نزار ومحمد

تمر بنا أحياناً مواقف وشخصيات تبهرنا فلا ندري ما نعمل، لا نملك تفسيراً منطقياً لما نلحظه ونشاهده، أو على الأقل تفسيراً يلائم ما ألفناه وتعودنا عليه من مبادىء وسلوكيات، إن درجة الانبهار تصل عندي أحياناً إلى حد الحيرة إزاء ماكنت ألحظه وأشاهده وأسمعه عن نزار باهبري ومحمد أبو عيش، كمن يكون في صحراء الحياة القاحلة حيث جفاف المشاعر وشح العطاء وقيظ الكلمة القبيحة وفقر الأرض، حين ينشغل المرء بنفسه ونفسه فقط ليلتفت فجأة يمنة ويسرة فلا يرى ما اعتاد عليه من شر وقبح، بل يرى أزهاراً ووروداً وأشجاراً في ثنايا جنتين من أعناب حُفتا بنخل وتفجر خلالهما نهرٌ، أفلا ينبهر ويحتار ويمضي وقته متأملاً متعلماً!

شريط فيديو لمدة تزيد عن الثلاثين دقيقة فيه تقرير وثائقي باللغة الإنجليزية عن بلادي، الكعبة المشرفة والمدينة المنورة، مزارع القمح وآبار البترول، القلاع التاريخية وناطحات السحاب، الموانئ والمصانع، الجامعات والمستشفيات، وصور من الشمال والجنوب ومن شرق البلاد وغربها، يعده نزار باهبري ليشاهده ضيوفه الأطباء الكنديون في منزله بعد أن يكون قد أحسن وفادتهم بمائدة عشاء حجازية، وهم لاتنفك أسئلتهم عن بلدنا وديننا وحضارتنا.
تعجبت، استغربت، تحيرت!! قلت: نزار هذا حالم! ومن يعبأ بما يفعله! إذ كانت العادة في نهاية كل دورة تدريبية(شهراً أو شهرين) ونحن في البرامج التدريبية الكندية في المستشفيات أن يدعونا الاستشاري المشرف على التدريب إلى غداء لكل الفريق الطبي الذي يعمل معه، ولكن نزار هذا يقوم بدور الاستشاري وفي منزله الخاص!! إذ لاحظت عدداً من الأطباء الكنديين يتحدثون عن بلدي، بل ازدادوا ثقة واحتراماً كهؤلاء الأطباء السعوديين القادمين من الصحراء وآبار البترول حيث لاشئ-في ظنهم- إلا الإرهاب!! وندمت أني لم أعرف نزار عن كثب إلا لسنة أو اثنتين قبل رجوعي إلى أرض الوطن، وبعد هذه الحادثة لم أستغرب شيئاً مما رأيته أو سمعته عن صديقي نزارهذا، فمرة تجده مع حمال أو نجار يركبون ويعدون شقة أحد إخوانه أو أخواته المبتعثين، وأخرى تجده مع الشرطة الكندية يسهم في حل مشكلة أحد أبنائنا المبتعثين صغار السن، وثالثة يرد على اتصالات وطلبات واستفسارات لاتنتهي ممن حوله من المبتعثين، ورابعة تجده في حديقة منزله يعد قِدراً كبيراً من شوربة رمضان يأخذها لإفطار النادي السعودي في فانكوفر لما يزيد عن مائة من أعضاء النادي من السعوديين، ولا أتحدث هنا عن طبيب عادي بل هو متميز مبدع! أنهى الزمالة الأمريكية والكندية في الطب الباطني وهو الآن ينهي تدريبه في التخصص الدقيق في طب الحميات والأمراض المعدية، مولع بالتدريب والتعليم، يبغض التعالي والتكبر، بسيط إلى أبعد الحدود، خفيف الظل، حبيب محبوب، لتميزه وشغفه بما يعمله، عهد إليه مدير البرنامج التدريبي في الطب الباطني أن يتولى الإشراف على تدريب الأطباء وطلبة الطب في مستشفى رئيسي في إحدى ضواحي مدينة فانكوفرلكنه يبعد كثيراً عن وسط البلد، وماهي إلا شهران أو ثلاثة وجاء تقييم الأطباء المتدربين لهذا المستشفى كواحدا من أفضل المستشفيات!!

