أيتها الهيئة: كفي عن هذا الهراء!

28 يونيو 2009

تأتي فترة من السنة تقفر فيها المستشفيات من الأطباء المقيمين (وهم الأطباء-سعوديون في الغالب- الذين ينخرطون في برامج التدريب بإشراف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية في مرحلة ما بعد مرحلة الامتياز وذلك لنيل درجة الزمالة)، وأول ما تلاحظه حقيقة هو عزوف هؤلاء الأطباء عن حضور اللقاءات الطبية الصباحية، تسأل ما السبب؟ يأتيك الجواب بأنه أمر عظيم! تبحث عنهم في العيادات الخارجية، فلا تسمع إلا الأعذار فقد أزف الوقت وادلهمَ الليل وحانت الساعة واحمرت المعركة!! إجازات اضطرارية، وغياب بحساب وبلا حساب، واكتئاب فوق الاكتئاب، وإذا سألت يا قوم أفيدونا ما الذي دهاكم؟ قالوا: ألا تعلم يا دكتور؟ قلت: لا أعلم، وسبحان العليم الحكيم، قالوا: ألا تدري يا دكتور، لا علمت ولا دريت! فلما يئسوا مني، قالوا: إنه الامتحان السنوي للهيئة السعودية! امتحان إلزامي، من لا يتجاوزه لا يرقى إلى سنة التدريب التالية، وإن رأى في المنام أنه حفيد ابن سينا أو ابن أخت الرازي أو زميل ابن حيان!

تذكرت مباشرة مرحلة التعليم الابتدائية والمتوسطة والثانوية، أتذكرون تلك الاختبارات التي لا تنتهي في كل المواد؟ أم إنها لازالت موجودة؟ أعمال السنة، والاختبار الشهري، والاختبار النصفي، ومن ثم الاختبار النهائي، فلا مذاكرة إلا بسبب الاختبارات ولا تدريس إلا لأجل الاختبارات!

لا أدري من الذي يخطط للهيئة ومن يضع مثل هذه القوانين التي عفا عليها الزمن، نحن أيها السادة لا نتحدث عن مرحلة تعليم جامعي بل مرحلة تعليمية لما بعد الجامعي، درجة الزمالة تعادل درجة الدكتوراه، ومع ذلك فإن الهيئة السعودية للتخصصات الصحية تصر على التعامل مع هذه الفئة الغالية والعزيزة والمهمة من العلماء الأطباء على أنهم من طلاب مرحلة ابتدائية! إنه الاستمرار القاتل للنمطية التقليدية المتخلفة التي لا تنتج إلا السلبية والبرود والجمود العلمي، لن يكون الأطباء المقيمون إذاً وبمباركة الهيئة الكريمة إلا حفنة من كتبةٍ..حفظة..محترفي اختبارات! ألا كفى قتلاً للعلم والعلماء!

يجب أن تتحول بوصلة التقويم من التركيز على كمية المعلومات التي يحملها الطبيب المقيم إلى المعلومات التي يطبقها الطبيب، لقد شَنع القرآن الكريم على الذين يحملون علماً غزيراً لكن لا رصيد تطبيقي له “كمثل الحمار يحمل أسفاراً“، والأهم من أن تسأل سؤالاً نظرياً عن كيفية علاج الفشل الكلوي، أن تحرص على أن يتدرب الطبيب المقيم تدريباً سليماً فيه أهداف واضحة ومحددة، ويتم تحقيق كفايات علمية ومهارية وسلوكية بنهاية التدريب في قسم أمراض الكلى، وقس على ذلك جميع الأقسام.

إن الهيئة السعودية ومن خلفها جل البرامج التدريبية التعليمية في عدد كبير من مستشفياتنا لا يحمل توصيفاً للكفايات العلمية والمهارية والسلوكية الواجب توافرها في الطبيب المقيم الذي سيتخرج ويصبح استشارياً في تخصصه!

يجب أن نتعامل مع هؤلاء الأطباء على أنهم علماء أفاضل يقدمون أرقى خدمة يمكن أن يقدمها إنسان لمجتمعه، يجب أن نحترم وننمي الحس العلمي البحثي لدى هؤلاء العلماء، يجب أن نزرع فيهم الحس المهاري السريري، والثقة في اتخاذ القرارت السريرية الصحيحة، والمهنية العالية في تعاملهم مع أنفسهم ومع زملائهم ومع مرضاهم، وكيف يتحقق كل هذا مع الهيئة الكريمة وهي مولعة لحد الجنون بهذه الاختبارات السنوية وبأمر آخر يتعلق أشد التعلق بهذا الموضوع ألا وهو الرسوم المالية السنوية والتي تتضخم بلا سبب وجيه من عام إلى عام!

إني أسأل العقلاء والوجهاء في الهيئة الكريمة: هل هناك برنامج كفايات واضح لبناء وتخريج شخصية طبية علمية قوية ومتكاملة؟ هل هناك دليل واضح لكل طبيب ترصد فيه مراحل تطوره العلمي والمهاري؟ كيف يعقل أن يبدأ الطبيب المقيم تدربه في تخصص ما وهو لا يعرف ما الذي يجب عليه التمكن منه علمياً ومهارياً؟ والأدهى أن من يعمل معه هذا الطبيب من الاستشاريين أشد جهلاً منه في هذه الكفايات العلمية والمهارية، بل إن بعضهم لا ثقافة تعليمية عنده ولا اهتمام ولا حرص ولا دراية بأمور التعليم الطبي وقضاياه! والأشد دهاء ونكراناً أن جل المشرفين على هذه البرامج من الاستشاريين هم حقيقة قليلو الخبرة والإحاطة بالتعليم الطبي وقضاياه وأساليبه، فلا تطلب ممن لا يجيد العوم أن يشرف على مجموعة من السباحين! فليس كل طبيب وإن كان استشارياً هو معلم حاذق متقن لأمور التدريب والتعليم!

يجب أن نقر جميعاً – سواءٌ كانت الهيئة الكريمة أو كليات الطب في جامعاتنا العريقة- أن الأطباء الاستشاريين بحاجة إلى تدريب وتأهيل في التعليم الطبي، إن حجر الزاوية في أي عملية تطويرية لمخرجات التدريب والتعليم سواء لمرحلة ما قبل التخرج أو بعد التخرج إنما هو الاستثمار في اللاعب الرئيسي في العملية التعليمية ألا وهو الطبيب الاستشاري المعلم! يجب أن تلزم الهيئة الأطباء الاستشاريين بدورات تدريبية إلزامية. على الهيئة أيضاً أن تضيق الاعتراف بكل ما هب ودب من المراكز التدريبية التي لا تكتمل فيها آليات معينة تضمن قوة ونجاح هذه البرامج. وعلى الهيئة بشكل علمي منهجي أن تعيد النظر في آليات التقويم المعتمدة والتي أظن أن المعتمد منها سواء أكان بالاختبارات السنوية المشابهة لاختبارات المرحلة الابتدائية أو بالاختبار النهائي المعتمد على أسلوب الحالة الطويلة إنما هي أساليب قديمة بدائية انتهت فترة صلاحيتها من عدة سنوات! أضف إلى أنها لا تنمي إلا سطحية التعلم، على الهيئة أن تعتمد بجدية إدخال التدريب على البحث العلمي وآلياته، على الهيئة…

“لا داعي لا داعي، لا تكثر الكلام قد أزعجتنا بكثرة كلامك وطول لسانك وتدخلك فيما لا يعنيك…
هناك اختبار سنوي لكل سنة من سنوات التدريب، للسنة الأولى وللسنة الثانية وللسنة الثالثة وللسنة الرابعة، شئت أم أبيت، وعليه سيتم تحديد من ينتقل ومن لا ينتقل إلى السنة التالية، المهم أن الجميع سيدفع! وما ذكرته لا نستطيع عمله، فهذه إمكانياتنا وهذا نحن، وليس بالإمكان أفضل مما كان، أما كلامك فهو كلام جرائد! فليبقَ حبيس الورق! وسيظل الوضع على ما هو عليه! ومت بغيظك!!”

“…..ك ت ب كتب…. ز ر ع زرع……ح ص د حصد……. ق ت ل قتل!!!……”

جريدة الوطن السعودية – الأحد 5 رجب 1430 ـ 28 يونيو 2009 العدد 3194 ـ السنة التاسعة


الشغف بالعلم

26 مايو 2009

أعتقد أن أهم وسائل نشر وبناء منهجية تفكير علمي صحيح هو العمل على بث روح الولع بالعلم والشغف به وتنمية بذرة حب الاستطلاع واكتشاف المجهول، وهذه آلية لا تختص بزمن دون آخر ولا بسن دون أخرى، بل هي مسؤولية الجميع: المعلم في المرحلة الابتدائية والمعلم في المرحلة الجامعية، تلميذ المدرسة وطالب الجامعة، المدير، المقرر، البيئة التعليمية.. كل ذلك يجب أن يدعم الشوق إلى معرفة الجديد والكشف عن أسرار وغرائب العلوم والمعارف. إن الطالب وأخصص أكثر وأقول – طالب المرحلة الجامعية – لا يتعلم وهو جالس أمامك في قاعة الدرس بين أربعة جدران، ينظر إليك بعينين جاحظتين من أثر النوم والنعاس، ويستمع ولا شيء غير الاستماع والتلقي، كوعاء يصب فيه الأستاذ ما شاء من معلومات منطقية وغير منطقية، وما أخشاه أن هذا الوعاء قد يكون مثقوباً لا يكاد يبقي على شيء وإذا سلم من العيوب وامتلأ الوعاء فإنه سرعان ما ينقلب مقفى على وجهه في أول خطوة للطالب خارج قاعة الدرس! إن الطالب وأستاذه يجب أن يكونا طالبي علم ومعرفة، لا فرق بين أحد!! إن الطالب يتعلم في سعيه للتعلم، يتعلم إذا أمعن تفكيره فيما يريد أن يتعلمه، يتعلم إذا أحب العلم وتعطش عقله وذهنه للجديد، فلا يهتم إلا بالعلم والمعرفة لتصبح طعامه وشرابه، صبحه ومساءه، فيبذل الجهد ويسخر الطاقات ويقوم بأنشطة وفعاليات في سعيه للتعلم ويناقش زميله وأستاذه ويحاور فيما أريد منه أن يتعلمه، وكل ذلك تصديقاً لما ورد في الأثر إنما العلم بالتعلم!!

أتأمل بروعة وإجلال قول الله سبحانه وتعالى: “وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي”، وهذا ليس بسؤال شاكٍ فيما يؤمن، إذ إنه سأل عن الكيفية وليس عن أصل الموضوع وهو الإحياء، إنما هو سؤال تشوقٍ وتطلعٍ وتلهفٍ وبحثٍ عن المزيد من اليقين، وانظر إلى روعة الرد الرباني الذي يؤكد ويؤصل مبدأ الحوار والنقاش في أي موضوع مهما كان ظاهره خطيراً ويحمل طابع “الخصوصية”، ليس هناك توبيخ أو صد أو إعراض، بل سؤال هادئ مستفهم – والله العالم بكل شيء – للتأكد من صحة الرغبة وهدفها.

