مشاهدات طبيب

“المحاضرات تبدأ الساعة الثامنة…!!”
شاب جامعي مصاب بمرض مناعي مزمن ولكن بفضل الله فإن وضعه الصحي مستقر تماماً لمدة سنة أو أكثر بقليل على علاجات خاصة ، يأتيني في العيادة كل شهرين أو ثلاثة للمتابعة، بدأت كالعادة -بعد التحية- بسؤاله عن صحته وأحواله ثم سألته عن دراسته، والتفت إليه ثم انشغلت بكتابة مذكرة المتابعة في ملفه منتظراً الإجابة، وأنا أكتب سمعت منه: ” المحاضرات تبدأ كل يوم يادكتور الساعة الثامنة..!” وسكتَ..وسكتُ أنتظر أن يتابع حديثه، وواصلت الكتابة..وسادت فترة صمت، استدركت وحاولت أن أفهم ما الذي يتوقعه مني مريضي الشاب هذا..، أظنه يتوقع مني تعاطفاً ومشاركة وجدانية تقديراً لمعاناته وجهاده وهو يحضر محاضرات الجامعة كل يوم الساعة الثامنة، أردت التأكد، سألته: “كل يوم! الساعة الثامنة!” أجابني: “نعم..!! تخيل يادكتور!!”…هنا يأتي السؤال الذي أطرحه دائماً: من الذي قتل حب العلم والتعلم في نفوس أبنائنا وطلابنا؟ وأزيد بسؤال آخر: أين قيمة العمل في حياتنا؟

“أنا أقرأ جزأين من القرآن يومياً…؟؟؟”

حول إلى عيادتي أحد استشاريي أمراض العيون حالة طارئة! شابٌ يعاني من بداية التهاب في القزحية بصورة قد تهدد قدرته على الإبصار، هذا الشاب هو إمام-غير راتب- لمسجد ومدرس في حلقتي تحفيظ للقرآن الكريم، لم يتسنَ له إكمال تعليمه الجامعي بعد المرحلة الثانوية… أخذت التاريخ المرضي وفحصته، وتبين لي تصور مبدئي عن التشخيص، وفي كل الأحوال يجب أن نبدأ علاج الكورتيزون حفاظاً على العينين ومنعاً لتدهور قدرته على الإبصار، شرحت لهذا الشاب هذا الأمر، وأفضت في ذكر ماهية هذا المرض، وأهمية وضرورة العلاج في هذه المرحلة، وتفصيل خطة العلاج والتحاليل والمتابعة…ولا أدري ما الذي حدث من جراء ذلك؟….. يبدو أنني أثقلت على الشاب!.. أو أنه فوجئ بهذا المرض ولم يتوقع خطورته إلى هذا الحد! أو أنه استكثره على نفسه؟! فقد فاجأني بسؤال صعقني صعقاً!! “يا دكتور..! كيف يأتيني هذا المرض وأنا أقرأ كل يوم جزأين من القرآن، وأدرِس في حلقتين؟!” فيما تلا من لقائي معه ناقشته حول هذا السؤال الذي سألته إياه: “من أفضل عند الله-سبحانه- أنت أم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الذي مرض وجرح وابتلي وتعب ونصب؟”.

