هل هناك تدريب سريري حقيقي في كليات الطب؟

جزء من الدراسة الميدانية التطبيقية والتدريب العملي لطلبة كليات الطب يحدث في المستشفيات، وذلك لتأكيد كفاءة الأطباء في معاينة المرضى وفحصهم بطريقة علمية صحيحة. وتكون هذه الدراسة في صورة حصص تدريبية سريرية مع أعضاء هيئة التدريس من الأطباء أو أطباء استشاريين متعاونين من الذين يعملون في المستشفيات التي يتدرب فيها هؤلاء الطلاب. ويفترض أن يكون طلبة الطب (سواء كانوا طلاباً أم طالبات) قد قضوا وقتهم في ذلك اليوم في أخذ التاريخ المرضي لعدة مرضى، فإذا ما وصل الطبيب الأستاذ أو الاستشاري ناقشوا معه أو معها إحدى هذه الحالات.

هذا وصف مقتضب للتدريب السريري الذي ينخرط فيه طلاب الطب (من السنة الرابعة إلى نهاية السنة السادسة) بآلية وروتين لم يتغير كثيراً من قبل أن أكون طالباً في كلية الطب وحتى بعد أن صرت أستاذاً في إحدى كليات الطب!

لعل أظهر ما تميزت به هذه الحصص التدريبية السريرية (تسمى في العرف الطبي sessions ) هو غياب المنهجية فيما يدرس، فالتدريس قائم على ما وجد من حالات فقط، فيحدث أن تنتهي فترة المقرر ولا يناقش الطلاب حالة من مثل الجلطة الرئوية لأنهم لم يشاهدوا مريضاً مصاباً بها، وإذا كان هذا هو الوضع فإن تدريس الحالات قد يتكرر دون أن يعي الأساتذة هذا الموضوع. أضف إلى أن تحضير الحالات يعتمد أساساً على جهد الطلبة في الحضور المبكر والبحث الجاد عن حالات ومن ثم قضاء الوقت في معاينة المرضى وإعداد الحالة للتقديم، فإذا قال الطلاب لأستاذهم الحالات قليلة ولا توجد حالات فلن يستقصي أستاذهم عن صحة كلامهم من عدمه، إذاً مدى نجاح هذه الحصص التدريبية السريرية يعتمد في جزء منه على نشاط الطلبة وحرصهم على التعلم. أذكر زميلاً لنا حين كنت طالباً أكمل مقرر الطب الباطني بأكمله في السنة السادسة(الأخيرة قبل سنة الامتياز)-6 أسابيع- في المستشفى دون أن يكلم مريضاً واحداً! وأعرف-وأنا أُدِرس الطب الآن- طلبة من هذا القبيل قلبوا دراسة الطب إلى دراسة نظرية أدبية منزلية صرفة!

إنه بالإضافة إلى غياب التنظيم فيما يُدرس، لا توجد أية آلية لمتابعة أداء الطلاب في المستشفيات، متى يحضر الطلبة ومتى يذهبون؟ ومن رأى حالات، ومن لم ير إلا كافيتيريا المستشفى! والحلول سهلة في ظل وجود أقسام منظمة! فعلى كل قسم أن يحدد الكفايات الواجب توافرها عند الطلاب بنهاية تدريس كل مقرر، ومن ثم يضع قائمة بالحالات التي يجب على الطلاب مناقشتها مع أساتذتهم، وقائمة بالعلامات السريرية والمختبرية التي يجب على الطلاب أن يحيطوا بها، أي أن التدريس السريري-بنهاية المقرر- يجب أن يشتمل على تدريس هذه الحالات والعلامات المحددة،