إن الشغف بالعلم وحبه والانغماس في بحوره والتحليق المستمر في عالمه يخلق أجواءً صحية رائعة في المؤسسة التعليمية، في المنزل، في المجتمع، في كل مكان، يجب أن نربي أنفسنا ليس على احترام العلم والعلماء فحسب بل على احترام وتقدير كل ما له علاقة بالعلم من قريب أو بعيد.

أنقل هنا صورة شغفٍ وولعٍ بالعلم وأهله، فيها مجتمع أدمن العلم والاشتغال به، وفي هذه الصورة بيئةٌ تُكبر وتشجع كل من تعلم، وتحارب من رضي بالجهل والقعود، صورة ليست من سير العلماء الغربيين الذين احتك بعضنا بهم ورأى كيف أن عمرَ أحدهم يذهب في سبيل الكشف عن مركب ما أو دراسة ظاهرة ما، وليست في وصف جامعات غربية تموج فيها حركة العلم والعلماء والاحتفاء بالبحث العلمي والدعم اللامحدود لكل من أراد أن يتعلم أو يبحث من مكتبات ورقية وإلكترونية هائلة (أذكر أني طلبت مرة من مكتبة الجامعة في فانكوفر – كندا – عن طريق الكمبيوتر مقالة علمية في مجلة قديمة كتبت عام 1946، تم إحضارها في ظرف يوم واحد!)، وجيوش من الإحصائيين وداعمي البحث العلمي، وآليات إدارية سهلة سلسة في كل علم وفي كل تخصص هدفها خدمة الطالب والباحث لا تعقيده!

هذه الصورة الرائعة أنقلها من كتاب (ضحى الإسلام) للأستاذ أحمد أمين وهو الذي يؤرخ لمسيرة العقل العربي منذ فجر الإسلام ويرصد بدايات العلوم الإسلامية وتطورها على مدى العصور، ذكر في الجزء الأول صفحة 384 : “… وهكذا تمتزج في العراق كل الثقافات، وتتبادل كل الآراء، وتعرض كل الآداب فيروي الأغاني: “أنه كان في مسجد البصرة حلقة قوم من أهل الجدل يتصايحون في المقالات والحجج فيها” وبجانبهم حلقة للشعر والأدب وهكذا. وكان الذين يحضرون هذه الحلقات من أجناس مختلفة وديانات مختلفة وآراء مختلفة، وكانوا يتلاقون في المسجد وفي المنازل، وفي قصور الولاة والخلفاء، ويتحاجون ويتجادلون، يخرج الجاحظ صباحاً إلى المسجد لطلب الحديث، ويلتقي بعد بحنين بن إسحق وسلمويه، ويلقى النصراني واليهودي فيجادلهما، ويلقى البدوي العربي فيأخذ عنه. يتقابل أصحاب الديانات فيحكي كل ما ورد في كتبه عن خلق العالم، ويتجادلون في رؤية الله هل تكون أو لا تكون” ثم يقول: “على حين يتجادل الآخرون في أي الأمم خير، ويتعصب هذا للعرب وهذا للعجم، وغير هؤلاء في لغة وفي أدب، ويقارن العلماء بين اللغات المختلفة والآداب المختلفة. فكان من هذا كله حركة عنيفة، لم تدع نوعاً من المذاهب والأديان واللغات والآداب يعيش وحده، بل لم تدع جزءاً من الأجزاء إلا مزجته بأجزاء أخرى حتى صعب على الباحث أن يرد الأشياء إلى أصولها، ولم تكن هذه العملية كعملية مزج الزيت بالماء، يعود كل عنصر ملتئماً مع نوعه مفارقاً لغيره، ولكنه كامتزاج السكر بالماء، أو نفحات الأزهار بالهواء. تمتزج فتبقى أبداً، وتتلاقى فلا تفترق أبداً. وكذلك كانت الثقافات، التقت في هذا العصر فكان أول تلاق، وصارت على توالي العصور أشد تلاقياً، وأكثر امتزاجاً”

“الجهل غشاء سميك يغشى العقول، والعلم نار متأججة تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويداً رويداً” كما يقول المنفلوطي، والحق إن الأغشية كثيرة جداً لا تكاد تحصى! فما يجهله الإنسان أكثر مما يعلمه، لكن على العقل أن يتألم قليلاً من حرارة نار العلم، فما إن يزول هذا الغشاء حتى يرى النار نوراً والألم لذة وسروراً، فيهوى العقل حينئذ كشف أغشية الجهل وحرقها، لأن من رأى النور لا يمكن أن يرضى بالظلام!

جريدة الوطن السعودية – الثلاثاء 2 جمادى الآخرة 1430 ـ 26 مايو 2009 العدد 3161 ـ السنة التاسعة


نزار ومحمد

29 مارس 2009

تمر بنا أحياناً مواقف وشخصيات تبهرنا فلا ندري ما نعمل، لا نملك تفسيراً منطقياً لما نلحظه ونشاهده، أو على الأقل تفسيراً يلائم ما ألفناه وتعودنا عليه من مبادىء وسلوكيات، إن درجة الانبهار تصل عندي أحياناً إلى حد الحيرة إزاء ماكنت ألحظه وأشاهده وأسمعه عن نزار باهبري ومحمد أبو عيش، كمن يكون في صحراء الحياة القاحلة حيث جفاف المشاعر وشح العطاء وقيظ الكلمة القبيحة وفقر الأرض، حين ينشغل المرء بنفسه ونفسه فقط ليلتفت فجأة يمنة ويسرة فلا يرى ما اعتاد عليه من شر وقبح، بل يرى أزهاراً ووروداً وأشجاراً في ثنايا جنتين من أعناب حُفتا بنخل وتفجر خلالهما نهرٌ، أفلا ينبهر ويحتار ويمضي وقته متأملاً متعلماً!

شريط فيديو لمدة تزيد عن الثلاثين دقيقة فيه تقرير وثائقي باللغة الإنجليزية عن بلادي، الكعبة المشرفة والمدينة المنورة، مزارع القمح وآبار البترول، القلاع التاريخية وناطحات السحاب، الموانئ والمصانع، الجامعات والمستشفيات، وصور من الشمال والجنوب ومن شرق البلاد وغربها، يعده نزار باهبري ليشاهده ضيوفه الأطباء الكنديون في منزله بعد أن يكون قد أحسن وفادتهم بمائدة عشاء حجازية، وهم لاتنفك أسئلتهم عن بلدنا وديننا وحضارتنا.
تعجبت، استغربت، تحيرت!! قلت: نزار هذا حالم! ومن يعبأ بما يفعله! إذ كانت العادة في نهاية كل دورة تدريبية(شهراً أو شهرين) ونحن في البرامج التدريبية الكندية في المستشفيات أن يدعونا الاستشاري المشرف على التدريب إلى غداء لكل الفريق الطبي الذي يعمل معه، ولكن نزار هذا يقوم بدور الاستشاري وفي منزله الخاص!! إذ لاحظت عدداً من الأطباء الكنديين يتحدثون عن بلدي، بل ازدادوا ثقة واحتراماً كهؤلاء الأطباء السعوديين القادمين من الصحراء وآبار البترول حيث لاشئ-في ظنهم- إلا الإرهاب!! وندمت أني لم أعرف نزار عن كثب إلا لسنة أو اثنتين قبل رجوعي إلى أرض الوطن، وبعد هذه الحادثة لم أستغرب شيئاً مما رأيته أو سمعته عن صديقي نزارهذا، فمرة تجده مع حمال أو نجار يركبون ويعدون شقة أحد إخوانه أو أخواته المبتعثين، وأخرى تجده مع الشرطة الكندية يسهم في حل مشكلة أحد أبنائنا المبتعثين صغار السن، وثالثة يرد على اتصالات وطلبات واستفسارات لاتنتهي ممن حوله من المبتعثين، ورابعة تجده في حديقة منزله يعد قِدراً كبيراً من شوربة رمضان يأخذها لإفطار النادي السعودي في فانكوفر لما يزيد عن مائة من أعضاء النادي من السعوديين، ولا أتحدث هنا عن طبيب عادي بل هو متميز مبدع! أنهى الزمالة الأمريكية والكندية في الطب الباطني وهو الآن ينهي تدريبه في التخصص الدقيق في طب الحميات والأمراض المعدية، مولع بالتدريب والتعليم، يبغض التعالي والتكبر، بسيط إلى أبعد الحدود، خفيف الظل، حبيب محبوب، لتميزه وشغفه بما يعمله، عهد إليه مدير البرنامج التدريبي في الطب الباطني أن يتولى الإشراف على تدريب الأطباء وطلبة الطب في مستشفى رئيسي في إحدى ضواحي مدينة فانكوفرلكنه يبعد كثيراً عن وسط البلد، وماهي إلا شهران أو ثلاثة وجاء تقييم الأطباء المتدربين لهذا المستشفى كواحدا من أفضل المستشفيات!!