“أنا استشاري من السنة الأولى..!”
وجدته أمامي في العيادة أول ما دخلت، بدماثة خلق وثقة عرف بنفسه، طبيب في السنة الأولى في برنامج تدريبي يريد أن يمضي شهراً في تخصص الروماتيزم كجزء من تدريبه، رحبت به، وفي عجالة سرد علي جدوله الأسبوعي وأن هذه هي الأوقات التي سيكون حاضراً فيها للمشاركة معنا، راودني خاطر:”من الذي يجب أن يملي على الآخر جدوله وأوقات حضوره وغيابه الاستشاري أم الطبيب حديث التخرج في السنة الأولى من التدريب”، غضضت الطرف وتابعنا يومنا هذا، أخبرته أنه سيقضي اليوم الأول في معيتي في العيادة، ثم إن رغب خصصت له في كل عيادة مرضى جدداً، يأتونني للمرة الأولى، فيقوم بأخذ التاريخ المرضي بمفرده وبفحص المرضى ثم يقدم الحالة لي أمام المريض لأقوم بتقييمه بشكل عام والتأكد من معلوماته ونتائج فحصه وتشخيصه ونقوم أيضاً بالحديث مع المريض معاً عن خطة العلاج (وهذا هو أنجع أسلوب في تعليم الأطباء على معاينة مرضى العيادات الخارجية الذين هم أكثر بكثير من المرضى الذين يتم تنويمهم في المستشفيات)، أجابني إجابة لم أفهم منها الشيء الكثير، فهمت أنه هنا لمعرفة أشياء محددة عنده، وأن طبيعة عمله في المستقبل لا تتطلب التعمق في أشياء لا يحتاجها…. جلس معي في العيادة… تناقشنا حول أحد أمراض الروماتيزم المنتشرة….. أجاب وشارك بمعلومة أو اثنتين…أعجبه ذلك.. ذكر في ثنايا كلامه أنه عمل مع هذا وذاك من الاستشاريين وأنهم جميعاً أجمعوا أنه ليس بينه وبين أن يكون استشاريا إلا سنوات التدرب الأربع هذه…وأنه يجب أن يعتبر نفسه استشاريا من السنة الأولى… وأن مكانه الطبيعي هو رئاسة أحد المراكز الطبية إذ هناك عدة مراكز بحاجة إلى رؤساء جيدين أمثاله!… انتهت العيادة وكانت الأولى والأخيرة التي حضرها هذا “الاستشاري” إذ اختلق أعذاراً لم أسمع بأغلبها من قبل عن عدم الحضور والمشاركة..وانتهى الشهر..وتابع هذا الطبيب تدريبه.. و يا لخوفي حين يصبح هذا الطبيب رئيساً لأحد المراكز!!

“لحظة يا دكتور حتى أنتهي من المكالمة..!”
كان لقاء عادياً كغيره مع أي مريض، سيدة في منتصف العمر، من مسؤولات إدارات التربية والتعليم، قمت بأخذ التاريخ المرضي وقمت بالفحص الطبي في وجود ممرضة، وبعد جمع بياناتي..توصلت إلى تصور مبدئي عن التشخيص وشرعت في الحديث مع المريضة..”الأستاذة” عن خطة العلاج..وما إن بدأت حتى رن هاتفها، وأشرت لها أن تجيب لعله طارئٌ ما..وتشاغلت بالكتابة في الملف..وتوقعت مكالمة سريعة-كما تعودت من كثير من المرضى- أن يذكروا أنهم في موعد طبي، أو كما يفعل البعض الآخر أدباً منهم واحتراما لأنفسهم ولمن يجلس أمامهم بألا يكلف نفسه عناء الرد أمام الطبيب الاستشاري بل يقفل جواله مباشرة ويردف ذلك باعتذار رقيق عن المقاطعة، ويطلب منك مشجعاً أن تواصل حديثك.. لم يحدث شيء من هذا!! بل واصلت “الأستاذة” حديثها في الهاتف: “نعم..نعم..ادخلوا من الباب، الأغراض موجودة هناك”، وأنهت المكالمة لتقوم بأخرى -وأنا أراقب-..وتطايرت كلمات كثيرة..”البوية..الأغراض..سعر المتر..اتفقنا على السعر..آخر كلام..” أشرت لها بيدي مستغرباً هذا الوضع..رمقتني بنظرة..وتابعت حديثها..وبعد برهة قالت لي سريعاً: “لحظة يا دكتور..!!” وتمادت “الأستاذة” في المكالمة وفي التفاصيل..وبعد أن انتهت..قلت لها: “الأستاذة الفاضلة أنت في عيادة محترمة فأرجو أن تحترمي وقتها ووقت الاستشاري الذي يجلس فيها”..ودار حوار أشبه ما يكون بحوار طرشان!! لم تقتنع الأستاذة بأنها أقدمت على أي شيء فيه إخلال بالأدب أو الاحترام، ذكرت لها أن صحتها مهمة فكان الأحرى بها أن تجعل هناك من ينوب عنها للإشراف على ما تريده من أعمال أثناء موعد العيادة، تعللت بأنه موضوع مهم، ثم شنت هجومها علي..لقد انتظرت كثيراً قبل أن تدخل العيادة..فلماذا لا أنتظرها أيضاً وهي تتابع حديثها”المهم”في الهاتف!! سألتها: وماذا كنت أعمل أنا وأنت تنتظرينني؟ ألم أكن أعمل وأهتم بغيرك من المرضى والمراجعين؟!! ألم تأخذي أنت أيضاً حقك من الاهتمام والرعاية؟!..توالت الكلمات واكتشفت أنني في جدل عقيم كلما زاد وقته ازدادت وقاحته، فأكملت حقها علي كمريضة..وحمدت وشكرت حين تركت العيادة..ودعوت صادقاً أن يُعان كل من كان حول هذه “الأستاذة”!