ولا أقصد بالمتابعة هنا التدقيق المزعج الذي يذهب بإحدى أهم مزايا التعليم العالي وهي حرية التعلم، ولا أقصد أبداً أن يتحول أساتذة الطب إلى موظفي استقبال يعرفون من حضر ومن لم يحضر من الطلاب، وإنما المقصود بالمتابعة هو صياغة ملف تعليمي Portfolio يقوم الطالب فيه برصد أنشطته اليومية من معاينة مرضى، ومهارات جديدة اكتسبت، وقراءات قام بها، وغير ذلك، وأن يُقَيم هذا الملف من الأساتذة المشرفين، ولكي تنجح هذه الطريقة فإنه يتعين أن نسأل سؤالا مهماً وجوهرياً: ما مدى وجود ذاتية التعلم لدى طلابنا؟ وهل يوصف طلابنا بأنهم متعلمون مبادرون نشطون متحمسون للعلم والتعلم؟ والسؤال الأهم هو من قتل روح حب العلم والتعلم فينا؟ عموماً لا ألوم الطلاب كثيراً على أي ضعف أكاديمي يظهر واضحاً للعيان في سني تحصيلهم المتأخرة في كليات الطب، وإنما الواجب أن نهيئ طلابنا لهذه المرحلة التعليمية المهمة في إعدادهم كأطباء. يجب أن يتقن طلابنا مهارات العلم والتعلم، كما يجب أن يتعلموا كيف يتعلمون ويقيمون أنفسهم ذاتياً وكيف يرتقون بأنفسهم مهارياً. وهذا لن يحدث من فراغ بل لابد من برامج تأهيلية لطلابنا في مهارات التعلم وبرامج إرشادية توعوية تشرف على تحصيلهم العلمي وتسهم في حل مشاكلهم التعليمية.

ومن المشاكل المزمنة في هذه الحصص السريرية مشكلة الأستاذ الطبيب! ونحن طلاب طب أتذكر عدة ألوان من التحقير والتقليل من الشأن مورست علينا من كثير من أساتذتنا، وأحياناً ممزوجة بشيء من الشتم والزعيق، أما إذا سلمنا من كل ذلك فلا نسلم من مزاج الأستاذ (القرفان المتأفف) من كل شئ حتى من نفسه، فهو لا يريد أن يدرس! ولا يدري ماذا يدرس! بل أزعم أنه لا يعرف حتى كيف يدرس! ويمضي الوقت كيفما اتفق في الحصة السريرية إلى أن يذهب فيحمد الله أن فارقنا ونحمد الله أن فارقناه! وعلى النقيض منه يأتي الأستاذ (الرايق والمبسوط) الذي يتكلم في كل شيء إلا الطب، وإذا تكلم في الطب عرض بكل شئ إلا تخصصه وإذا ناقشنا الحالة انتهينا سريعاً لنستمع إلى سلسلة من الحكايات والحواديت الطبية، ويتخلل كل ذلك نكت جميلة وتعليقات ظريفة. وبعض الأساتذة من صنف (المتشدق المتفيهق) وللأسف يريد أن يبلغ المجد على أكتاف طلبته المساكين! فلا حديث له في هذه الحصص إلا الحديث عن ذكائه وألمعيته وإنجازاته! والحق أقول إن عدد الذين تعلمت منهم حين كنت طالباً بدون أن يترك تعليمهم أثراً سلبياً في نفسي هو عدد قليل جداً! وأخشى أن مشكلة الأستاذ الطبيب هذه وبهذا السيناريو متكررة متجددة-قديماً وحديثاً- أراها وألمسها من حولي! وما يدريني لعلي أنا شخصياً أصنف من قبل طلبتي في أحد تلك الأصناف! والحل باختصار لكل هذا هو تدريب وتأهيل الأساتذة في مهارات التعليم الطبي!