أما الرجل الآخر الذي يبهرني ويحيرني دائماً فهو رجل معجون بأخلاط عجيبة غريبة! خير وود وعطف وبذل وسخاء وجود كثير عميم اختلط مع أمل لا حد له وحب للعمل والعطاء لاينتهي ، اجتمع كل ذلك واعتمل في نفس كبيرة أصبحت مولداً لطاقة إبداع تنتشر في كل مكان، والغريب أن هذا المولد الإنساني الحي يطلق طاقات الإبداع والتميز لدى الآخرين أيضاً! إني أزعم أن النحل في عمله ودأبه على الإنتاج لو كان يتمثل في أحد لتمثل في محمد أبو عيش!
كنا نتجمع في إحدى الحدائق الكبيرة في مدينة فانكوفر-أثناء فترة تدربنا الطبي- ونلعب الكرة، الرياضة المحببة الأولى لغالبية المبتعثين، جاء محمد ورأى حالنا فرفق بنا وأراد لنا وضعاً أفضل لنستمتع أكثر، فوقف على مدى أسبوعين أو أكثر مع عمال منجرة ليصمم لنا أبواباً خشبية متنقلة، أضاف إليها لاحقاً قطعاً من الحديد لترتفع إلى العلو الذي نريد، واشترى شبك الأبواب ولواصق مؤقتة، تُعقد وتُحل، وأصبح محمد في كل أسبوع يملأ سيارته (الفان) بكل هذه الأخشاب والحدائد ويحضرها إلى أرض الملعب وينزلها بنفسه، حينها نسهم معه في الحمل وإعداد أبواب الملعب، لنمضي أوقاتاً جميلة ممتعة مع اللعب والأصدقاء، وما إن ننتهي ويعود كل منا إلى منزله، يعود محمد بأبواب الملعب في سيارته ليحفظها في مرآب منزله!! ولكسلنا كنا نغير موعد اللعب إذا وافق اليوم الذي نلعب فيه الكرة-يوم السبت غالباً- موعد مناوبة في المستشفى لصاحبنا محمد، ونتدلل عليه ليخرج المسكين – وبكل حب وكرامة- من مناوبته إلى منزله ومن ثم إلى الملعب!! استأجر لنا محمد في الشتاء ملاعب مغلقة – بأجر زهيد- وأذكر أن عدد من كان يحضر-في آخر سنة كانت لي هناك(2004) يصل إلى 30 شخصاً، والآن يحدثني محمد أن عدد من يحضر لأنشطة النادي السعودي الرياضية والثقافية يصل إلى أكثر من 100 مبتعث، وأن النادي في خطوة ذكية تم تسجيله رسمياً لدى بلدية فانكوفر كجمعية أهلية.
سألت مرة عن محمد في الهاتف، قال لي: إني أستقبل أحد الإخوة السعوديين في المطار، قلت له: هل هو طبيب؟ أجاب لا، قلت: هل أوصاك عليه أحد؟ قال لا، قلت: هل هو زميل قديم؟ قال لا، قلت: هل تعرفه؟ قال لا!! قلت: وما تفعل في مكانك إذن؟ قال: هذا شاب حصل على رقمي واتصل بي من السعودية وطلب مني أن أستقبله وهأنذا أفعل!! أذكر أن محمداً أول من جمعنا على مجموعة بريدية واحدة على الإنترنت، ثم تطور العمل الآن إلى موقع إلكتروني مميز، وبطاقات عضوية، وشعار خاص للجمعية (النادي)، وشمل ذلك برامج ثقافية مميزة تسهم في تسهيل كثير من الأمور الحياتية والأكاديمية للمبتعثين هناك، محمد استشاري طب الأطفال حصل على الزمالة الكندية والأمريكية ثم أكمل التخصص الدقيق في طب الطوارئ، والآن ينهي درجة الماجستير في تقنية المعلومات، محمد قام بعمل سلسلة محاضرات لطلبة اللغة وأنزلها على أحد المواقع الإلكترونية هذا بالإضافة إلى كتيب متكامل وعرض لكل مايحتاجه الطبيب المبتعث هناك.
إلا أن من أروع إنجازات هذه المجموعة المميزة المبدعة أن أطلقت مولد الإبداع الإنساني لدى كثيرين من شباب وشابات الوطن ليفوز الجناح السعودي في معرض اكسبو والذي تعقده جامعة بريتش كولومبيا في مدينة فانكوفر كأفضل جناح لثلاث سنوات متتالية! ولا أدري أين الإعلام المحلي عن مثل هذه الإنجازات؟؟!
أمور كثيرة تعلمتها من نزار ومحمد، تعلمت أن أعطي بكل ما أملك وبكل ماأستطيع، وألا حدود لما أعطيه وليس المال وحده هو العطاء، ومن استزاد فالله أكرم وأعز وأجلَ، فالعطاء حياة وترق في درجات كمال النفس ورفعتها وشموخها، (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، لا وجود لأمور كثيرة عند هذين الشابين، أمور كبلت الكثيرين، وأخرت أمما ومجتمعات، هم بالناس ومع الناس، لايخشون الناس ولايخافونهم، يخدمونهم كما لو كانوا أهلهم، ويصبرون على أذاهم مهما بلغ، لايعرفون التفرد ولا الأنانية، مسحوا تماماً قاموس التعصب والتحزب من حساباتهم، استوعبوا تنوع الثقافات والأعراق، لهم رؤية بعيدة وهدف واضح يجعلونه نصب أعينهم ويسعون إليه دائماً، تعلمت أن مولد الإبداع الإنساني لاحدود لطاقته وأن أثره يتعداه بقوة إلى غيره.
أهدي هذا المقال إلى أستاذي في الأخلاق والأدب، إلى من علمني حب العمل والتفاني فيه، إلى من علمني الجود والكرم والعطاء بلا حدود، إلى والدي العزيز.

جريدة الوطن السعودية – الأحد 2 ربيع الآخر 1430هـ الموافق 29 مارس 2009م العدد (3103) السنة التاسعة


مشاهدات طبيب

11 يناير 2009

“المحاضرات تبدأ الساعة الثامنة…!!”
شاب جامعي مصاب بمرض مناعي مزمن ولكن بفضل الله فإن وضعه الصحي مستقر تماماً لمدة سنة أو أكثر بقليل على علاجات خاصة ، يأتيني في العيادة كل شهرين أو ثلاثة للمتابعة، بدأت كالعادة -بعد التحية- بسؤاله عن صحته وأحواله ثم سألته عن دراسته، والتفت إليه ثم انشغلت بكتابة مذكرة المتابعة في ملفه منتظراً الإجابة، وأنا أكتب سمعت منه: ” المحاضرات تبدأ كل يوم يادكتور الساعة الثامنة..!” وسكتَ..وسكتُ أنتظر أن يتابع حديثه، وواصلت الكتابة..وسادت فترة صمت، استدركت وحاولت أن أفهم ما الذي يتوقعه مني مريضي الشاب هذا..، أظنه يتوقع مني تعاطفاً ومشاركة وجدانية تقديراً لمعاناته وجهاده وهو يحضر محاضرات الجامعة كل يوم الساعة الثامنة، أردت التأكد، سألته: “كل يوم! الساعة الثامنة!” أجابني: “نعم..!! تخيل يادكتور!!”…هنا يأتي السؤال الذي أطرحه دائماً: من الذي قتل حب العلم والتعلم في نفوس أبنائنا وطلابنا؟ وأزيد بسؤال آخر: أين قيمة العمل في حياتنا؟

“أنا أقرأ جزأين من القرآن يومياً…؟؟؟”

حول إلى عيادتي أحد استشاريي أمراض العيون حالة طارئة! شابٌ يعاني من بداية التهاب في القزحية بصورة قد تهدد قدرته على الإبصار، هذا الشاب هو إمام-غير راتب- لمسجد ومدرس في حلقتي تحفيظ للقرآن الكريم، لم يتسنَ له إكمال تعليمه الجامعي بعد المرحلة الثانوية… أخذت التاريخ المرضي وفحصته، وتبين لي تصور مبدئي عن التشخيص، وفي كل الأحوال يجب أن نبدأ علاج الكورتيزون حفاظاً على العينين ومنعاً لتدهور قدرته على الإبصار، شرحت لهذا الشاب هذا الأمر، وأفضت في ذكر ماهية هذا المرض، وأهمية وضرورة العلاج في هذه المرحلة، وتفصيل خطة العلاج والتحاليل والمتابعة…ولا أدري ما الذي حدث من جراء ذلك؟….. يبدو أنني أثقلت على الشاب!.. أو أنه فوجئ بهذا المرض ولم يتوقع خطورته إلى هذا الحد! أو أنه استكثره على نفسه؟! فقد فاجأني بسؤال صعقني صعقاً!! “يا دكتور..! كيف يأتيني هذا المرض وأنا أقرأ كل يوم جزأين من القرآن، وأدرِس في حلقتين؟!” فيما تلا من لقائي معه ناقشته حول هذا السؤال الذي سألته إياه: “من أفضل عند الله-سبحانه- أنت أم رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الذي مرض وجرح وابتلي وتعب ونصب؟”.

“أنا استشاري من السنة الأولى..!”
وجدته أمامي في العيادة أول ما دخلت، بدماثة خلق وثقة عرف بنفسه، طبيب في السنة الأولى في برنامج تدريبي يريد أن يمضي شهراً في تخصص الروماتيزم كجزء من تدريبه، رحبت به، وفي عجالة سرد علي جدوله الأسبوعي وأن هذه هي الأوقات التي سيكون حاضراً فيها للمشاركة معنا، راودني خاطر:”من الذي يجب أن يملي على الآخر جدوله وأوقات حضوره وغيابه الاستشاري أم الطبيب حديث التخرج في السنة الأولى من التدريب”، غضضت الطرف وتابعنا يومنا هذا، أخبرته أنه سيقضي اليوم الأول في معيتي في العيادة، ثم إن رغب خصصت له في كل عيادة مرضى جدداً، يأتونني للمرة الأولى، فيقوم بأخذ التاريخ المرضي بمفرده وبفحص المرضى ثم يقدم الحالة لي أمام المريض لأقوم بتقييمه بشكل عام والتأكد من معلوماته ونتائج فحصه وتشخيصه ونقوم أيضاً بالحديث مع المريض معاً عن خطة العلاج (وهذا هو أنجع أسلوب في تعليم الأطباء على معاينة مرضى العيادات الخارجية الذين هم أكثر بكثير من المرضى الذين يتم تنويمهم في المستشفيات)، أجابني إجابة لم أفهم منها الشيء الكثير، فهمت أنه هنا لمعرفة أشياء محددة عنده، وأن طبيعة عمله في المستقبل لا تتطلب التعمق في أشياء لا يحتاجها…. جلس معي في العيادة… تناقشنا حول أحد أمراض الروماتيزم المنتشرة….. أجاب وشارك بمعلومة أو اثنتين…أعجبه ذلك.. ذكر في ثنايا كلامه أنه عمل مع هذا وذاك من الاستشاريين وأنهم جميعاً أجمعوا أنه ليس بينه وبين أن يكون استشاريا إلا سنوات التدرب الأربع هذه…وأنه يجب أن يعتبر نفسه استشاريا من السنة الأولى… وأن مكانه الطبيعي هو رئاسة أحد المراكز الطبية إذ هناك عدة مراكز بحاجة إلى رؤساء جيدين أمثاله!… انتهت العيادة وكانت الأولى والأخيرة التي حضرها هذا “الاستشاري” إذ اختلق أعذاراً لم أسمع بأغلبها من قبل عن عدم الحضور والمشاركة..وانتهى الشهر..وتابع هذا الطبيب تدريبه.. و يا لخوفي حين يصبح هذا الطبيب رئيساً لأحد المراكز!!

“لحظة يا دكتور حتى أنتهي من المكالمة..!”
كان لقاء عادياً كغيره مع أي مريض، سيدة في منتصف العمر، من مسؤولات إدارات التربية والتعليم، قمت بأخذ التاريخ المرضي وقمت بالفحص الطبي في وجود ممرضة، وبعد جمع بياناتي..توصلت إلى تصور مبدئي عن التشخيص وشرعت في الحديث مع المريضة..”الأستاذة” عن خطة العلاج..وما إن بدأت حتى رن هاتفها، وأشرت لها أن تجيب لعله طارئٌ ما..وتشاغلت بالكتابة في الملف..وتوقعت مكالمة سريعة-كما تعودت من كثير من المرضى- أن يذكروا أنهم في موعد طبي، أو كما يفعل البعض الآخر أدباً منهم واحتراما لأنفسهم ولمن يجلس أمامهم بألا يكلف نفسه عناء الرد أمام الطبيب الاستشاري بل يقفل جواله مباشرة ويردف ذلك باعتذار رقيق عن المقاطعة، ويطلب منك مشجعاً أن تواصل حديثك.. لم يحدث شيء من هذا!! بل واصلت “الأستاذة” حديثها في الهاتف: “نعم..نعم..ادخلوا من الباب، الأغراض موجودة هناك”، وأنهت المكالمة لتقوم بأخرى -وأنا أراقب-..وتطايرت كلمات كثيرة..”البوية..الأغراض..سعر المتر..اتفقنا على السعر..آخر كلام..” أشرت لها بيدي مستغرباً هذا الوضع..رمقتني بنظرة..وتابعت حديثها..وبعد برهة قالت لي سريعاً: “لحظة يا دكتور..!!” وتمادت “الأستاذة” في المكالمة وفي التفاصيل..وبعد أن انتهت..قلت لها: “الأستاذة الفاضلة أنت في عيادة محترمة فأرجو أن تحترمي وقتها ووقت الاستشاري الذي يجلس فيها”..ودار حوار أشبه ما يكون بحوار طرشان!! لم تقتنع الأستاذة بأنها أقدمت على أي شيء فيه إخلال بالأدب أو الاحترام، ذكرت لها أن صحتها مهمة فكان الأحرى بها أن تجعل هناك من ينوب عنها للإشراف على ما تريده من أعمال أثناء موعد العيادة، تعللت بأنه موضوع مهم، ثم شنت هجومها علي..لقد انتظرت كثيراً قبل أن تدخل العيادة..فلماذا لا أنتظرها أيضاً وهي تتابع حديثها”المهم”في الهاتف!! سألتها: وماذا كنت أعمل أنا وأنت تنتظرينني؟ ألم أكن أعمل وأهتم بغيرك من المرضى والمراجعين؟!! ألم تأخذي أنت أيضاً حقك من الاهتمام والرعاية؟!..توالت الكلمات واكتشفت أنني في جدل عقيم كلما زاد وقته ازدادت وقاحته، فأكملت حقها علي كمريضة..وحمدت وشكرت حين تركت العيادة..ودعوت صادقاً أن يُعان كل من كان حول هذه “الأستاذة”!

