ثقافة الاستهلاك حتى في التعليم
كُثر هم المفكرون والمثقفون الذين كتبوا وصفاً وتحليلاً للثقافة التي تعشش في أذهاننا، وذلك سعياً منهم لتشخيص عللنا لنرقى من ثَم إلى فكر التحضر والتقدم، من أبرز سمات وملامح هذه الثقافة التي أزعم أنها مريضة وبحاجة إلى العلاج، غلبة الاستهلاك على الإنتاج، وهنا أحاول أن أبين كيف استفحلت ثقافة الاستهلاك هذه في مجال التعليم –الطبي تحديداً- وأصبحت عقبة كأداء أمام التطوير.
لاحظت غلبة استخدام مصطلح “التعليم المبني على المعضلات” “problem-based learning” لدى كثير من الزملاء الأطباء في عدة كليات طبية داخل وخارج بلدنا الغالي، وحتى عندما أسأل زميلاً عن وضع الكلية – كلية الطب – والمناهج فإنه يبادرني مباشرة بالقول – دلالة على التحضر والتطور -: إننا نطبق مبدأ التعليم المبني على المعضلات، وبهذه المعلومة فقط يريد زميلي هذا أن أظهر له علامات الاستحسان والتعجب والرضا، وأن أكيل عبارات التمجيد والتبجيل، وأن أحمد هذه الخطوة الجبارة، وأن أسهب في الثناء كما لو أني أتغزل في مزايا سيارة جديدة اشتراها أو ساعة غالية لماركة عالمية تزين معصمه!
هناك اتجاه حديث في النظر إلى أبحاث التعليم الطبي لا يقلل من شأن هذه الأبحاث وأهميتها، ولكن يطالب بإعادة صياغة معاييرها ومقاييسها لتصبح أكثر دقة ومصداقية. إننا نعلم أن جل أبحاث التعليم الطبي هي من النوع النوعي وليس الكمي، أي لا توجد لديك مقاييس محددة تلجأ إليها لمعرفة نتائج بحثك كما هو المتبع في البحوث الطبية التقليدية التي تضع مقاييس محددة كنتائج لأبحاثها كمقياس الضغط قبل وبعد استخدام الدواء أو كعدد المفاصل الملتهبة قبل وبعد الدواء أو مقياس مختبري كوظائف الكلية أو الكبد وخلاف ذلك، في التعليم الطبي يندر وجود مثل هذا التحديد الدقيق في المقاييس وبالتالي تعميم نتائج بحوث التعليم الطبي قد لا يكون دقيقاً أيضا، معنى ذلك عند أصحاب هذا الاتجاه – وهو اتجاه متنام وله حجة وجيهة – أن نتائج البحوث المنشورة في التعليم المبني على المعضلات من أمستردام – تعتبر المدرسة الهولندية من أكثر المدارس الطبية تطرفاً في القناعة بالجودة المطلقة للتعليم المبني على المعضلات – لا تعني بالضرورة فعالية هذه الطريقة إذا طبقت في مكان آخر غير أمستردام! لماذا؟ لأن طالب الطب في باريس ونيويورك ومكة وطوكيو مختلف عن طالب الطب في أمستردام، في تركيبه الفكري والنفسي، في ترتيب مناهجه الدراسية، في نمط وأسلوب دراسته، في أساليب تقييمه.
إذاً كيف نستفيد من نتائج البحوث العديدة التي أشارت إلى أفضلية هذه الطريقة أو تلك؟ وما العمل إزاء بحوث عديدة قارنت بين طلبة تخرجوا من مناهج مبنية على المعضلات وآخرين خريجي مناهج تقليدية؟ الحق أننا يجب أن ننظر إلى المبدأ الذي تعتمد عليه هذه الطرق والأساليب، ومن ثم يأتي الاستئناس بنتائج مثل هذه البحوث والدراسات، ومن ثمَ التطبيق الحذر على واقعنا التعليمي!