الأمر الآخر المهم هنا هو طرق وأساليب التدريب والتعليم، إن الطلبة ونفر كبير من الأساتذة يتوقعون أداء شبيهاً بأداء المحاضرات في هذه الحصص السريرية! يتقاعس الطلاب عن القراءة والتحضير الجيد عن الحالات التي أعدوها، ثم يتوقعون من أساتذتهم أن يعطوهم معلومات عن هذا المرض، وينزلق نفر من الأساتذة في هذا المزلق، ويبادر بإعطاء خطابٍ أحادي طويل كالمحاضرة والطلبة يكتبون، فلا حوار ولا نقاش ولا تفكير، وإنما الموضوع حفظ (وصمصمة) (وبس!). ومرة أخرى يحتاج الأساتذة والطلاب معاً إلى تدريب وتأهيل في مهارات العلم والتعلم!

هناك أسلوب التعليم عن طريق حل المعضلات عوضاً عن الاعتماد على كثرة المحاضرات التي لا ترسخ في نفوس الطلاب إلا السلبية في التعلم! هناك أساليب تجعل الأستاذ يركز على الأهم فالمهم في تعليمه فلا يتكلم عن كل شيء بلا وعي وحساب، وأساليب أخرى تجعله يحرص على أن يشرك جميع الطلاب في الحوار والنقاش لا أن يكون تركيزه على طالب واحد أو طالبين ناسياً البقية!

ومما لا حظته قديماً وحديثاً هو غياب ثقافة التدريس والتدريب عند كثير من المستشفيات التي يذهب إليها طلبتنا، فالنظرة العامة لطالب الطب في مستشفياتنا هي نظرة الممنوع من الصرف وأيضاً الذي لا محل له من الإعراب! فجل الأطباء والكادر التمريضي يعتبرونهم زائدين متعبين لا مرحباً بهم! واسألوا الطلاب إن أردتم! وهذا يستلزم حقيقة من الأكاديميين المهتمين بهذا الشأن- وقليل ما هم- إعادة النظر رأساً على عقب في أساليب الحصص السريرية هذه غير المنهجية، والتي لا تشتمل على أي أسلوب لمتابعة أداء الطلاب، يدرس فيها أستاذ مستعجل قلق،يتعلم منه طلاب محدودو المهارات!

جريدة الوطن السعودية -الأربعاء 2 شوال 1429هـ الموافق 1 أكتوبر 2008م العدد (2924) السنة التاسعة


تعليق واحد على “هل هناك تدريب سريري حقيقي في كليات الطب؟”

  1. سعيد عسيري Says:

    السلام عليكم…

    وكل عام وأنت بخير يا أبا عمرو…

    كعادتك تلامس جراحنا…

    جراحا نفسية قديمة ما زالت تؤرقنا حتى بعد تخرجنا وذلك بسبب أناس محسوبين على العلم والتعليم …وكلاهما منهم براء…

    المشكلة متشعبة كما ذكرت..

    فليست تقتصر على إعادة تأهيل أعضاء هيئة التدريس..

    وإنما تشمل أيضا إعادة تأهيل الطلبة للحرص على تحقيق الإستفادة القصوى من فترة تواجدهم في المستشفيات…

    والكف عن لغة التذمر و تضخيم الأعذار… أو إختلاقها في كثير من الأحيان…

    ما تقوم به حضرتك خلال الحصص السريرية أمر رائع ونأمل أن يقوم به جميع من يعمل في مجال التعليم الطبي…

    حيث أننا كنا نستمتع كثيرا بحصصك السريرية…ونخرج بكم كبير من المعلومات والمهارات المكتسبة بأقل مجهود وبوضوح كبير …

    إقتراحاتي:

    أن يتم تطبيق طرق تدريب إكلينيكي مميزة في الكليات الطبية بناء على نتائج بحثية لهذه الطرق..

    وعمل أبحاث للتأكد من مدى جدوى هذه الطرق ولتكون داعما ومؤيدا لهذه الطرق …

    وأن يتم تأهيل الطلاب وتنبيههم لطريقة التدريب الإكلينيكي الجديدة المتبعة وإعطائهم النصائح منذ بداية الكورس حتى يكونوا على دراية ووعي كامل..
    ……

    آسف على الإطالة…

    أجدت كعادتك يا أباعمرو…

    ولا عدمنا قلمك…

اكتب تعليقاً