“أنا راجعت الاختبار وكانت بالفعل أسئلتهم صعبة…!!”

تميزت تعليقاته وردوده بالشدة والصرامة، قال لمجموعة من الطلاب أرادوا بعض التعديلات في الجداول: “أنتم جئتم هنا للعب.. لكن أنا راح أجتمع مع المسؤولين في المستشفى الفلاني وأقول لهم أن يشددوا عليكم في الحضور والغياب” وهذا يتماشى مع سياسته ووجهة نظره في الأمور الأكاديمية التي أعلنها أكثر من مرة في حشد من الطلاب: ” الطلبة ما يبغالهم إلا واحد شرس يكسر رأسهم لا من يدلعهم ويسمع لهم”..الحصول على موعد معه صعب جداً، فهو مشغول دائماً، وكثيراً ما يكون باب المكتب مقفولاً وهو بالداخل وأصوات الأحاديث تتعالى مختلطة بضحكات الاجتماع المنعقد..لا يقبل أي شيء بسهولة فهو يعرف الطلبة ويعرف أعذارهم “وأغلبهم بكاشين” ، وهو يدرك قيمته وقيمة الدور العظيم والمهم الذي يقوم به “أنا مستعد في أي لحظة أن أقفل مكتبي وأقول لهم ما في شغل أشوف ساعتها إيش يسووا”..صرح برأيه علناً في اختبار المعادلة والقبول في برامج الهيئة السعودية الذي ينظم سنوياً وذكر أمام حشد ” أنا راجعت الاختبار و كانت بالفعل أسئلتهم صعبة” …..يا ترى من هو صاحب هذه التصريحات الخطيرة؟؟ إنه سكرتير في إحدى كليات الطب!!!!!

جريدة الوطن السعودية – الأحد 14 محرم 1430هـ الموافق 11 يناير 2009م العدد (3026) السنة التاسعة


علاقة المريض بطبيبه

5 ديسمبر 2008

لا يكاد ينفك حديث اجتماعي لأية مجموعة من الأطباء عن ذكر ممارسات طبية تنافي أخلاق المهنة وشرفها فيها استغلال لقلة وعي المريض وسوء استخدامه للثقة المفرطة التي يضعها في طبيبه. من ذلك أن هناك جراح عظام في القطاع الخاص تجاوز حدود تخصصه وبات يعالج أمراضاً هي من صميم تخصص أمراض الروماتيزم كمرض التهاب المفاصل الروماتيزمي (الروماتويد) ومرض الذئبة الحمراء الحمامية، وهذه أمراض جهازية تظهر أساساً بسبب خلل في الجهاز المناعي وتتطلب فيمن يقوم بعلاجها تدريباً خاصاً بإشراف دقيق لمدة لا تقل عن سنتين- وذلك بعد إنهاء زمالة الأمراض الباطنية-على أن يتم التأكد من كفاءة هذا الطبيب باختبارات سريرية ونظرية، ولكن ما حدث مع هذا الجراح أنه يستغل قلة وعي المرضى بهذه التفاصيل ويوهمهم بأنه طبيب لكل شيء أنفة منه وكبرياءً ورغبة في الكسب المادي!

 

وما يعنيني في هذه العجالة حقيقة هو وعي المريض وضرورة تحسينه ليس فقط في مجال الوقاية من الأمراض وحسب بل أيضاً في مجال طبيعة علاقته بطبيبه وما يقبله وما لا يجب ألا يقبله من طبيبه من كلام وتعامل، فالعلاقة بين المريض والطبيب علاقة خاصة وحساسة ومميزة، فالمريض في حالة ضعف بدني ونفسي بسبب ما أقعده وآلمه وجعله يلجأ لطلب المساعدة، والطبيب في موضع الإنسان الخبير العليم الذي سخر نفسه لعلاج الآخرين، هذه العلاقة يشوبها أحياناً خلل يؤثر في أشد ما يؤثر على صحة المريض، فمثلاً لا يمكن أن يقبل أي مريض أن يشخصه طبيبه بسرطان ما من الزيارة الأولى! أو أن يقبل تشخيصاً أو علاجاً بعد معاينة من طبيبه لم تتجاوز خمس دقائق! أو أن يقبل عمل لائحة طويلة من التحاليل والأشعة دون معرفة سبب عملها، وأقل القليل يجب ألا يقبل المريض من طبيبه إلا حسن الاستقبال والاحترام والأدب في التعامل وحسن انتقاء الألفاظ.

 

حين كنت أقلب أفكاري أثناء كتابة هذا المقال وقعت صدفة عن طريق الشبكة العنكبوتية على (الميثاق الإسلامي للأخلاقيات الطبية) في موقع الجمعية السعودية لطب الأسرة والمجتمع، وهو عبارة عن وثيقة صادرة عن المؤتمر الثامن للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية الذي انعقد في القاهرة ديسمبر/2004 بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونيسكو)، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم (ايسيسكو)،وهو بحق وثيقة محكمة مؤصلة أستغرب كيف لا تدرس في كليات الطب أو في برامج التدريب السريرية لمرحلة مابعد التخرج.

 

جاء في المادة الأولى من هذا الميثاق:

(على الطبيب أن يكون مخلصا في عمله، متحلياً بمكارم الأخلاق، معترفاً بالجميل لمعلميه ومدربيه، وألا يكتم علماً، ولا يتجاهل جهد الآخرين. كما أن عليه أن يكون قدوة في رعاية صحته والقيام بحق بدنه ومظهره العام، وأن يتجنب كل ما من شأنه أن يخل باحترام المهنة داخل مكان العمل وخارجه.)

 

وجاء في المادة الثانية:

(على الطبيب أن يحسن الاستماع لشكوى المريض ويتفهم معاناته وأن يحسن معاملته ويرفق به أثناء الفحص. ولا يجوز له أن يتعالى على المريض أو ينظر إليه نظرة دونية أو يستهزئ به أو يسخر منه، مهما كان مستواه العلمي والاجتماعي. وأياً كان انتماؤه الديني أو العرقي وعليه أن يحترم وجهة نظر المريض، ولا سيما في الأمور التي تتعلق به شخصياً، على ألا يحول ذلك دون تزويد المريض بالتوجيه المناسب.)

إن البعد الإنساني في علاقاتنا يكاد يكون غائباً،وإن في ديننا مايحضنا على الرفق بالحيوان فقط لأنه (كبد رطبة) أي ذات روح فما بالك بالإنسان الذي هو (نفس) قال خالقها(ولقد كرمنا بني آدم)، وأكثر من يجب أن يحترم إنسانية الإنسان هو الطبيب! يظهر هذا في أسلوب تعامله مع مرضاه واحترامه لهم، فلا يجب أن يقبل المريض أو يركن إلى طبيب سيئ الخلق عالي الصوت متعالٍ متغطرس.

 

وجاء في المادة الثالثة ما يحض على المساواة في المعاملة بين جميع المرضى، ومما تعلمته شخصياً من أحد الاستشاريين الكنديين الذين عملت معهم أثناء فترة تدربي هو أنك-كطبيب- يجب أن تعتبر أي مريض تحت إشرافك هو أحد أفراد عائلتك! فكيف ترغب في أن تعامل أفراد عائلتك؟ ومما أستغرب له من ثقافة خاطئة عند بعض المرضى هو أن يوزع إلى أحد المعارف بالتوصية عليه قبل أن يدخل إلى عيادة الطبيب! عجباً وكأن علاج الالتهاب الرئوي -مثلاً- سيختلف -مع التوصية- عنه إذا دخل المريض بدون توصية من أحد؟ وهل سيقوم الطبيب بكتابة جرعة عالية من المضاد الحيوي-مثلاً- بسبب التوصية؟ أم أن علاج الالتهاب الرئوي عند علية القوم يختلف عنه عند من هم دونهم؟!!

 

أما المادة الخامسة فهي ولاشك مثار لحديث طويل لا يكاد ينتهي!، وما أرجو أن يحرص عليه مرضانا- على قدر الإمكان- هو ثقافة المسائلة، وهي ثقافة علمية صرفة تقضي بألا يقبل الإنسان عمل أي شئ إلا بتفسير علمي منطقي، والأمر الآخر هو الكف عن اللجوء إلى من يدعون الشفاء بالأساليب الطبيعية من أعشاب وخلافه، إذ أعرف عدة مآس حدثت بسبب اللجوء والثقة في أمثال هؤلاء الذين يستنزفون أموال الناس!

(على الطبيب أن يحرص على إجراء الفحوص الطبية اللازمة للمريض دون إضافة فحوص لا تتطلَّبها حالته المرضية ، وأن يمتنع عن استخدام طرق تشخيصية أو علاجية غير معتمدة، أو غير متعارَف عليها، أو غير مُعْتَرَف بها علمياً. كما أن عليه أن يقتصر في وصف الدواء أو إجراء العمليات الجراحية على ما تتطلَّبه حالة المريض).

 

وأحب أن أعلن هنا أن زمن الطبيب الذي يفهم في كل شئ ويعالج كل شئ قد انتهى! جاء في المادة السابعة : (على الطبيب أن لا يتردَّد في إحالة المريض إلى طبيب مختص بنوع مرضه، أو إلى طبيب لديه وسائل أكثر فعاليةً، إذا استدعت حالة المريض ذلك، أو إلى طبيب آخر يرغب المريض في استشارته. ولا يجوز للطبيب أن يتباطأ في الإحالة إذا كان ذلك في مصلحة المريض).

 

ولقد استوقفتني هذه المادة كثيراً، إذ إنها تشير إلى دور مهم للطبيب المعالج يكاد يكون مفقوداً أو قليلاً حدوثه عند غالبية الأطباء: (على الطبيب أن يعمل على تثقيف المريض حول مرضه خصوصاً، وحول صحته عموماً، وحول كيفية حفظه لصحته ووقايته من الأمراض بالطرق المناسبة والفعالة، وذلك بالتثقيف المباشر وجهاً لوجه، أو باستخدام الوسائل الفعَّالة الأخرى متى توافرت له).

 

إن نجاح وقوة العلاقة بين المريض وطبيبه من آكد ما يسهم في علاج مرضانا، وعلى التعليم والإعلام والأطباء-الأكاديميين خصوصاً- أن يسهموا في بث روح هذه الثقافة.