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ طريقة التعليم المبني على المعضلات ترتكز على مبدأ مركزية الطالب وليس الأستاذ في العملية التعليمية، فالطالب مسؤول عن تعلمه مسؤولية تكاد تكون مطلقة! فهو الذي يضع الأهداف، وهو الذي يبحث عن المعلومة، وهو الذي يصل إلى النتائج، وكل ذلك طبعاً بإشراف أكاديمي، أضف إلى ذلك أن طريقة التعليم هذه ليست إلا مثالاً واحداً فقط لعدة طرق وأساليب تعليمية تعتمد على مبدأ المشاركة الفعالة الإيجابية للطالب في العملية التعليمية، وليس الحفظ والتلقين والتبلد والخمول. فقبل النظر في طريقة ما يجب أن نسعى إلى تطبيق هذه المبادئ في تعليمنا، فهل الطالب عندنا هو محور العملية التعليمية أم إن الأستاذ هو الكل في الكل؟
حتى تنجح مشاريعنا التطويرية يجب أن نتبنى منهجاً شمولياً يُراعى فيه عدة أمور، أولها أستاذ كلية الطب وضرورة تطوير مهاراته، ضرورة تحديد الكفايات الواجب توافرها في خريج كلية الطب في بلادنا ومن ثم تحديد الكفايات المرحلية حتى يتسنى للقائمين المقتدرين على التعليم-من الأطباء وليس من أساتذة كليات العلوم والأحياء الدقيقة- صياغة برامج وطرق تعليمية-من ضمنها طريقة التعليم المبني على المعضلات- تسعى إلى تحقيق وجود هذه الكفايات في الطلاب بنهاية مقرراتهم، إعادة غربلة أساليب التقويم التي تستخدم في جل كليات الطب في بلادنا
إن ما لم يؤكد عليه كثير من بحوث التعليم المبني على المعضلات بشكل واضح وبارز: هو أن الطلبة كانوا مرتاحين نفسياً ومعنوياً وسعداء بما يقومون به من نشاط وهذا يفسر كثيراً أسباب النجاح الخارق لهذه الطريقة، ونحن نسعى إلى تطوير التعليم علينا إذاً أن نفكر كثيراً في توفير أجواء من الراحة النفسية تشجع على العلم والتحصيل والإنتاج عند طلبتنا. لقد أورثنا طلبتنا – وما زلنا نورثهم – الكثير من العقد النفسية بسبب الأساتذة المعقدين أصلاً – سواء من أساتذة العلوم الأساسية أو الأطباء الاستشاريين – وبسبب مناهج قديمة متخلفة وأساليب تقويم بالية. وهناك قضية أساسية مهمة ألا وهي ضرورة توفير مصادر تعليمية جبارة في متناول طلابنا من مكتبات منظمة متجددة وتقنيات إلكترونية عالية..كل ذلك يجب أن يتحسن قبل أن نفكر في نجاح أي طريقة تعليمية جديدة.
أمر آخر علينا مراعاته هو تجهيز وتأهيل طلبتنا للتعامل مع الطرق الحديثة هذه، إن طلبتنا هم ضحايا حفظ وتلقين، وإن كثيراً منهم يفقد مهارات التعلم الأساسية (أذكر هذا بناءً على دراسة لي منشورة في هذا المجال)، وإن السعي غير الواعي إلى تطبيق ما هب ودب من أساليب تعليمية حديثة دون النظر إلى مراعاة حال طلابنا هو الوصفة المؤكدة لفشل هذه الطريقة أو تلك. إني أنظر بإجلال واحترام إلى المدرسة السنغافورية الآسيوية في التعليم الطبي، والتي بدأت تكتسب احتراماً عالمياً، إحدى صوره مؤتمر سنوي عالمي متنام في التعليم الطبي في جامعة سنغافورة، ورغم ذلك فإن مقدار استخدامهم للتعليم المبني على المعضلات مقارنة بطرق وأساليب التعليم الأخرى التي يستخدمونها لا يتجاوز 20%، وما ذلك إلا أن هذا في ظنهم هو الأنسب لطلبتهم، ولا غرابة إذاً أن تكون النسبة 100% في جامعة ماسترخت بهولندا لأن هذا في ظنهم هو ما يناسب طلبتهم! فما الذي يناسب طلبتنا نحن؟
تصويب: ورد في المقال السابق، خطأ “كالحمار يحمل أسفاراً” والحق أن الآية الكريمة: “كمثل الحمار يحمل أسفارا”- سورة الجمعة – آية 5- أشكر عدداً من الأساتذة الكرام على التنويه.
جريدة الوطن السعودية – الخميس 8 شعبان 1430 ـ 30 يوليو 2009 العدد 3226 ـ السنة التاسعة


27 أغسطس 2009 في الساعة 5:57 م
كفيت و وفيت شخصت و وضعت الحلول
بما أننا مستهلكون ، نضع العناوين البرّاقة دون فهمها وتطبيقها
مواكبة للموضة لان خلق الموضة مستحيل لدينا. !!!!!!!
كما قال احد الفلاسفة
“حارب عدم القدرة بالاستهلاك”
تحياتي
تلميذك….
2 سبتمبر 2009 في الساعة 9:38 ص
حتى في جامعات كندا قد يفشل نظام التعليم المبني على المعضلات اذا لم يطبق بشكل صحيح:
http://forums.studentdoctor.net/showthread.php?t=645476