“أنا راجعت الاختبار وكانت بالفعل أسئلتهم صعبة…!!”

تميزت تعليقاته وردوده بالشدة والصرامة، قال لمجموعة من الطلاب أرادوا بعض التعديلات في الجداول: “أنتم جئتم هنا للعب.. لكن أنا راح أجتمع مع المسؤولين في المستشفى الفلاني وأقول لهم أن يشددوا عليكم في الحضور والغياب” وهذا يتماشى مع سياسته ووجهة نظره في الأمور الأكاديمية التي أعلنها أكثر من مرة في حشد من الطلاب: ” الطلبة ما يبغالهم إلا واحد شرس يكسر رأسهم لا من يدلعهم ويسمع لهم”..الحصول على موعد معه صعب جداً، فهو مشغول دائماً، وكثيراً ما يكون باب المكتب مقفولاً وهو بالداخل وأصوات الأحاديث تتعالى مختلطة بضحكات الاجتماع المنعقد..لا يقبل أي شيء بسهولة فهو يعرف الطلبة ويعرف أعذارهم “وأغلبهم بكاشين” ، وهو يدرك قيمته وقيمة الدور العظيم والمهم الذي يقوم به “أنا مستعد في أي لحظة أن أقفل مكتبي وأقول لهم ما في شغل أشوف ساعتها إيش يسووا”..صرح برأيه علناً في اختبار المعادلة والقبول في برامج الهيئة السعودية الذي ينظم سنوياً وذكر أمام حشد ” أنا راجعت الاختبار و كانت بالفعل أسئلتهم صعبة” …..يا ترى من هو صاحب هذه التصريحات الخطيرة؟؟ إنه سكرتير في إحدى كليات الطب!!!!!

جريدة الوطن السعودية – الأحد 14 محرم 1430هـ الموافق 11 يناير 2009م العدد (3026) السنة التاسعة


تعليق واحد على “مشاهدات طبيب”

  1. سعيد عسيري Says:

    السلام عليكم…

    بوركت يا أستاذي وبورك قلمك….

    مقال رائع يجمع العديد من غرائب وطرائف مجتمعنا…

    والتي تشاهد بإستمرار وتكاد تراها بشكل يومي…

    في جميع القاطاعات…

    وأكبر مشكلة هي التسلط…

    وذلك يعود في رأيي الى مشكلة نفسية سلوكية…

    علاجها هو أن يتم ( عزل ) هذا المتسلط عن التعامل مع أفراد المجتمع…

    وإخضاعه لعلاج نفسي مكثف…

    لعله يتعدل…

    واشك في ذلك …

اكتب تعليقاً