جريدة الوطن السعودية -الجمعة 7 ذو الحجة 1429هـ الموافق 5 ديسمبر 2008م العدد (2989) السنة التاسعة


هل هناك تدريب سريري حقيقي في كليات الطب؟

1 أكتوبر 2008

جزء من الدراسة الميدانية التطبيقية والتدريب العملي لطلبة كليات الطب يحدث في المستشفيات، وذلك لتأكيد كفاءة الأطباء في معاينة المرضى وفحصهم بطريقة علمية صحيحة. وتكون هذه الدراسة في صورة حصص تدريبية سريرية مع أعضاء هيئة التدريس من الأطباء أو أطباء استشاريين متعاونين من الذين يعملون في المستشفيات التي يتدرب فيها هؤلاء الطلاب. ويفترض أن يكون طلبة الطب (سواء كانوا طلاباً أم طالبات) قد قضوا وقتهم في ذلك اليوم في أخذ التاريخ المرضي لعدة مرضى، فإذا ما وصل الطبيب الأستاذ أو الاستشاري ناقشوا معه أو معها إحدى هذه الحالات.

هذا وصف مقتضب للتدريب السريري الذي ينخرط فيه طلاب الطب (من السنة الرابعة إلى نهاية السنة السادسة) بآلية وروتين لم يتغير كثيراً من قبل أن أكون طالباً في كلية الطب وحتى بعد أن صرت أستاذاً في إحدى كليات الطب!

لعل أظهر ما تميزت به هذه الحصص التدريبية السريرية (تسمى في العرف الطبي sessions ) هو غياب المنهجية فيما يدرس، فالتدريس قائم على ما وجد من حالات فقط، فيحدث أن تنتهي فترة المقرر ولا يناقش الطلاب حالة من مثل الجلطة الرئوية لأنهم لم يشاهدوا مريضاً مصاباً بها، وإذا كان هذا هو الوضع فإن تدريس الحالات قد يتكرر دون أن يعي الأساتذة هذا الموضوع. أضف إلى أن تحضير الحالات يعتمد أساساً على جهد الطلبة في الحضور المبكر والبحث الجاد عن حالات ومن ثم قضاء الوقت في معاينة المرضى وإعداد الحالة للتقديم، فإذا قال الطلاب لأستاذهم الحالات قليلة ولا توجد حالات فلن يستقصي أستاذهم عن صحة كلامهم من عدمه، إذاً مدى نجاح هذه الحصص التدريبية السريرية يعتمد في جزء منه على نشاط الطلبة وحرصهم على التعلم. أذكر زميلاً لنا حين كنت طالباً أكمل مقرر الطب الباطني بأكمله في السنة السادسة(الأخيرة قبل سنة الامتياز)-6 أسابيع- في المستشفى دون أن يكلم مريضاً واحداً! وأعرف-وأنا أُدِرس الطب الآن- طلبة من هذا القبيل قلبوا دراسة الطب إلى دراسة نظرية أدبية منزلية صرفة!

إنه بالإضافة إلى غياب التنظيم فيما يُدرس، لا توجد أية آلية لمتابعة أداء الطلاب في المستشفيات، متى يحضر الطلبة ومتى يذهبون؟ ومن رأى حالات، ومن لم ير إلا كافيتيريا المستشفى! والحلول سهلة في ظل وجود أقسام منظمة! فعلى كل قسم أن يحدد الكفايات الواجب توافرها عند الطلاب بنهاية تدريس كل مقرر، ومن ثم يضع قائمة بالحالات التي يجب على الطلاب مناقشتها مع أساتذتهم، وقائمة بالعلامات السريرية والمختبرية التي يجب على الطلاب أن يحيطوا بها، أي أن التدريس السريري-بنهاية المقرر- يجب أن يشتمل على تدريس هذه الحالات والعلامات المحددة،

ولا أقصد بالمتابعة هنا التدقيق المزعج الذي يذهب بإحدى أهم مزايا التعليم العالي وهي حرية التعلم، ولا أقصد أبداً أن يتحول أساتذة الطب إلى موظفي استقبال يعرفون من حضر ومن لم يحضر من الطلاب، وإنما المقصود بالمتابعة هو صياغة ملف تعليمي Portfolio يقوم الطالب فيه برصد أنشطته اليومية من معاينة مرضى، ومهارات جديدة اكتسبت، وقراءات قام بها، وغير ذلك، وأن يُقَيم هذا الملف من الأساتذة المشرفين، ولكي تنجح هذه الطريقة فإنه يتعين أن نسأل سؤالا مهماً وجوهرياً: ما مدى وجود ذاتية التعلم لدى طلابنا؟ وهل يوصف طلابنا بأنهم متعلمون مبادرون نشطون متحمسون للعلم والتعلم؟ والسؤال الأهم هو من قتل روح حب العلم والتعلم فينا؟ عموماً لا ألوم الطلاب كثيراً على أي ضعف أكاديمي يظهر واضحاً للعيان في سني تحصيلهم المتأخرة في كليات الطب، وإنما الواجب أن نهيئ طلابنا لهذه المرحلة التعليمية المهمة في إعدادهم كأطباء. يجب أن يتقن طلابنا مهارات العلم والتعلم، كما يجب أن يتعلموا كيف يتعلمون ويقيمون أنفسهم ذاتياً وكيف يرتقون بأنفسهم مهارياً. وهذا لن يحدث من فراغ بل لابد من برامج تأهيلية لطلابنا في مهارات التعلم وبرامج إرشادية توعوية تشرف على تحصيلهم العلمي وتسهم في حل مشاكلهم التعليمية.

ومن المشاكل المزمنة في هذه الحصص السريرية مشكلة الأستاذ الطبيب! ونحن طلاب طب أتذكر عدة ألوان من التحقير والتقليل من الشأن مورست علينا من كثير من أساتذتنا، وأحياناً ممزوجة بشيء من الشتم والزعيق، أما إذا سلمنا من كل ذلك فلا نسلم من مزاج الأستاذ (القرفان المتأفف) من كل شئ حتى من نفسه، فهو لا يريد أن يدرس! ولا يدري ماذا يدرس! بل أزعم أنه لا يعرف حتى كيف يدرس! ويمضي الوقت كيفما اتفق في الحصة السريرية إلى أن يذهب فيحمد الله أن فارقنا ونحمد الله أن فارقناه! وعلى النقيض منه يأتي الأستاذ (الرايق والمبسوط) الذي يتكلم في كل شيء إلا الطب، وإذا تكلم في الطب عرض بكل شئ إلا تخصصه وإذا ناقشنا الحالة انتهينا سريعاً لنستمع إلى سلسلة من الحكايات والحواديت الطبية، ويتخلل كل ذلك نكت جميلة وتعليقات ظريفة. وبعض الأساتذة من صنف (المتشدق المتفيهق) وللأسف يريد أن يبلغ المجد على أكتاف طلبته المساكين! فلا حديث له في هذه الحصص إلا الحديث عن ذكائه وألمعيته وإنجازاته! والحق أقول إن عدد الذين تعلمت منهم حين كنت طالباً بدون أن يترك تعليمهم أثراً سلبياً في نفسي هو عدد قليل جداً! وأخشى أن مشكلة الأستاذ الطبيب هذه وبهذا السيناريو متكررة متجددة-قديماً وحديثاً- أراها وألمسها من حولي! وما يدريني لعلي أنا شخصياً أصنف من قبل طلبتي في أحد تلك الأصناف! والحل باختصار لكل هذا هو تدريب وتأهيل الأساتذة في مهارات التعليم الطبي!

الأمر الآخر المهم هنا هو طرق وأساليب التدريب والتعليم، إن الطلبة ونفر كبير من الأساتذة يتوقعون أداء شبيهاً بأداء المحاضرات في هذه الحصص السريرية! يتقاعس الطلاب عن القراءة والتحضير الجيد عن الحالات التي أعدوها، ثم يتوقعون من أساتذتهم أن يعطوهم معلومات عن هذا المرض، وينزلق نفر من الأساتذة في هذا المزلق، ويبادر بإعطاء خطابٍ أحادي طويل كالمحاضرة والطلبة يكتبون، فلا حوار ولا نقاش ولا تفكير، وإنما الموضوع حفظ (وصمصمة) (وبس!). ومرة أخرى يحتاج الأساتذة والطلاب معاً إلى تدريب وتأهيل في مهارات العلم والتعلم!

هناك أسلوب التعليم عن طريق حل المعضلات عوضاً عن الاعتماد على كثرة المحاضرات التي لا ترسخ في نفوس الطلاب إلا السلبية في التعلم! هناك أساليب تجعل الأستاذ يركز على الأهم فالمهم في تعليمه فلا يتكلم عن كل شيء بلا وعي وحساب، وأساليب أخرى تجعله يحرص على أن يشرك جميع الطلاب في الحوار والنقاش لا أن يكون تركيزه على طالب واحد أو طالبين ناسياً البقية!

ومما لا حظته قديماً وحديثاً هو غياب ثقافة التدريس والتدريب عند كثير من المستشفيات التي يذهب إليها طلبتنا، فالنظرة العامة لطالب الطب في مستشفياتنا هي نظرة الممنوع من الصرف وأيضاً الذي لا محل له من الإعراب! فجل الأطباء والكادر التمريضي يعتبرونهم زائدين متعبين لا مرحباً بهم! واسألوا الطلاب إن أردتم! وهذا يستلزم حقيقة من الأكاديميين المهتمين بهذا الشأن- وقليل ما هم- إعادة النظر رأساً على عقب في أساليب الحصص السريرية هذه غير المنهجية، والتي لا تشتمل على أي أسلوب لمتابعة أداء الطلاب، يدرس فيها أستاذ مستعجل قلق،يتعلم منه طلاب محدودو المهارات!

جريدة الوطن السعودية -الأربعاء 2 شوال 1429هـ الموافق 1 أكتوبر 2008م العدد (2924) السنة التاسعة


أين مراكز التعليم الطبي؟

16 أغسطس 2008

لا يخفى على متابع دقيق عدد المشاكل التي نعانيها في مجال التعليم الطبي، مشاكل على مستوى المنهج، وعضو هيئة التدريس، وطرق وأساليب التعليم، وأساليب التقويم، وعلى مستوى الطالب نفسه. وأعلم أن في كل كلية طبية أو صحية في أي مكان في العالم مشاكل تواجه القائمين على أمر هذه الكليات، ولا ضير في ذلك، إذ إنه نتيجة طبيعية لأي مجهود تعليمي بشري، بل قد يكون علامة صحة وحياة ترشد المؤسسة الأكاديمية على موطن الخلل لتسعى لحله وتفاديه وتحسين مخرج التعلم. النقطة الحرجة هنا حين نصل إلى مرحلة لا ندري ما هي مشاكلنا أو إذا عرفناها فإننا لا نريد أن نسمع عنها شيئاً ويأتيك من يقول لماذا لا تكتبون عن الإيجابيات؟؟ أما ما يجعلنا نسقط في هاوية التيه الأكاديمي فهو أننا نعرف جميع مشاكلنا لكننا لا نريد لها حلاً ولا نسعى له إما عجزاً وكسلاً وهو الغالب وإما قلة حيلة وخبرة وسذاجة وإما مكراً ومكابرة ورغبة أكيدة في عدم التغيير!!