أما الرجل الآخر الذي يبهرني ويحيرني دائماً فهو رجل معجون بأخلاط عجيبة غريبة! خير وود وعطف وبذل وسخاء وجود كثير عميم اختلط مع أمل لا حد له وحب للعمل والعطاء لاينتهي ، اجتمع كل ذلك واعتمل في نفس كبيرة أصبحت مولداً لطاقة إبداع تنتشر في كل مكان، والغريب أن هذا المولد الإنساني الحي يطلق طاقات الإبداع والتميز لدى الآخرين أيضاً! إني أزعم أن النحل في عمله ودأبه على الإنتاج لو كان يتمثل في أحد لتمثل في محمد أبو عيش!
كنا نتجمع في إحدى الحدائق الكبيرة في مدينة فانكوفر-أثناء فترة تدربنا الطبي- ونلعب الكرة، الرياضة المحببة الأولى لغالبية المبتعثين، جاء محمد ورأى حالنا فرفق بنا وأراد لنا وضعاً أفضل لنستمتع أكثر، فوقف على مدى أسبوعين أو أكثر مع عمال منجرة ليصمم لنا أبواباً خشبية متنقلة، أضاف إليها لاحقاً قطعاً من الحديد لترتفع إلى العلو الذي نريد، واشترى شبك الأبواب ولواصق مؤقتة، تُعقد وتُحل، وأصبح محمد في كل أسبوع يملأ سيارته (الفان) بكل هذه الأخشاب والحدائد ويحضرها إلى أرض الملعب وينزلها بنفسه، حينها نسهم معه في الحمل وإعداد أبواب الملعب، لنمضي أوقاتاً جميلة ممتعة مع اللعب والأصدقاء، وما إن ننتهي ويعود كل منا إلى منزله، يعود محمد بأبواب الملعب في سيارته ليحفظها في مرآب منزله!! ولكسلنا كنا نغير موعد اللعب إذا وافق اليوم الذي نلعب فيه الكرة-يوم السبت غالباً- موعد مناوبة في المستشفى لصاحبنا محمد، ونتدلل عليه ليخرج المسكين – وبكل حب وكرامة- من مناوبته إلى منزله ومن ثم إلى الملعب!! استأجر لنا محمد في الشتاء ملاعب مغلقة – بأجر زهيد- وأذكر أن عدد من كان يحضر-في آخر سنة كانت لي هناك(2004) يصل إلى 30 شخصاً، والآن يحدثني محمد أن عدد من يحضر لأنشطة النادي السعودي الرياضية والثقافية يصل إلى أكثر من 100 مبتعث، وأن النادي في خطوة ذكية تم تسجيله رسمياً لدى بلدية فانكوفر كجمعية أهلية.
سألت مرة عن محمد في الهاتف، قال لي: إني أستقبل أحد الإخوة السعوديين في المطار، قلت له: هل هو طبيب؟ أجاب لا، قلت: هل أوصاك عليه أحد؟ قال لا، قلت: هل هو زميل قديم؟ قال لا، قلت: هل تعرفه؟ قال لا!! قلت: وما تفعل في مكانك إذن؟ قال: هذا شاب حصل على رقمي واتصل بي من السعودية وطلب مني أن أستقبله وهأنذا أفعل!! أذكر أن محمداً أول من جمعنا على مجموعة بريدية واحدة على الإنترنت، ثم تطور العمل الآن إلى موقع إلكتروني مميز، وبطاقات عضوية، وشعار خاص للجمعية (النادي)، وشمل ذلك برامج ثقافية مميزة تسهم في تسهيل كثير من الأمور الحياتية والأكاديمية للمبتعثين هناك، محمد استشاري طب الأطفال حصل على الزمالة الكندية والأمريكية ثم أكمل التخصص الدقيق في طب الطوارئ، والآن ينهي درجة الماجستير في تقنية المعلومات، محمد قام بعمل سلسلة محاضرات لطلبة اللغة وأنزلها على أحد المواقع الإلكترونية هذا بالإضافة إلى كتيب متكامل وعرض لكل مايحتاجه الطبيب المبتعث هناك.
إلا أن من أروع إنجازات هذه المجموعة المميزة المبدعة أن أطلقت مولد الإبداع الإنساني لدى كثيرين من شباب وشابات الوطن ليفوز الجناح السعودي في معرض اكسبو والذي تعقده جامعة بريتش كولومبيا في مدينة فانكوفر كأفضل جناح لثلاث سنوات متتالية! ولا أدري أين الإعلام المحلي عن مثل هذه الإنجازات؟؟!
أمور كثيرة تعلمتها من نزار ومحمد، تعلمت أن أعطي بكل ما أملك وبكل ماأستطيع، وألا حدود لما أعطيه وليس المال وحده هو العطاء، ومن استزاد فالله أكرم وأعز وأجلَ، فالعطاء حياة وترق في درجات كمال النفس ورفعتها وشموخها، (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، لا وجود لأمور كثيرة عند هذين الشابين، أمور كبلت الكثيرين، وأخرت أمما ومجتمعات، هم بالناس ومع الناس، لايخشون الناس ولايخافونهم، يخدمونهم كما لو كانوا أهلهم، ويصبرون على أذاهم مهما بلغ، لايعرفون التفرد ولا الأنانية، مسحوا تماماً قاموس التعصب والتحزب من حساباتهم، استوعبوا تنوع الثقافات والأعراق، لهم رؤية بعيدة وهدف واضح يجعلونه نصب أعينهم ويسعون إليه دائماً، تعلمت أن مولد الإبداع الإنساني لاحدود لطاقته وأن أثره يتعداه بقوة إلى غيره.
أهدي هذا المقال إلى أستاذي في الأخلاق والأدب، إلى من علمني حب العمل والتفاني فيه، إلى من علمني الجود والكرم والعطاء بلا حدود، إلى والدي العزيز.

