علاقة المريض بطبيبه

لا يكاد ينفك حديث اجتماعي لأية مجموعة من الأطباء عن ذكر ممارسات طبية تنافي أخلاق المهنة وشرفها فيها استغلال لقلة وعي المريض وسوء استخدامه للثقة المفرطة التي يضعها في طبيبه. من ذلك أن هناك جراح عظام في القطاع الخاص تجاوز حدود تخصصه وبات يعالج أمراضاً هي من صميم تخصص أمراض الروماتيزم كمرض التهاب المفاصل الروماتيزمي (الروماتويد) ومرض الذئبة الحمراء الحمامية، وهذه أمراض جهازية تظهر أساساً بسبب خلل في الجهاز المناعي وتتطلب فيمن يقوم بعلاجها تدريباً خاصاً بإشراف دقيق لمدة لا تقل عن سنتين- وذلك بعد إنهاء زمالة الأمراض الباطنية-على أن يتم التأكد من كفاءة هذا الطبيب باختبارات سريرية ونظرية، ولكن ما حدث مع هذا الجراح أنه يستغل قلة وعي المرضى بهذه التفاصيل ويوهمهم بأنه طبيب لكل شيء أنفة منه وكبرياءً ورغبة في الكسب المادي!

 

وما يعنيني في هذه العجالة حقيقة هو وعي المريض وضرورة تحسينه ليس فقط في مجال الوقاية من الأمراض وحسب بل أيضاً في مجال طبيعة علاقته بطبيبه وما يقبله وما لا يجب ألا يقبله من طبيبه من كلام وتعامل، فالعلاقة بين المريض والطبيب علاقة خاصة وحساسة ومميزة، فالمريض في حالة ضعف بدني ونفسي بسبب ما أقعده وآلمه وجعله يلجأ لطلب المساعدة، والطبيب في موضع الإنسان الخبير العليم الذي سخر نفسه لعلاج الآخرين، هذه العلاقة يشوبها أحياناً خلل يؤثر في أشد ما يؤثر على صحة المريض، فمثلاً لا يمكن أن يقبل أي مريض أن يشخصه طبيبه بسرطان ما من الزيارة الأولى! أو أن يقبل تشخيصاً أو علاجاً بعد معاينة من طبيبه لم تتجاوز خمس دقائق! أو أن يقبل عمل لائحة طويلة من التحاليل والأشعة دون معرفة سبب عملها، وأقل القليل يجب ألا يقبل المريض من طبيبه إلا حسن الاستقبال والاحترام والأدب في التعامل وحسن انتقاء الألفاظ.

 

حين كنت أقلب أفكاري أثناء كتابة هذا المقال وقعت صدفة عن طريق الشبكة العنكبوتية على (الميثاق الإسلامي للأخلاقيات الطبية) في موقع الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع، وهو عبارة عن وثيقة صادرة عن المؤتمر الثامن للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الذي انعقد في القاهرة ديسمبر/2004 بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم (ايسيسكو)،وهو بحق وثيقة محكمة مؤصلة أستغرب كيف لا تدرس في كليات الطب أو في برامج التدريب السريرية لمرحلة مابعد التخرج.

 

جاء في المادة الأولى من هذا الميثاق:

(على الطبيب أن يكون مخلصا في عمله، متحلياً بمكارم الأخلاق، معترفاً بالجميل لمعلميه ومدربيه، وألا يكتم علماً، ولا يتجاهل جهد الآخرين. كما أن عليه أن يكون قدوة في رعاية صحته والقيام بحق بدنه ومظهره العام، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يخل باحترام المهنة داخل مكان العمل وخارجه.)

 

وجاء في المادة الثانية:

(على الطبيب أن يحسن الاستماع لشكوى المريض ويتفهم معاناته وأن يحسن معاملته ويرفق به أثناء الفحص. ولا يجوز له أن يتعالى على المريض أو ينظر إليه نظرة دونية أو يستهزئ به أو يسخر منه، مهما كان مستواه العلمي والاجتماعي. وأياً كان انتماؤه الديني أو العرقي وعليه أن يحترم وجهة نظر المريض، ولا سيما في الأمور التي تتعلق به شخصياً، على ألا يحول ذلك دون تزويد المريض بالتوجيه المناسب.)