والحق أننا نملك جميع عناصر التميز والتطوير الأكاديمي ولكن ينقصنا التوجه الإداري الجاد والتخطيط المنسق لعملية التطوير. إذ إن وجود الكادر الأكاديمي الطبي الوطني المدرب في جامعات عالمية وبهذه الكثافة العددية – على الأقل في كليات الطب – لهو علامة قوة ولاشك، بل ورقة رابحة تنجح في كسب أية عملية تطويرية، ولكن علينا أن نعرف أولاً كيف نفرق بين كفاءة الأداء الطبي المتمثل في الفحص والمعاينة والعلاج وبين كفاءة الأداء التعليمي لهؤلاء الأطباء. فليس كل طبيب يحسن التدريس والتعليم والتخطيط لهما، لأن هذا فن متفرد وعلم مستقل!
والخطأ الأكبر الذي ألحظه وبالذات في فورة إنشاء كليات طب جديدة هو العناية القصوى بالمباني الإسمنتية ومواقف السيارات والتعاقد السريع مع من هب ودب ليلتحق بأعضاء هيئة تدريس الكلية، ثم إذا وصل الأمر عند المناهج تمت الاستعانة بالمنهج القديم لكلية أخرى زميلة في المنطقة مما ينتج بالتالي اجتراراً لنفس المشاكل التعليمية وعزفاً لنفس أنشودة التخلف الأكاديمية! والأخطر من موضوع المناهج المستعارة هو الإغفال التام لاعتماد قسم أو مركز للتعليم الطبي يشرف على كفاءة وجودة أداء العملية التعليمية، وهذا بخلاف عمل الوكالات الأكاديمي التي لا يجاوز عملها – على أهميته – غير تنسيق الجداول ورصد الدرجات! دع عنك اللجان الصورية والأقسام الوهمية التي تنشأ في بعض الكليات باسم التعليم الطبي أو الجودة والتطوير بدون أية خطة عملية وبدون أية سلطة بل وبدون حتى ريال واحد في ميزانياتها!
والأهم عند النظر في قضية مراكز التعليم الطبي، هو عدم الانزلاق المتوقع والمعتاد – إذا ما تم اعتماد إنشائه – خلف التصاميم الحديثة العصرية، وتجهيزات المراكز العالمية، والاعتمادات والعروض المالية، ولعبة العلاقات والمصالح المتبادلة، ثم إذا ما أنشئ – طبعاً بعد عدة سنوات من العمل المتلكئ والمتقطع – أنشئ بميزانية تكفي لإنشاء ثلاثة مراكز لا إنشاء مركز واحد وحسب!
لنركز على حقائق الأشياء ودعونا من الصور الخادعة والكلمات السرابية، إن مركزاً كهذا بالإمكان أن يبدأ العمل بفعالية كبيرة بوجود خبير واحد في التعليم الطبي – وليس بالضرورة أن يكون طبيبا ً- ووجود سكرتارية مؤهلة ودعم تقني عال، وقبل كل ذلك وبعده وظائف وأهداف واضحة وصلاحيات واسعة.
إن من أهم ما يجب أن يضطلع به هذا المركز هو متابعة الأداء الأكاديمي للطلاب، إن طلابنا – أيها السادة – لا يلقون أي لون من ألوان الدعم أو التوجيه الأكاديمي، بل يتركون هكذا هملاً ليواجهوا معضلات كبيرة تعترض طريقهم التعليمي بأنفسهم! وتشمل هذه المتابعة التحصيل العلمي لكل مادة ليتم تقديم العون والتوجيه لمن يتدنى معدله، بل إن متابعة الطلاب تستمر في بعض كليات الطب العالمية لمرحلة ما بعد التخرج بسنين، وينتج عن ذلك عمل العديد من البحوث المهمة والمؤثرة في تحديد مسارات التعليم الطبي حسب عطاءات وكفاءات خريجي هذه الكلية وحسب متطلبات المجتمع الذي يمارسون فيه.
إن هذا المركز وبالصلاحيات التي سيملكها سيعمد إلى نزع.. نعم نزع سلطة الأقسام في التحكم بمناهجها كما تشاء، فتقر ما تراه وتلغي بدون أية مراعاة لما تعلمه الأقسام الأخرى وأحياناً بدون مراعاة لما يعلمه الزميل في نفس القسم والذي يدرس جزءاً آخر من المادة! هذا المركز سيعمد إلى اتباع سياسة مركزية مبنية على الكفايات العلمية والمهارية والسلوكية المتوقع وجودها في خريج كلية الطب، وعلى أساس هذه الكفايات فقط تصاغ المناهج لا على أساس أمزجة رؤساء الأقسام!
ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب بل يشمل متابعة وتقنين وتوحيد العملية التقويمية في الكلية، وعمل معايير علمية لمعرفة ما إذا كانت اختبارات كل قسم تمثل حقيقة ما تم تدريسه، أم إن التدريس في جهة والاختبارات في جهة أخرى؟ وهل تصاغ الأسئلة بصورة علمية صحيحة أم إنها خاضعة لمزاج الأساتذة؟ ودراسة أداء طلاب الكلية في الاختبارات الإقليمية والعالمية، وما التغيير الذي يجب أن يتم في العملية التعليمية لتحسين أداء الطلاب في هذه الاختبارات؟
ومن أخطر ما على المركز عمله والإشراف عليه هو عملية التطوير الأكاديمي لأعضاء هيئة التدريس، إننا يجب أن نكف عن إقحام الأطباء الاستشاريين حديثي التخرج في العملية التعليمية بدون أن يتم تدريبهم وتأهيلهم في مهارات التدريس والتعليم، كما يجب أن نوقف ما يزرعه بعض الأساتذة المتمرسين من أمراض نفسية في طلابنا، إن عملية التطوير الأكاديمي في مجال التعليم الطبي لأعضاء هيئة التدريس لن تؤتِ ثمارها ما لم يقتنع بها وبأهميتها صانع القرار الأكاديمي في جامعاتنا، ومن ثمَّ تخصيص ميزانية معقولة لتنفيذ برامج التطوير التي بالإمكان أن تتم بأيد وطنية صرفة، على أن تكون هذه البرامج إلزامية لأعضاء هيئة التدريس، كما يجب إدراج مدى كفاءة عضو هيئة التدريس في العملية التعليمية عند دراسة الترقية الأكاديمية له، وضرورة الأخذ برأي الطلاب وزملاء هذا الأستاذ.
مهام أخرى على المركز أن يقوم بها مثل إيجاد آلية عملية علمية لبرنامج قبول الطلاب السنوي، من مثل إدخال تقنيات حديثة كالتعليم الإلكتروني وكيفية مساهمته في تخفيف الأعباء عن أعضاء هيئة التدريس، كذلك اقتراح حلول جذرية لمشكلة التدريب السريري لطلابنا، إذ أعلن هنا وبصوت عال لكن بكل هدوء أن التدريب السريري لطلابنا في جل كليات الطب في بلادنا فيه خلل شديد وأنه لا يحقق المأمول منه بالطريقة المستخدمة حالياً. وفي ذلك تفصيل لا مجال له الآن.
وبعد.. فإن مراكز التعليم الطبي تهدف إلى قيادة سفينة التعليم والتعلم إلى بر الفهم والفاعلية والكفاءة، وبدونها فإن مسيرة التعليم في كليات الطب تسير بلا وجهة في ليل بهيم وريح عاتية.

جريدة الوطن السعودية -السبت 15 شعبان 1429هـ الموافق 16 أغسطس 2008م العدد (2878) السنة الثامنة


نكت أكاديمية

9 يوليو 2008

هناك دراسات أدبية عدة تدرس فن النكتة عند الشعوب، وكيف أنها تعكس أثر حدث اجتماعي أو سياسي بطريقة فيها الكثير من الخيال الواسع اللامعقول والتضخيم والمبالغة، إلا أن العنصر الأهم في الطرفة أو النكتة هو عنصر المفاجأة الخارقة التي لا يتوقعها أحد والتي تبهر العقل طرباً وعجباً ومرحاً لتنطلق ابتسامات عريضة وأحياناً ضحكات عالية تتطور إلى قهقهات قد تدمع العينين.

وجرى العرف واصطلح الناس في عدة بلاد عربية على استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على هذه القصة القصيرة جداً والتي فيها دلالة ما وتعتمد كثيراً على مهارة وحذاقة من يلقيها، ونجد في كتب التراث استخدام لفظ (نكتة) للدلالة على لمحة عابرة أو فكرة مميزة، أو كما يقول الجرجاني عن النكتة إنها (مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من: نكت رمحه بأرض، إذا أثر فيها وسميت المسألة الدقيقة: نكتة، لتأثير الخواطر في استنباطها)، ولا يبعد الاستخدام المعاصر كثيراً عن هذا الاستخدام إلا بكثير من الطرافة والغرابة والسخرية، ووجدت معاني ودلالات لغوية أخرى للفظ (نكتة) فهناك همٌ وغم نكت (بتسكين الكاف) الأرضِ بالقضيب وهو أن يؤثر فيها بطرفه فعل المفكر المهموم) (النهاية في غريب الأثر)، بل هناك سواد ووسخ وقذارة، جاء في تهذيب اللغة (والنُّكْتةُ: شبه وقرة في العين، والنكتة أيضا: شبه وسخ في المرآة، ونكْتَةُ سوادٍ في شيء صافٍ) وأشد من ذلك الإلقاء على الرأس (ويقال أيضاً: طعنه فنَكَتَهُ، أي ألقاه على رأسه، فانْتَكَتَ هو)، (الصحاح في اللغة)..كل هذه المعاني والدلالات أو بعضها قد يكون موجوداً ونحن نتأمل أوضاعاً أكاديمية تعيشها كليات الطب تحديداً وجل الكليات العلمية عموماً، والفارق المهم هو أن هذه النكت – أياً كان المعنى الذي تريد- تحمل في ذاتها بدون أي بهارات خارجية عناصر التضخيم والمبالغة بل والمفاجأة التي تنتج حالة من النشوة مطلقة عالي الضحكات – ربما هستيرية – لفترة طويلة ثم ما تلبث إلا أن تنقلب إلى بكاء مرير، فيه أنين ونحيب!! تماماً كالمريض النفسي المصاب بحالة اضطراب المشاعر المتعدد الأقطاب، فلا يدري أيضحك أم يبكي؟ فتجد حاله موزعاً بين الضحك والبكاء والبكاء والضحك، أو بكاء مضحك وضحك كالبكاء!

قمة الفكاهة في أنظمة الترقيات الأكاديمية، إذ تلزم هذه الأنظمة حصول الأستاذ الجامعي على درجة علمية كاملة فقط إذا ظهر اسمه وحيداً على بحث علمي منشور ونصف أو ربع درجة إذا كان ثانياً أو ثالثاً في البحث المنشور، والغريب أن نفس الأنظمة تطبق على جميع الكليات – النظرية والعلمية- فما ينطبق على كلية التربية ينطبق على كلية الهندسة وكلية الطب، والتقدير موصول لجميع فروع المعرفة، وإنما الانتقاد على أنظمة قديمة جاوز عمرها عشرات السنين، وأظن أن أصولها مصرية (وبالمناسبة فإن عدداً من كليات الطب المصرية تجاوزت هذا النظام من سنين).

