتعليم، كما يجب أن نوقف ما يزرعه بعض الأساتذة المتمرسين من أمراض نفسية في طلابنا، إن عملية التطوير الأكاديمي في مجال التعليم الطبي لأعضاء هيئة التدريس لن تؤتِ ثمارها ما لم يقتنع بها وبأهميتها صانع القرار الأكاديمي في جامعاتنا، ومن ثمَّ تخصيص ميزانية معقولة لتنفيذ برامج التطوير التي بالإمكان أن تتم بأيد وطنية صرفة، على أن تكون هذه البرامج إلزامية لأعضاء هيئة التدريس، كما يجب إدراج مدى كفاءة عضو هيئة التدريس في العملية التعليمية عند دراسة الترقية الأكاديمية له، وضرورة الأخذ برأي الطلاب وزملاء هذا الأستاذ.
مهام أخرى على المركز أن يقوم بها مثل إيجاد آلية عملية علمية لبرنامج قبول الطلاب السنوي، من مثل إدخال تقنيات حديثة كالتعليم الإلكتروني وكيفية مساهمته في تخفيف الأعباء عن أعضاء هيئة التدريس، كذلك اقتراح حلول جذرية لمشكلة التدريب السريري لطلابنا، إذ أعلن هنا وبصوت عال لكن بكل هدوء أن التدريب السريري لطلابنا في جل كليات الطب في بلادنا فيه خلل شديد وأنه لا يحقق المأمول منه بالطريقة المستخدمة حالياً. وفي ذلك تفصيل لا مجال له الآن.
وبعد.. فإن مراكز التعليم الطبي تهدف إلى قيادة سفينة التعليم والتعلم إلى بر الفهم والفاعلية والكفاءة، وبدونها فإن مسيرة التعليم في كليات الطب تسير بلا وجهة في ليل بهيم وريح عاتية.
جريدة الوطن السعودية -السبت 15 شعبان 1429هـ الموافق 16 أغسطس 2008م العدد (2878) السنة الثامنة


18 أغسطس 2008 في الساعة 12:36 ص
كم نتمنى وجود مثل هذا المركز للأشراف على العملية التعلمية في كلياتنا
فبهذا النوع من المتابعة والاشراف وبالصلاحيات التي ذكرتها حضرتك سيتم تصحيح الكثير
من الاوضاع الغير مرضية
بحيث على الاقل يتم تحدد المطلوب من الطالب من معلومات ومهارات في كل مرحلة مما يجعل الطالب قادرا على التركيز على المهارات الاساسية في مراحل تعليميه الاولى خصيصا عندما يبدأ في دراسة المواد الاكلينيكية .
فوجود مثل هذا المركز سيحدد ويوضح الخطوط العريضة واهداف ومتطلبات المرحلة او المستوى للأستاذ والطالب على حد سواء
فأن يعرف الطالب ما هو مطلوب منه او المتوقع منه بنهاية العام يضع الطالب في الصورة ويساعده على رسم خطته الشخصية لتخطي هذه المرحلة بنجاح في العلامات ونجاح على المستوى اكتساب المهارات المطلوبة سواء كانت مهارات في التحليل والتفكير او مهارات سريرية
ومن جهه اخرى متابعة مستوى الطلاب بعد تخرجهم سيجعل المركز قادرا على تحديد
جهه النقص التي يعاني منها الطلاب وتحديد الجوانب التي تحتاج الى التطوير في مسيرتهم التعليمية مما يعدهم بشكل جيد للحياة العملية
فأين هذه المراكز فنحن متعطشين لوجودها لتروي ظمأنا وتصحح اوضاعنا …..
18 أغسطس 2008 في الساعة 12:59 ص
عزيزي الدكتور هاني….
بالفعل قد صدقت في كل ما ذكرت ….
حيث أن المشكلة لا تختص فقط بالمناهج وحدها…
وإنما تحتاج كلياتنا لإعادة هيكلة العملية التعليمية برمتها وذلك يتضمن ببساطة العمل على تعديل وتقويم عناصر التعليم البسيطة الثلاثة : المعلم ، الطالب ، والمنهج….
ولن يقوم بهذا الدور الا مراكز متخصصة للتعليم الطبي…
أجدت كعادتك في تشخيص المشكلة…
وأبدعت في ذكر بعض الحلول المقترحة…
أتوقع أن يكون لمقالاتك النقدية الرائعة السبق في إحداث ثقب ولو بسيط في جدار الجهل الأكاديمي الذي نعيشه…
لا عدمنا قلمك …
وبإنتظار جديدك…