جريدة الوطن السعودية – الأحد 2 ربيع الآخر 1430هـ الموافق 29 مارس 2009م العدد (3103) السنة التاسعة


تعليق واحد على “نزار ومحمد”

  1. حسام عالم Says:

    في عالم ثالث استحوذت عليه فكرة القطب الواحد
    حتى صرنا نختزل أي إنجاز كبير في شخصية واحدة، لاعب واحد، قائد واحد مسؤول واحد،،، إلخ
    حتى أنه قلما تجد مقالا يحمل عنوانه اسمين مفصولين بحرف “واو” لا يكون خبرا عن توأم جديد تم فصله بواسطة الفريق الطبي في الحرس الوطني..

    ولكن هذه المرة فالوضع غير
    فالكاتب مختلف وأسلوبه يفرق دائما
    والمكتوب عنهما يختلفان
    فهما هذه المرة توائم مع الشخصية المسلمة البناءة والمجبولة على حب الخير ومساعدة الأخرين.. وقد” توأما” بين التميز العلمي والاجتماعي،،، ولعل هذه “التوأمة بين التميز العلمي والاجتماعي” تبقى للأبد ولا يبتليها الله بمن يفصلها خاصة عند عودة الرجلين إلى أرض الوطن..

    أعود إلى أستاذنا الدكتور هاني: فمقالته هذه تميزت عن سابقاتها بأنها ارتدت ثوبا إيجابيا زاهيا والأهم من ذلك أنه ثوب حقيقي ملموس ومشاهد.. ولك عزيزي القاريء أن تبحث في اليوتيوب عن فيديوهات للدكتور نزار باهبري لترى الجهود العملاقة التي يقوم بها بعينيك.

    ولا أعني بما سبق بأن المقالات السابقة كانت متشائمة، بل إنني أدركت بأن العامل المشترك بين كل المقالات هو الواقعية المحايدة، فالمقالات جميعها تمتدح الحسن وتذم السيء بلا مجاملة ولا إجحاف وهذا ما نحتاجه بالضبط في الوقت الراهن فقد سئمنا ممن تعجبك أجسامهم وألسنتهم كأنهم خشب مسندة…

    وأختم بدعاء الله عز وجل أن يجعلنا مثل محمد ونزار

اكتب تعليقاً