وهذه نكتة فيها لمحة ظرافة وفي نفس الوقت ثقل غباء وتناحة! أحد الزملاء من الجراحين المتميزين قام بعمل دراسة منهجية مقننة على مدى أكثر من سنة جمع فيها نتائج كل الدراسات العالمية التي عملت بمواصفات بحثية عالية، وهذا ما يسمى في العرف البحثي الطبي meta-analysis، ونشرت هذه الدراسة التي أسهمت في إضافة معرفة جديدة وتحسين العناية بالمرضى في مجلة عالمية راقية بعد تحكيم دقيق مضن، مجالسنا الأكاديمية الموقرة-في المقابل- تعتمد فقط نصف درجة لهذا الجهد البحثي الرائع، ودرجة كاملة لتقرير عن حالة case report يكتبه نفس الزميل في أقل من أسبوعين لا يتجاوز صفحتين وتنشر في مجلة خاملة الذكر لا يقرؤها إلا من يحررها! ماهو السبب؟ (يا دكتور هذه الحالة مؤلف واحد، وتلك الدراسة أكثر من مؤلف!! الله يهديك!!)، تماماً كمن يتغافل عن ثلاثة أو أربعة مصممي ومخترعي طائرة نفاثة عابرة للقارات تنقل عشرات المسافرين ويكرم مخترع طائرة شراعية ورقية يستخدمها الناس على شاطئ البحر في لهوهم وتنزههم، وما ذلك إلا لأن هذا مخترع واحد وأولئك عدة مخترعين! وتسأل هل هناك بحث علمي محترم ومؤثر يقوم بتأليفه شخص واحد فقط؟ ثم ماذا عن القيمة العلمية لما ينشر؟ لا شيء..!! نعم لاشيء..!! حتى لو اكتشف أحد الأطباء السعوديين مع فريق علمي جيناً جديداً وتنشر الدراسة في واحدة من أعرق المجلات العلمية العالمية، فإنه سيأخذ ربع درجة لأن اسمه جاء ثالثاً!

ولم أدر ماذا أفعل كلما تابعت مغامرات زميل آخر مع مركز بحوث موقر في جامعته!! أحياناً أضحك وأحياناً أبكي، حقيقة لا تدري ماذا تفعل؟ قدم المسكين طلباً مفصلاً للبدء في بحث كلينيكي يخص العناية بمرض معين، وقام بعمل كل ما طلب منه من تعبئة أوراق ومراجعة محكمين للبحث وقدم كل ذلك في ملف جميل ونظيف، انتظر الاجتماع الأول قالوا له في الثاني، انتظر الثاني قالوا له في الثالث، ولما لم يناقش ولم يعتمد بحثه في السابع، تشجع وحمل نفسه لمقابلة المسؤول، (نتأسف لقد ضاع الملف!!!)، شجاع وصبور صديقي هذا! قام بعمل ملف آخر وتعبئة الأوراق مرة أخرى، وانتظر الأول، قالوا له في الثاني، وبعد الخامس تشجع وحمل نفسه وثيابه وعقله لمقابلة المسؤول، (نتأسف مرة أخرى لقد ضاع الملف، وسنعاقب المسؤول!!) أنعم بطول السلامة، أيها المسؤول!

وهذه القادمة (قوية!)، جاء الرد حاداً كالصاعقة من مركز البحوث، ما هذا الهراء والتلاعب بالمركز؟ نحن لا ندعم البحوث بهذه الطريقة! لابد من تقديم أوراق مفصلة، أوراق كثيرة، لابد من تحكيم، نحن لا نستطيع أن نناقش هذا في اجتماعاتنا!! ما غاب عن مركز البحوث أن هذا البحث معتمد أساساً من قبله، وتم صرف الدعم الأولي له، وهذا وقت صرف الدعم الثاني، لكن سعادة المركز والقائمين عليه تائهون!!
(لا..لا..لا يجوز! لا يجوز أن تقدم طلباً لبحث جديد حتى تفرغ من الأول يا دكتور؟) (حسناً اصرفوا مستحقات الأول لأنهيه وأبدأ بالثاني!!)

والأشد سواداً من النكت هو ألا تعتمد أبحاث التعليم الطبي عند الترقية الأكاديمية في عدد من كليات الطب بحجة أن هذا بعيد عن تخصص الطبيب الاستشاري عضو هيئة التدريس، عجباً وكيف يكون الطبيب طبيباً متمكناً مما يعمل إن لم تعلمه تعليماً صحيحاً حديثاً، وتجهزه وتدربه ليصبح مقتدراً كفؤاً لما سيعرض له من حالات؟ كما أنه لا يوجد أي بند يعطي قدراً من التميز والتقدير للجهد العلمي التعليمي لأعضاء هيئة التدريس في كليات الطب، فأكثر الأعضاء خمولاً ونوماً يستطيعون أن ينالوا الترقية الأكاديمية بكل سهولة، بل أحياناً أسرع من ذلك الذي يكتب منهجاً أو يضع اختباراً جديداً أو يدخل أساليب وبرامج تعليمية جديدة لطلابه طلاب الطب، وذلك بكل بساطة لأن هذه الأمور لا وزن لها عند المجالس الموقرة!

وبعد فإن النكت لا تنتهي وهذه مقدمة كتاب تطول فصوله وتتعدد ولا أرى له خاتمة!! والأمل كبير في ألا يزعج سخف هذه النكت جحافل الأطباء والعلماء أبناء الوطن في أن تستمر مقاومتهم الفكرية والأدبية للدغدغة الباردة لهذه النكت الفجَة.

جريدة الوطن السعودية -الثلاثاء 5 رجب 1429هـ الموافق 8 يوليو 2008م العدد (2839) السنة الثامنة


منظومة القيم المتخلخلة

5 يونيو 2008

نحن أبناء ثقافة ترى النقد مهما كان أسلوبه منقصة ومذمة، ومن أتى به يوصف بالتجاوز والتعدي على الآخرين! والنقد عندنا لا يأتي إلا من طرف واحد وباتجاه واحد! وفي العملية التعليمية هو حق مشروع للأستاذ وللطبيب الاستشاري وللمشرف على البرنامج وقلة تربية وسوء تصرف وجحود للنعمة لطالب الطب وللطبيب المقيم المتدرب!
والحق أن هذه ظاهرة لمشكلة عويصة عميقة تتعلق بتركيبتنا النفسية وما تراكم وأثر في تشكيل شخصياتنا الاجتماعية. وأذكر أن مظاهر الاضطراب والتناقض في أفكارنا وتعاملاتنا واضحة للعيان، كمثال بسيط جدا شباب في سيارتهم قريباً من البحر يستمتعون بتناول شطائر مع العصير، ينتهون من وجبتهم..يضعون المخلفات في كيس ثم يلقونه من نافذة السيارة وصندوق المهملات لا يبعد إلا متراً واحداً أو مترين عن سيارتهم. أو السائق الآخر الذي لا يحترم أحداً ولا يبالي بحياة الناس ولا بحقهم في الطريق فتراه يعود بمؤخرة سيارته عاكساً السير في شارع رئيسي مزدحم لا لشيء إلا لأنه تجاوز صاحب بسطة الحبحب! أو الذي يغلق منفذ الخروج لسيارة ما بسيارته بحجة إدراك الصلاة التي ينهيها ويتسنن بعدها بما شاء أن يتسنن ثم يخرج بعد ذلك ليزيح سيارته باعتذار سخيف بارد، كل ذلك وغيره أكثر(كإشكالية النظرة الموغلة في الجنس لكل ما يتعلق بالمرأة) يدل على ضرورة خلخلة منظومة القيم الاجتماعية التي نحشو بها عقول طلابنا في مدارسنا وجامعاتنا وبيوتنا وإعلامنا، فالإنسان عندنا لا يزال ينقصه كثير من أخلاقيات المدنية المعاصرة، همجية في التصرفات، رعونة وبدائية في القرارات،وسطحية الاهتمامات، وأتمنى أن ييسر الله لهذه الأمة رجلاً كالحارث المحاسبي صاحب الرعاية لحقوق الله أو كمن أتى من بعده ممن تأثر كثيراً بمنهجه كالإمام الغزالي صاحب الإحياء لكي يكتب ويستنبط ويشرح بأسلوب حديث يناسب العصر وثقافته ومعطياته وينفتح على التطورات الحاصلة في المجتمعات مستخدماً منهجية علمية إنسانية لا تهمل ولا تلغي الجهود العلمية العالمية في هذا المجال ليعلمنا كيف نعيش وكيف يجب أن تكون الشخصية المدنية الحضارية للمسلم المعاصر في نظرته لنفسه وللآخرين.

إن هناك قيماً وسلوكيات لا نعتبر لها وجوداً على الإطلاق لأننا لم نفكر فيها ولم نترب عليها، أين مثلاً الحرص على المال العام ومراعاة الآداب العامة في الأسواق والمطارات والمرافق المختلفة؟ أليست سلوكياتنا همجية بدائية؟! أين مثلاً قيم الشرطة المجتمعية؟ أين التفكير العلمي والبعد عن الخرافات والأساطير والسحرة والمشعوذين؟ أين إعلاء قيم العمل وبذل الجهد؟ أين احترام وإعلاء إنسانية الإنسان في أدب التعامل وحسن اختيار الألفاظ واللياقة في الحديث ومراعاة مشاعر الآخرين والثناء عليهم؟ سؤال: ما موقع العصبية القبلية في حياتنا اليومية؟ ومن ذلك أيضاً موضوع النقد وعدم الضيق بالرأي الآخر.
أسوق هذا الكلام بعد أن وصلتني عدة ردود أفعال بعد نشر مقال (أما الأطباء المقيمون فلا بواكي لهم) فبخلاف الأطباء المقيمين الذين وجدوا بعض المتنفس فيما كتبت، بل إن بعضهم ذكر لي أن ما كتبته ليس كل شيء وأن هناك ما هو أسوأ، قلت له ولم لا تكتب، قال: لن يسمع أحد ولن يتغير شيء! ثم إني لم أتجاوز اختبار الزمالة بعد وأخشى من… ولم يكمل حديثه ثم أردف قائلاً: ألا تفهمني؟! بخلاف هؤلاء الأطباء (الغلابة) هناك عدد من الزملاء من الأطباء الاستشاريين الذين أنكروا عليَّ الكتابة بهذه الحدة وبهذا الأسلوب، حجتهم أن مثل هذا الأمور لا تحل على صفحات الصحف… وفي كلا الموقفين دليل على ضرورة خلخلة منظومة القيم التي ذكرتها أعلاه! فذلك الطبيب المقيم يتنازل بكل بساطة عن حق من حقوقه في الحديث وإبداء الرأي الحر المتزن البعيد عن الكذب والمبالغة متذرعاً بالخوف ومتسلحاً بشعار اليأس، أليس هذا مسخاً لشخصياتنا الاجتماعية؟ والزملاء الآخرون لا يرون في مثل هذا النقد إلا رغبة الإثارة متناسين الإعلام ودوره في خدمة وتوجيه المجتمع، وأن الموضوع برمته لا يجب أن يكون من اهتمامات القارئ العادي، عجباً..! وبم يجب أن يهتم القارئ العادي إن لم يهتم بأمر أطباء سعوديين (وليس كما فهم بعض القراء الكرام من أني أتحدث عن أطباء غير سعوديين مزورين لشهاداتهم!) عليهم رعايته والاهتمام بصحته وصحة أبنائه ووالديه!! أليست هذه قضية رأي عام!! وإذا كان كل خبير وعارف – مثلي ومثلهم – لا يتكلم ولا يبدي الرأي فيما فيه خير وصحة الوطن والمواطنين ألا يعد هذا من باب السلبية والخمول الاجتماعي بل والتضليل؟ ألا نحتاج إذاً إلى أن نعلي في تربيتنا ومفاهيمنا الشعور بالمسؤولية والدور الفاعل والإيجابي لكل فرد نحو نفسه ومجتمعه والآخرين؟