إن البعد الإنساني في علاقاتنا يكاد يكون غائباً،وإن في ديننا مايحضنا على الرفق بالحيوان فقط لأنه (كبد رطبة) أي ذات روح فما بالك بالإنسان الذي هو (نفس) قال خالقها(ولقد كرمنا بني آدم)، وأكثر من يجب أن يحترم إنسانية الإنسان هو الطبيب! يظهر هذا في أسلوب تعامله مع مرضاه واحترامه لهم، فلا يجب أن يقبل المريض أو يركن إلى طبيب سيئ الخلق عالي الصوت متعالٍ متغطرس.

 

وجاء في المادة الثالثة ما يحض على المساواة في المعاملة بين جميع المرضى، ومما تعلمته شخصياً من أحد الاستشاريين الكنديين الذين عملت معهم أثناء فترة تدربي هو أنك-كطبيب- يجب أن تعتبر أي مريض تحت إشرافك هو أحد أفراد عائلتك! فكيف ترغب في أن تعامل أفراد عائلتك؟ ومما أستغرب له من ثقافة خاطئة عند بعض المرضى هو أن يوزع إلى أحد المعارف بالتوصية عليه قبل أن يدخل إلى عيادة الطبيب! عجباً وكأن علاج الالتهاب الرئوي -مثلاً- سيختلف -مع التوصية- عنه إذا دخل المريض بدون توصية من أحد؟ وهل سيقوم الطبيب بكتابة جرعة عالية من المضاد الحيوي-مثلاً- بسبب التوصية؟ أم أن علاج الالتهاب الرئوي عند علية القوم يختلف عنه عند من هم دونهم؟!!

 

أما المادة الخامسة فهي ولاشك مثار لحديث طويل لا يكاد ينتهي!، وما أرجو أن يحرص عليه مرضانا- على قدر الإمكان- هو ثقافة المسائلة، وهي ثقافة علمية صرفة تقضي بألا يقبل الإنسان عمل أي شئ إلا بتفسير علمي منطقي، والأمر الآخر هو الكف عن اللجوء إلى من يدعون الشفاء بالأساليب الطبيعية من أعشاب وخلافه، إذ أعرف عدة مآس حدثت بسبب اللجوء والثقة في أمثال هؤلاء الذين يستنزفون أموال الناس!

(على الطبيب أن يحرص على إجراء الفحوص الطبية اللازمة للمريض دون إضافة فحوص لا تتطلَّبها حالته المرضية ، وأن يمتنع عن استخدام طرق تشخيصية أو علاجية غير معتمدة، أو غير متعارَف عليها، أو غير مُعْتَرَف بها علمياً. كما أن عليه أن يقتصر في وصف الدواء أو إجراء العمليات الجراحية على ما تتطلَّبه حالة المريض).

 

وأحب أن أعلن هنا أن زمن الطبيب الذي يفهم في كل شئ ويعالج كل شئ قد انتهى! جاء في المادة السابعة : (على الطبيب أن لا يتردَّد في إحالة المريض إلى طبيب مختص بنوع مرضه، أو إلى طبيب لديه وسائل أكثر فعاليةً، إذا استدعت حالة المريض ذلك، أو إلى طبيب آخر يرغب المريض في استشارته. ولا يجوز للطبيب أن يتباطأ في الإحالة إذا كان ذلك في مصلحة المريض).

 

ولقد استوقفتني هذه المادة كثيراً، إذ إنها تشير إلى دور مهم للطبيب المعالج يكاد يكون مفقوداً أو قليلاً حدوثه عند غالبية الأطباء: (على الطبيب أن يعمل على تثقيف المريض حول مرضه خصوصاً، وحول صحته عموماً، وحول كيفية حفظه لصحته ووقايته من الأمراض بالطرق المناسبة والفعالة، وذلك بالتثقيف المباشر وجهاً لوجه، أو باستخدام الوسائل الفعَّالة الأخرى متى توافرت له).

 

إن نجاح وقوة العلاقة بين المريض وطبيبه من آكد ما يسهم في علاج مرضانا، وعلى التعليم والإعلام والأطباء-الأكاديميين خصوصاً- أن يسهموا في بث روح هذه الثقافة.

جريدة الوطن السعودية -الجمعة 7 ذو الحجة 1429هـ الموافق 5 ديسمبر 2008م العدد (2989) السنة التاسعة


تعليق واحد على “علاقة المريض بطبيبه”

  1. H@SSOOM Says:

    ???????

اكتب تعليقاً