ثم إن ما نتحدث عنه وننتقده ليس مما يصعب إصلاحه ويستحيل تعديله، بل إن الغريب أن يستمر الحال على ما هو عليه الآن! إن عدد الأطباء السعوديين الاستشاريين الخبراء المتمكنين يتجاوز العشرات وفي جميع التخصصات أفلا نستطيع أن ننسق وننظم الجهود لنرتقي بمستوى تدريب وتأهيل أطبائنا وطبيباتنا السعوديين؟ أفلا تستطيع الهيئة السعودية للتخصصات الصحية الاستعانة بهؤلاء وبإشراف خبراء التعليم الطبي السعوديين – وما أكثرهم – في تحديد كفايات التدريب ومخرجات التعلم الواجب توافرها في كل طبيب في أي تخصص يلتحق به؟ ومن ثم تصميم آلية فاعلة لقياس جودة أداء برامج التدريب المختلفة للتأكد من تحقق وجود هذه الكفايات بعد كل دورة تدريبية يخوضها المتدرب، لا أن ننسى الطبيب المتدرب طوال سني تدربه ولا نتذكره إلا وقت اختبار الزمالة العقيم وغير الدقيق لنقول له أنت راسب (أو راسبة) ونستغرب حينئذ لماذا لا تتجاوز نسب النجاح عندنا في اختبارات الزمالة 30% ؟

جريدة الوطن السعودية – الخميس 1 جمادى الآخرة 1429هـ الموافق 5 يونيو 2008م العدد (2806) السنة الثامنة


أما الأطباء المقيمون.. فلا بواكي لهم!

6 مايو 2008

الطبيب المقيم هو كل طبيب أنهى دراسته الطويلة في كلية الطب وأنهى التدرب في سنة الامتياز ثم انخرط في أحد البرامج التدريبية المتخصصة في الطب الباطني أو الجراحة العامة أو أمراض الأطفال أو أمراض النساء والولادة أو طب الأسنان وخلافه من علوم الطب المختلفة، على أن تكون سنوات التدريب (من أربع إلى خمس سنوات) تحت إشراف كلية عليا ككلية الأطباء والجراحين الملكية في كندا ومثلها في بريطانيا أو كهيئة عليا للتخصصات الصحية كما هو الحال في بلادنا.
هذه الفئة من الأطباء في بلادنا هم من طبقة الكادحين المستضعفين في الأرض الذين لا يملكون حولاً ولا قوة إزاء هزال وضعف البرامج التدريبية التي ينخرطون فيها. فلا تجد إلا الاستسلام الكامل من طرفهم وفقدان الأمل في أي تحسين أو تطوير في المستوى الأكاديمي لهذه البرامج!! ولا أدري هل يلاحظ القائمون على هذه البرامج أنه لا تكاد تلوح فرصة ابتعاث خارجي إلا وتهافت أطباؤنا المقيمون لنيل هذه البادرة والتخلص من تخلف وعقم الأنظمة التدريبية المحلية!
قد يصفني البعض بالتحامل والمبالغة فيما ذكرت…حسناً…ما رأيكم في أن نسبة النجاح في اختبار الزمالة السعودية السنوي للطب الباطني لا تتجاوز 20- 30% في السنوات الخمس الأخيرة!! أي أن من كل عشرة أطباء (أو طلبة!!!..كما يسميهم بعض منسوبي الهيئة) لا ينجح إلا طبيبان أو ثلاثة فقط!! وهذه نسبة مخيفة مفجعة! أعلم مركزاً تدريبياً رئيسياً في إحدى المدن دخل اختبار الزمالة السعودية ستة من متدربيه لم ينجح منهم إلا طبيب واحد!! ولا أحد يمكن أن يتخيل مدى الضغط النفسي والمعاناة التي يمر بها الأطباء أثناء التحضير لهذه الاختبارات، ومهما كتبت فلا أستطيع أن أصف مرارة أن يعلم الطبيب (أو الطبيبة) أنه لم يُوفق في اختبار الزمالة، هذه المرارة التي تظل لوعتها وحرقتها في فم هذا الطبيب ما حيي!!
إن مركزاً لا ينجح من أطبائه إلا طبيب واحد من ستة أطباء حري بأن يتم سحب الاعتراف به وإقالة مشرفه! إن برنامجاً لا ينجح فيه إلا 30% من الأطباء المتقدمين حري بأن يُغربَل رأساً على عقب وأن يُوقف من قبل الهيئة الطبية العليا لمعرفة أسباب هذا الفشل الذريع ولإعادة هيكلته من جديد لِكَفِّ الألم الذي يزرعه في نفوس أطبائنا وطبيباتنا من الكادحين المقهورين المغلوبين على أمرهم!!
أسمع نقداً كثيراً طويلاً – وأعلم أني لست الأول ولا الوحيد الذي يرى ما لا يراه الآخرون في هذه البرامج- عن ضعف شديد في الشخصية العلمية لهؤلاء الأطباء المقيمين، وضعف قدرتهم في اتخاذ القرارات الطبية السليمة، وضعف الثقة في النفس، وضعف القدرة على الحديث بأسلوب علمي رصين، أضف إلى ذلك ضعفا شديدا في المهارات السريرية ويكاد يكون أضعف من مستوى الأطباء حديثي التخرج. وإني أتفق مع كل هذا!! وأذكر أن عدة دراسات – بعضها نشر في مجلة الجمعية الأمريكية الطبية- أكدت ضعف مهارات الأطباء المقيمين (في البرامج الأمريكية تحديداً) في معرفة التغييرات المرضية الحادثة عند فحص القلب والرئتين بالسماعة الطبية مقارنة باستشاريي أمراض القلب، والأمر المخيف هو أن قدرات الأطباء المهارية على استخدام السماعة لا تتحسن مع تقادم سنوات التدريب، وأن طلبة الطب سجلوا نسباً أفضل من الأطباء المقيمين!!
ورغم أن كل هذا النقد صحيح في أغلبه إلا أنه يساق بأسلوب و طريقة تبرئ الأطباء المشرفين على البرامج التدريبية، وتبرئ المناهج والكفايات العلمية والمهارية والأخلاقية الواجب توافرها في هؤلاء الأطباء، وتبرئ أساليب التدريب والتعليم التي ينخرط فيها هؤلاء الأطباء، وتبرئ أساليب التقييم التي يتم بها تحديد مصير هؤلاء الأطباء، بل وتبرئ الأجواء والبيئة التعليمية والإدارية التي يتدرب ويعامل بها هؤلاء الأطباء!!(ولا تسل عن التعليم الطبي لمرحلة ما قبل التخرج ومشاكله) وتجد أن أسهل شيء لأي مسؤول هو إلقاء اللائمة بالكامل على عاتق الأطباء المقيمين، بل ويتجاوب مع هؤلاء بعض القائمين على أمر التعليم الطبي ويبدؤون بعقد دورات لهؤلاء الأطباء (الغلابة) في مهارات الاتصال ظناً منهم أن في ذلك حلا للمشكلة المستعصية لهؤلاء الأطباء الذين يقدمون اختبار الزمالة السعودية للمرة الثانية والثالثة بل والخامسة عند البعض دون أن يحالفهم النجاح!!! إنهم يرون القذعة بل والشعرة في أعين هؤلاء الأطباء المقيمين ولا يرون الساطور الذي فصل أجسام البرامج التدريبية الواهية إلى قسمين بل وفصل الرأس عن الجسد!!
أبدأ من أساليب التقييم التي عفا عليها الزمن وأشرت إليها بشيء من التفصيل في مقال سابق ( “الوطن”، العدد 2555 )، فالاعتماد على أسلوب الحالة الطويلة كما هو المتبع في اختبارات الزمالة السعودية أصبح من ذكريات التعليم الطبي المؤلمة التي تخلصت منها جل الكليات الملكية والهيئات الطبية العالمية التي تعقد مثل هذه الاختبارات لترخيص عمل هؤلاء الأطباء، فهذه الطريقة تفتقد المصداقية ولا دقة فيها، فلا تتوقع والحالة هذه من الأطباء المقيمين غير التيه والضياع وهم يحضرون لاختبارات مبهمة كهذه!!
وذكرت كلمة المنهج أعلاه والكفايات العلمية والمهارية والأخلاقية الواجب توافرها في هؤلاء الأطباء، وأقول إنه لا يوجد منهج (ولا يحزنون)!! فلا أحد يعرف متطلبات وكفايات السنة الأولى والثانية وعند التخرج، لا الأطباء أنفسهم ولا المشرفون على تدريبهم من الاستشاريين، وتبعاً لذلك يمضي الأطباء المقيمون سني تدربهم من مكان لآخر ومن دورة في تخصص ما إلى دورة أخرى في تخصص آخر دون أن يتم التأكد أنهم تمرسوا في هذه الكفايات وتمكنوا منها، فلا معنى إذن لمن ينهي دورة لمدة شهر أو شهرين في أمراض المفاصل وبنهاية فترة تدربه لا يجيد فحص المفاصل ولا يجيد التعامل مع نتائج التحاليل الخاصة بهذه الأمراض!! أو الآخر الذي ينهي العمل في دورة الأمراض العصبية وهو لا يجيد فحص الجهاز العصبي!! إذ لا توجد آلية للتحقق من هذا الشيء، لأن هذا الشيء أصلاً غير موجود وغير مكتوب، والحاصل هو خبط عشواء!!
أما أساليب التدريب والتعليم فهي الأسوأ!! إنها لا تربي شخصية الطبيب العلمية الرصينة الواثقة بما تقول وتعمل، ولكنها تربي السطحية في التفكير والتبعية في اتخاذ القرارات، ولا يوجد أي نظام متابعة أو تقويم دوري لأداء عمل الأطباء، ولعلي أفصل القول فيها في مقال مستقل، وأسوأ منها أن جل المشرفين على برامج التعليم هذه ومن في حكمهم من الاستشاريين المسؤولين عن تدريب هؤلاء الأطباء لا ناقة لهم ولا جمل في التعليم الطبي وآلياته وأساليبه!! وما يجيده أغلبهم حقيقة هو أساليب التحقير والتهزيء والحط من شأن هؤلاء الأطباء بل والشتم أحياناً!!!

ألم تصدقوا بعد أن هؤلاء الأطباء المقيمين لا بواكي لهم!! من يعبأ بأمرهم؟ من يهتم بأمر تدربهم وتعلمهم وتقييمهم؟ بل من يلتفت إليهم وإلى معاناتهم؟ أخشى أنه حتى هذه الكلمات لا بواكي لها!! ستتزين بها صفحة هذه الصحيفة ثم تدفن في غياهب النسيان لتنبت عليها زهور اليأس.

جريدة الوطن السعودية – الثلاثاء 1 جمادى الأولى 1429هـ الموافق 6 مايو 2008م العدد (2776) السنة الثامنة